فهرس الكتاب

الصفحة 1543 من 2431

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) } [الحجرات:6] .

فالأصل في الإنسان العاقل أن يبني أحكامه ومواقفه على العلم.

ثانيًا: الظن السيئ:

من خلال تعريف الظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين، نستطيع أن نعرف سوء الظن بأنه: اعتقاد جانب الشر، وترجيحه على جانب الخير في ما يحتمل الأمرين معًا 52.

وقيل: هو الاتهام بغير دليل. أو كما قال البعض: هو غيبة القلب، يحدث نفسه عن أخيه بما ليس فيه. أو هو: حمل التصرفات، قولًا وفعلًا، على محامل السوء والشكوك 53.

وسوء الظن بالله أبلغ في الذنب من اليأس والقنوط، وكلاهما كبيرة، وذلك لأنه يأس وقنوط وزيادة؛ لتجويزه على الله تعالى أشياء لا تليق بكرمه وجوده، فهو أعظم إثمًا وجرمًا 54.

قال تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] .

فالذي يظن به جل وعلا أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة، فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظنّ السوء الذي ظنّه أهل الجاهلية. وهو أيضًا ظن المنافقين: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) } [الفتح:6] .

سوء الظن بالله هو ظن ما لا يليق به تعالى وبحكمته، و بوعده الصادق. فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، فذلك ظن السوء 55.

فظنّ السّوء آفة الآفات، وأصل البليّات، فما كفر كافر ولا أشرك مشرك ولا ابتدع مبتدع بدعة في العقائد كالقدرية، والجبرية، والخوارج، والمرجئة، وغيرها إلا وأصل ذلك ظنّ السّوء. وكل هذا من ظلم النفس الذي هو صورة من صور سوء الظن فملكة سبأ حينما رأت الصرح حسبته لجة؛ فظنت أن سليمان يريد أن يغرقها، ثم لما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير، علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن.

وفي ذلك يقول سبحانه: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) } [النمل:44] .

فهي تعني بقوله: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} الظن الذي ظنت بسليمان عليه السلام 56.

إن سوء الظن بالمسلمين كبيرة من كبائر الذنوب، فهو محرم بنص قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] .

وسبب تحريمه: أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لنا أن تعتقد في غيرنا سوءًا إلا إذا انكشف لنا بعيان لا يقبل التأويل 57. ثم إننا نلحظ أنه عز وجل قال: {اجْتَنِبُوا} بلفظ الأمر، ولم يقل: (لا تظنوا) بلفظ النهي، مع أن اجتناب المنهي أشد من فعل المأمور، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه 58.

والنهي عند الأكثرين للتحريم بخلاف الأمر؛ فإن فيه خلافا. فالجواب: أنه لو قيل: لا تظنوا كان النهي عاما في جميع الظن، والمراد إنما هو بعض الظنون، فأتى فيه بلفظ الأمر وفي ضمنه النهي، لأن مادة الاجتناب تدل عليه، وعلق النهي بأكثر الظن لا بجميعه.

وتتضح حرمة سوء الظن بمقياسها الكبير بالدم والعرض والمال مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث تثبت ذلك، فعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم _ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والّذي نفس محمّدٍ بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند اللّه حرمةً منك، ماله ودمه وأن نظنّ به إلاّ خيرًا) 59.

فالحديث نص على اقتران ظن السوء بالاعتداء على الآخرين بالدم والمال والعرض، مع أن سوء الظن هو جريمة معنوية، بخلاف الدم والمال والعرض فهم جريمة مادية. فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال وهو البيّنة، فإذا لم يكن كذلك، وخطر لك وسواس سوء الظن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر.

وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا النوع من الظن، فقال: (إيّاكم والظّنّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث) 60.

لا شك أن الكذب كبيرة من الكبائر، والرسول صلى الله عليه وسلم جعل الظن من أكذب الكذب وأكبره؛ لأن من ظن ظنّ السوء حملته نفسه على أن لا يرى إلا السوء، ولا يحمل القول ولا يرى في الفعل إلا جانب السوء، فيكون قد جمع من المساوئ ما هو أعظم من الكذب. وأمارة عقد سوء الظن أن يتغير القلب معه عما كان، فينفر عنه نفورًا ما ويستثقله، ويفتر عن مراعاته، وتفقده، وإكرامه، والاغتمام بسببه. فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه، فلا يحققه في نفسه بعقد ولا فعل ولا في القلب ولا في الجوارح. أما في القلب: فبتغيره إلى النفرة والكراهة، وأما في الجوارح: فبالعمل بموجبه.

وفي التاريخ الإسلامي نجد أنّ حادثة الإفك ما هي إلا سوء الظن، حيث ظن المنافقون وغيرهم الظنون السيئة في عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة خليله رضي الله عنهما، والتي عظمها سبحانه وجعلها من البهتان العظيم؛ {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) } [النور:16] .

إن المنافقين لمّا فشلوا في محاولاتهم التخذيلية، وخابت آمالهم في هزيمة المسلمين عبر صراعهم مع الوثنين واليهود، تحولوا إلى حلقة جديدة من سلسلة الإيذاءات والمحن التي نالها منهم المسلمون، وذلك من خلال أسلوب التخريب الداخلي بنشر الإشاعات المغرضة الهدّامة، التي من شأنها أن تزلزل بنيان المجتمع الإسلامي وتشل حركته. ولكن حادث الإفك كان خيرًا في الآجل والعاجل؛ من حيث فوائده العظيمة، وصدق الله إذ قال: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11] .

فمن فوائده: أن الله أراد أن يضرب بوقوعه المثل للمؤمنين بأن الاتهام الكاذب (سوء الظن) لم يبرأ منه سيد البشر وأفضل الناس، والمؤمن قد يبتلى بشيء من سوء ظن أو إشاعة تمس دينه، أو عرضه؛ فلا يتسرع في مواجهة مثل هذه الحوادث، بل يجب على من ابتلي بشيء من ذلك؛ أن يتجمّل بالصبر، ويتصرّف بحكمة وروية، فالمنافقون موجودون إلى وقتنا الحالي، وصفاتهم مازالت وستبقى كما بيّنها لنا القرآن الكريم. وهذا لا يعني أن نتمنّى وقوع الشر طمعًا أن يتولّد منه الخير، ولكن إن وقع فتفاؤلنا يغرينا أن نتحسس في طوايا المحن منحًا، فالفأل الحسن منعة لنا بإذن الله من أن يغلبنا التشاؤم فنستسلم للشر. على أنه ينبغي أن لا نفرط في التفاؤل فيؤول بنا إلى أن نهوّن من غوائل الشر و نهمل مواجهته، فيصبح التفاؤل نفسه شرًا لنا لأننا أفرطنا فيه. ومن حادثة الإفك علم الناس من هم المنافقون الذين يعملون على خلخلة المجتمع المسلم، والعمل على هز أركانه؟! كما علم المسلمون كيف يواجهون مثل هذه الإشاعات؟! وعلموا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويفضح كل خوان كفورٍ. فسوء الظن أمره خطير، وخطره على المسلمين أعظم منه على المنافقين أنفسهم. وحسبنا أن نعلم أن مصيبة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهزائمها في هذه الأيام جاءت من منافقيها الذين تسللوا داخل صفوفها، فأفسدوا تراثها، وأعملوا معاولهم في عقيدتها، حتى إذا نخرت دوحة الأمة من داخلها؛ يسر على العدو الخارجي من الصهاينة كسرها في سهولة 61.

قد يعبر بالظن عن اليقين؛ لأن في الظن طرفًا منه 62. ولعل هذا الطرف هو الرجحان. فبين الظن و اليقين- قدرًا مشتركًا وهو: الرجحان وتأكد الاعتقاد، فيتجوّز بالظن عن اليقين.

فالظن يقع موقع اليقين في الأمور المحققة، وعندما نتتبع الآيات التي ورد فيها الظن بمعنى اليقين في كتاب الله نجد أنه في معناه أقوى من اليقين فهو علم مالم يعاين؛ بدليل أن ما بعده لا يحتمل الشك أبدًا أو تشوبه ريبة في صحته؛ لأنه من ثوابت العقيدة التي لا مجال فيها للشك والارتياب.

وقد ذكر القرآن صورًا لهذا الظن اليقيني منها:

أولًا: ملاقاة الله:

في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:46] .

وقوله: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} [البقرة:249] .

نلحظ ورود فعل الظن فيها جزءًا من سياق الحديث عن عقيدة البعث واستقرارها في نفوس المؤمنين، وهذه الأمور متعلقة بالآخرة، وكما جاء عن مجاهد رحمه الله: إن ظن الآخرة يقين، بينما ظن الدنيا شك 63. كما نلحظ أن مفعول الظن في هذه الآيات، يحدّد دلالة اللفظ نفسه، فالمدح الذي استحقه أولئك الظانون أنهم ملاقوا الله لم يستحق لهم إلا بموجب هذا المفعول، فهو الذي ضمهم إلى فئة دون الأخرى أو بعبارة أدق (هو الذي حدد الفئة التي سيضمون إليها) ولو أنهم ظنوا أنهم (غير مبعوثين) مثلًا، لما كان تصنيفهم على ما هو عليه الآن في هذه الآيات، ولضمّوا بالوصف أو غيره من أدوات اللغة إلى الفئة المذمومة لا المحمودة 64. والقراءات في هذه الآية تؤكد هذا الظن اليقيني، حيث قرئت {يَظُنُّونَ} في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:46] .

يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء؛ فيعملون على حسب ذلك. وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم 65.

وقد فسّر الظن في قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) } [الجن:12] .

كذلك على معنى اليقين للأسباب السابقة نفسها؛ إذ وردت الآية - بما فيها لفظ الظن - في سياق حديث الجن الصالحين عن إيمانهم، جاعلين جزءًا من هذا الإيمان ظنهّم أنهم لن يعجزوا الله في الأرض ولن يعجزوه هربًا. ولو أنّ فاعل الظن كان من الجن غير الصالحين، أو أن المفعول كان ذا دلالة متنافية مع مفهوم الإيمان الصحيح في الإسلام، أو كلاهما معًا؛ لفسّر الظن على غير معنى اليقين كما في مواضعه الأخرى من السورة نفسها 66.

ثانيًا: ملاقاة الحساب:

إن المؤمن يوقن ويعلم أن الموت ليس نهاية المطاف؛ بل بعده أمور جسام وهو على يقين أن الله يبعث هذه الأجساد من قبورها للعرض والحساب في يوم القيامة، فبعد مجيء الربّ تبارك وتعالى لفصل القضاء تعطى الكتب فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله فأما من أوتي كتابه الذي ضم حسناته بيمينه فيقول في فرح عظيم خذوا كتابي فاقرؤه، ويعلل لسلامة كتابه من السيئات فيقول: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة:20] ، أي علمت أني ملاقٍ حسابية لا محالة 67، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة:20] .

يقول: أيقنت. ويكون المعنى: أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة 68.

قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شك.

ثالثًا: وقوع العذاب يوم القيامة:

في يوم القيامة تنكشف الحقائق، فيحصل للكفار العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك، كما قال تعالى عنهم أنهم يقولون يوم القيامة: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12] .

وقال تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: 38] .

وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} [الأنعام: 30] .

وقال: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) } [ق: 22] 69.

ومن الآيات التي ورد فيها ظن وقوع العذاب يوم القيامة: قوله تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف:53] .

وقوله سبحانه: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) } [القيامة:25] ، وقوله: {وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) } [فصلت: 48] .

عندما نقرأ الآيات في سياقاتها نجد أنّ السياق الموضوعي للآيات واحد يتضمّن وصفًا لأحداث في وقوعها، ووصفًا لأحوال الأشخاص حاضري هذه الأحداث في أثناء وقوعها كذلك.

ففي الآية الأولى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) } [الكهف:53] رؤية عينية ترتب عليها الظن، فالفعل (رأى) متعد لواحد (النار) ، وترتب على الرؤية هذا الظن بموجب دلالة الفاء الرابطة بين الجملتين، وسابق على الرؤية يأس يقيني من نجدة الشركاء والآلهة التي آمنوا بها من دون الله الواحد {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} ثم {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) } [الكهف:52] .

فلا يمكن مع الرؤية العينية، والإدراك العقلي السابق على الرؤية واللاحق بها {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} ، لا يمكن مع نظرتحقق هذين الأمرين أن يكون (ظنّ) الكافرين مجرد شك، وأين إذن يكون اليقين بعد الرؤية العينية؟! فالظن هنا إذن (معنى وفعلًا) له قوة الرؤية العينية المصاحبة لإدراك عقلي وتأكيدها، ألا وهو اليقين التام.

وفي الآية الثالثة: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) } [فصلت:48] لدينا الإدراك العقلي نفسه، بعد تخلي الشركاء تخليًا إراديًا مقصودًا {قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) } [فصلت: 47] .

ثم تأكيد لهذا التخلي بجملة تعقيبية لا تدع مجالًا للشك أو الاحتمال، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ} بما في ذلك الفعل الماضي من قطعية المضي وحتمية الانقضاء، لتكون النتيجة بعد ذلك، اكتمال هذا الإدراك العقلي وتيقنه، أنه: (ما من محيص) 70.

قال الشنقيطي رحمه الله: «الظن هنا بمعنى اليقين؛ لأن الكفار يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، وشاهدوا الحقائق، علموا في ذلك الوقت أنهم ليس لهم من محيص، أي ليس لهم مفر ولا ملجأ» 71.

وقال البغوي في قوله تعالى: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) } [القيامة:25] : «تستيقن أن يعمل بها عظيمة من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر. قال سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر. قال ابن زيد: هي دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل 72.

رابعًا: حصول الهلاك:

إذا تتبعنا الآيات التي جاء فيها ظن الهلاك وجدنا أن الظن فيها يقينيًا كما في قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} [ألأعراف:171] .

فبنو إسرائيل لما رأوا الجبل فوقهم أيقنوا أنه سيقع عليهم؛ لأن الجبل لا يثبت في الجو، ولأنهم كانوا يوعدون به، وإنما أطلق الظن؛ لأنه لم يقع متعلقة وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها؛ فرفع الله الطور فوقهم 73. وكذلك الحال في قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) } [يونس:22] .

لقد ظهرت علامات الهلاك دفعة واحدة ثم إنه قد أحاط بهم وأحدق من كل جانب، يقول الرازي: رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة؛ فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة. وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب. وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، وأن النجاة ليست متوقعة، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب، والخوف «74.

وإنما كان ظن الهلاك يقينيًا في هذه الآيات لأمور منها: ماقرّره الزركشي من أن كل ظن يتصل به أن المشددة فهو يقين 75، وما يحيط بهذا الظن من دلائل تنبئ عن تحقق وقوع هذا الهلاك.

خامسًا: اللجوء إلى الله:

من الآيات التي تبيّن هذا المعنى، قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) } [ص:24] .76، وقوله جل جلاله: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} [التوبة:117 - 118] .

إن لفظ الظن في هذه الآيات ورد في أمر من الأمور الثابتة في عقيدة المسلم مما يؤكد أنه ظن يقيني، ثم لو تأملنا سياق الآيات لوجدنا أن أشخاص القصتين من عباد الله الصالحين الذين يقعون فيما يقع فيه العبد الصالح من ذنب أو تفريط، ويهيئ الله لهم برحمته أن يروا من الآيات ما ينبههم إلى ذنبهم، فيتوبون عنه وتقبل توبتهم. كما نجد أن الموضوع الأساسي للقصتين هو قبول التوبة إذ يقول سبحانه في قصة الثلاثة: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) } [التوبة:117 - 118] .

ويقول في قصة داود عليه السلام: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) } [ص:24 - 25] فالظن في القصتين وقع على أمر صحيح، ودليل هذا قبول التوبة؛ وإلا كيف تقع التوبة على أمر لم يقع، فقد كان الظن إذن ظنًا بما هو حق.

ففي قوله تعالى في قصة داود: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} دليل على صدق ظن داود عليه السلام، وعمله من استغفار وركوع وإنابة دليل على استقرار هذا الظن في نفسه بما يقربه إلى اليقين. ولو أن الظن هنا بمعنى الحسبان؛ لورد في السياق تصديق هذا الظن وتأكيده، أو نفيه وتبرئة النبي عليه السلام منه، بدلًا من {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} ، الذي هو استجابة لعمله (الاستغفار) المبني على إدراكه الفتنة وتيقنه منها، اللذين عبر عنهما بلفظ (ظن) . وفي آية التوبة يكون قبول الله توبتهم، دليلًا على صدق التوبة وتمكنها من نفوسهم، وأنهم قد تابوا حقًا، أي أن ظنهم {أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} ليس شكًا بل يقينًا وعملًا، اقتضى لهم المغفرة كما وعد الله سبحانه كل تائب صادق من عباده 77.

سادسًا: لحظة الفراق (الموت) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت