أولًا: المعنى اللغوي:
تدور مادة (خوف) حول الذعر والفزع 1، يقال: خاف يخاف خوفًا وخيفة ومخافة، ومنه التخويف والإخافة، والنعت منها خائف 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج عن معناه في اللغة تقريبًا، فالأصفهاني يعّرف الخوف بأنه: «توقّع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية» 3.
وعرفه الجرجاني بأنه: «توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب» 4.
وقال التفتازاني: «غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء» 5.
يتضح مما سبق أن الخوف شعور بالاضطراب وعدم الأمن نتيجة حدوث مكروه في الحال، أو توقع حدوثه في المستقبل.
وردت مادة (خوف) في القرآن الكريم (124) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 18 ... {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) } [الرحمن:46]
الفعل المضارع ... 68 ... {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [النحل:50]
فعل الأمر ... 1 ... {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) } [آل عمران:175]
المصدر ... 34 ... {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) } [قريش:4]
اسم الفاعل ... 3 ... {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:18]
وجاء الخوف في القرآن الكريم على ثلاثة وجوه 7:
الأول: الخوف نفسه: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف:56] .
الثاني: القتل أو القتال: ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} [النساء:83] أي: القتل، وقوله تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} [الأحزاب:19] يعني: انجلى الحرب والقتال.
الثالث: العلم أو الظن: ومنه قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] يعنى: علمتم أو ظننتم.
الخشية:
الخشية لغة:
تدل مادة (خشي) على خوفٍ وذعرٍ 8.
الخشية اصطلاحًا:
عرفها الأصفهاني بأنها: «خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] » 9.
وعرفها الجرجاني بأنها: «تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته. وخشية الأنبياء من هذا القبيل» 10.
الصلة بين الخوف والخشية:
الخشية أعلى من الخوف وأشد منه.
وقيل: «الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا» 11.
الرعب:
الرعب لغة:
ذكر ابن فارس أن معنى الرعب يرجع إلى ثلاثة أصول: الخوف، والملء، والقطع 12.
وقال الراغب: «الرّعب: الانقطاع من امتلاء الخوف» 13.
الرعب اصطلاحًا:
هو الذعر والخوف الشديد من خطر يؤدي إلى فقدان القدرة على الحركة أحيانًا.
الصلة بين الخوف والرعب:
الرعب أخص من الخوف وهو يدل على امتلاء القلب بالخوف وسيطرته عليه مما يسبب الانقطاع والذهول.
الشفقة:
الشفقة لغةً:
أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت 14، وهي «صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس» 15. شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة 16.
الشفقة اصطلاحًا:
الشفقة هي ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، وهي عناية مختلطة بخوف 17.
«الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها» 18.
الصلة بين الخوف والشفقة:
«إن الشفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، ومن ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها، أي: ترق له، وليست هي من الخشية والخوف في شيء.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) } [المؤمنون:57] .
ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول: ذلك، كما لا يحسن أن يقول يخشون من خشية ربهم» 19.
الرهبة:
الرهبة لغة:
رهب: خاف رَهْبَةً ورُهْبًا. ورجلٌ رَهَبوتٌ، أي: مرهوبٌ، يقال: رَهَبُوتٌ خيرٌ من رحموتٍ. أي: لأن تُرْهَب خيرٌ من أن تُرْحَم 20.
الرهبة اصطلاحًا:
الرهبة: هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي مخافة مع تحرز واضطراب، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه 21.
الصلة بين الخوف والرهبة:
قال العسكري: «الرهبة طول الخوف واستمراره، ومن ثمّ قيل للراهب راهب؛ لأنّه يديم الخوف» 22.
فالرهبة خوف مخصوص.
الإشفاق:
الإشفاق لغةً:
أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت 23، وهي «صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس» 24. شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة 25.
الإشفاق اصطلاحًا:
«الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها» 26.
الصلة بين الخوف والإشفاق:
«الشّفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، ومن ثمّ يقال للأم إنّها تشفق على ولدها، أي: ترق له» 27.
وهكذا فالإشفاق من أعلى درجات الخوف، مصحوب برقة كبيرة وعناية ونصح للمشفق عليه، يرافقه التوقع والحذر.
الفزع:
الفزع لغة:
قال ابن فارس: « (فزع) الفاء والزّاء والعين أصلان صحيحان، أحدهما الذّعر، والآخر الإغاثة» 28.
يقال: «فزع منه وفزع فزعًا وفزعًا وفزعًا، وأفزعه وفزّعه: أخافه وروّعه، فهو فزعٌ» 29.
الفزع اصطلاحًا:
«انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه» 30.
الصلة بين الخوف والفزع:
«الفزع مفاجأة الخوف عند هجوم غارة أو صوت هدة وما أشبه ذلك، وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل» 31.
وهكذا فالفزع يختص بالمفاجأة، ويصاحبه توقع مكروه عاجل، وانقباض ونفور من المخوف.
الأمن:
الأمن لغة:
ضد الخوف، والفعل منه: أمن يأمن أمنًا 32.
الأمن اصطلاحًا:
عدم توقع مكروه في الزمان الآتي 33، وأصله: طمأنينة النفس وزوال الخوف 34.
الصلة بين الأمن والخوف:
الأمن ضد الخوف.
إن المتدبر في كتاب الله عز وجل يجد أن الخوف ينقسم -حسب مشروعيته- إلى قسمين:
أولًا: خوف مشروع:
وهو ينقسم إلى قسمين:
1.خوف الفطري.
وهو حالة انفعالية تتسم بالقلق وعدم الراحة بسبب التواجد قريبًا من مصادر الخطر، أو الشرور، أو الألم التي يتوقع الإنسان حدوثها أو مصادفتها، ويتوق إلى تجنبها.
وهذا الخوف موجود عند جميع البشر بمن فيهم الأنبياء، وهو ليس صفة ذم أو نقص بالعموم ما دامت تتناسب مع حجم المخوف، لذا فلا يلام عليها الإنسان؛ لأنه مفطور عليه في الغالب.
2.خوف محمود.
وهو الخوف الذي يرضاه الله ورسوله.
ويشمل كل ما يحجز المرء عن محارم الله، ويردعه عن الانزلاق في مستنقع المعاصي والآثام، ويسوقه إلى التوبة النصوح كلما استزله الشيطان أو أصابه رذاذ الغفلة والنسيان.
و «الخوف له قصور، وله إفراط، وله اعتدال، والمحمود هو الاعتدال والوسط.
فأما القاصر منه: فهو الذي يجري مجرى رقة النساء، يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن فيورث البكاء وتفيض الدموع، وكذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس ورجع القلب إلى الغفلة، فهذا خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع وهو كالقضيب الضعيف الذي تضرب به دابة قوية لا يؤلمها ألمًا مبرحًا فلا يسوقها إلى المقصد ولا يصلح لرياضتها.
وأما المفرط: فإنه الذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال حتى يخرج إلى اليأس والقنوط وهو مذموم أيضًا؛ لأنه يمنع من العمل.
وأما خوف الاعتدال: فهو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات، وما لم يؤثر في الجوارح فهو حديث نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى خوفًا» 35.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل لم يكن محمودًا» 36.
وهذا الخوف المحمود يشمل ثلاثة أمور:
1.الخوف من مقام الله.
ورد الخوف من مقام الله تعالى في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الرحمن:46] .
قال القرطبي: «والمعنى خاف مقامه بين يدي ربّه للحساب فترك المعصية. فـ (?) مصدرٌ بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربّه عليه، أي: إشرافه واطّلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الرعد:33] .
وقال مجاهدٌ وإبراهيم النّخعيّ: هو الرّجل يهمّ بالمعصية فيذكر اللّه فيدعها من خوفه» 37.
والخوف من مقام الله يشمل الخوف من عظمته وجلاله وكبريائه، ومراقبته لعبده واطلاعه عليه وإحصائه لأعماله، والخوف من غضبه وسخطه وسطوته، كل ذلك يدفع المؤمن إلى تقوى الله بفعل طاعته واجتناب نواهيه، وزجر نفسه كلما دعته إلى اتباع الهوى ومقارفة السيئات. وهكذا يصوغ الخوف شخصية المؤمن وفق مسار التقوى فلا ينحرف عنه يمنة أو يسرة. يقول الأستاذ سيد قطب: «والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة، فظل في دائرة الطاعة.
ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى، فالجهل سهل علاجه، ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبير بدوائها، وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها! ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته، ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها، وأن يستعين في هذا بالخوف؛ الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب» 38.
2.الخوف من عذاب الله.
تعددت النصوص القرآنية التي تحذر العباد من عذاب الله تعالى سواء الدنيوي أو الآخروي.
قال تعالى: (? ? ? ? ?) [الإسراء:57] .
قال ابن كثير: «أي: ينبغي أن يحذّر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا باللّه منه» 39.
إن غفلة الناس عن عذاب الله تعالى تدفعهم إلى الاستخفاف بحرماته وتضييع أوامره، وربما استغل الشيطان هذه الفرصة ففتح لهم أبواب الرجاء الكاذب والأمل الخادع ليجعلهم يتخذون من الطمع في رحمة الله، مدخلًا يدخلون به على المعاصي في جرأة فاجرة، ناسين أن من يرجو ويطمع في رحمة الله عز وجل، يجب أن يكون ممن يخشاه، ويتوقّى محارمه.
ولقد قصَّ علينا القرآن الكريم صورًا كثيرة من عذاب الله الدنيوي للأمم السابقة التي تمادت في الكفر والجحود والعناد حتى أهلكها الله بعذابه، كما قال تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?) [العنكبوت:40]
قال ابن كثير: « (? ? ?) أي: كانت عقوبته بما يناسبه.
(? ? ٹ ٹ ٹ) ، وهم عادٌ، وذلك أنّهم قالوا: من أشدّ منّا قوّةً؟ فجاءتهم ريحٌ صرصرٌ باردةٌ شديدة البرد، عاتيةٌ شديدة الهبوب جدًّا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض.
(ٹ ? ? ?) ، وهم ثمود، قامت عليهم الحجّة وظهرت لهم الدّلالة، من تلك النّاقة الّتي انفلقت عنها الصّخرة، مثل ما سألوا سواءًا بسواءٍ، ومع هذا ما آمنوا بل استمرّوا على طغيانهم وكفرهم، وتهدّدوا نبيّ اللّه صالحًا ومن آمن معه، وتوعّدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحةٌ أخمدت الأصوات منهم والحركات.
(? ? ? ? ?) ، وهو قارون الّذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرّبّ الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنّه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف اللّه به وبداره الأرض.
(? ? ?) ، وهم فرعون ووزيره هامان، وجنوده عن آخرهم، أُغرقوا في صبيحةٍ واحدةٍ، فلم ينج منهم مخبرٌ.
(? ? ? ?) أي: فيما فعل بهم، (چ چ چ چ) أي: إنما فعل ذلك بهم جزاءً وفاقًا بما كسبت أيديهم» 40.
كما قال تعالى في موضع آخر: (ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ?) [هود:102] .
إنها سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين الذين يستخفون بالإنذار والوعيد، ويتمادون في العناد والطغيان، فعندما يأتي عذاب الله في الأجل المقدر له فلا مفر منه ولا مهرب، فليحذر المجرمون من عقاب الله وعذابه، ولا يغرهم تأخر نزوله، فإنما هو إملاء واستدراج.
عن أبي موسى الأشعري رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ:(ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ) ) 41.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المرور بمنازل أهل العذاب إلا مع البكاء والخشية، فقد ذكر ابن عمر رضي الله عنه قال: لما مر النبي بالحجر- منازل ثمود قوم صالح- قال: (لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلاّ أن تكونوا باكين) ، ثمّ قنّع رأسه وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي 42.
أما عن العذاب الآخروي فقد وصفه الله تعالى بأنه أشد وأبقى كما قال تعالى: (? ? ٹ ٹ) [طه:127] .
«أي: أفظع من المعيشة الضّنك، وعذاب القبر. (ٹ) أي: أدوم وأثبت؛ لأنّه لا ينقطع ولا ينقضي» 43.
كما وصف العذاب بأنه أخزى كما قال تعالى: (? ? ?) [فصلت:16] .
«والخزي: هو الذّلّ، والهوان بسبب ذلك الاستكبار ولعذاب الآخرة أخزى، أي: أشدّ إهانةً وذُلًّا، ووصف العذاب بذلك، وهو في الحقيقة وصفٌ للمعذّبين؛ لأنّهم الّذين صاروا متّصفين بالخزي» 44.
كما وصف بصفات أخرى منها: العذاب الأليم، كما في قوله: (? چ چ چ چ ? ? ?) [الذاريات:37] .
ووصف أيضًا بالكبير كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [هود:3] .
ووصف بأنه عذاب يوم محيط، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [هود:84] .
قال القرطبي: «وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم، فإنّ يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يومٌ شديدٌ، أي: شديدٌ حرّه. واختلف في ذلك العذاب، فقيل: هو عذاب النّار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدّنيا» 45.
إن القلوب العامرة بالتقوى إذا تذكرت عذاب الله عز وجل امتلأت خشية وخوفًا، وسارعت إلى مرضاته وطاعته، وتجنبت ما يسخطه ويغضبه، ولقد مدح القرآن الكريم المؤمنين الذين يخشون عذابه في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ) [المعارج:27 - 28] .
إنها «درجة الحساسية المرهفة، والرقابة اليقظة، والشعور بالتقصير في جنب الله على كثرة العبادة، والخوف من تلفت القلب واستحقاقه للعذاب في أية لحظة، والتطلع إلى الله للحماية والوقاية.
وفي قوله هنا: (ہ ہ ھ ھ ھ) إيحاء بالحساسية الدائمة التي لا تغفل لحظة، فقد تقع موجبات العذاب في لحظة الغفلة فيحق العذاب. والله لا يطلب من الناس إلا هذه اليقظة وهذه الحساسية، فإذا غلبهم ضعفهم معها، فرحمته واسعة، ومغفرته حاضرة. وباب التوبة مفتوح ليست عليه مغاليق!» 46.
ولشدة عذاب الله عز وجل وخطورته، ذكر القرآن الكريم حرص وخوف عدد من الأنبياء عليهم السلام على أقوامهم وتحذيرهم من الكفر والتكذيب المستحق لعذاب الله الدنيوي والأخروي، فمن ذلك خوف نوح عليه السلام على قومه في قوله تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ?) [هود:25 - 26] .
ومن ذلك خوف هود عليه السلام على قومه في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [الأحقاف:21] .
كما حذر شعيب عليه السلام قومه من عذاب ربهم إذا استمروا على عنادهم وكفرهم وتطفيفهم في الميزان، في قوله تعالى: (ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود:84] .
وقد سجل القرآن الكريم أيضًا خوف بعض الصالحين على أقوامهم، ونصحهم لهم، فمن ذلك نصيحة مؤمن آل فرعون لقومه في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر:30 - 33] .
3.الخوف من التقصير في الواجبات.
لما علم المؤمنون أن ميزان الحساب دقيق يجازي على مثقال الذرة، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة:7 - 8] .
وأن الكتاب لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار، كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف:49] .
دفعهم ذلك إلى المراقبة الدائمة والمحاسبة المستمرة لجميع أعمالهم خشية أن يتسرب إليها شيء يفسدها أو مخافة ألا يؤدوها على الوجه الأكمل .. وقد أشار الله عزوجل إلى ذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) } [المؤمنون:60] .
«قال الزّجّاج: قلوبهم خائفةٌ؛ لأنّهم إلى ربّهم راجعون، وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرّد رجوعهم إليه سبحانه. وقيل: المعنى: أنّ من اعتقد الرّجوع إلى الجزاء والحساب وعلم أنّ المجازي والمحاسب هو الرّبّ الّذي لا تخفى عليه خافيةٌ لم يخل من وجلٍ» 47.
«قيل: وجل العارف من طاعته أكثر من مخالفته؛ لأنّ المخالفة تمحوها التّوبة والطّاعة تطلب التّصحيح. وقال الحسن: المؤمن يجمع إحسانًا وشفقةً، والمنافق يجمع إساءةً وأمنًا» 48.
وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا بنت الصّدّيق، ولكنّهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدّقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ(61) } [المؤمنون:61] ) 49.
وهكذا يطهر الخوف والوجل قلوب المؤمنين من شوائب الاغترار أو العجب أو الرياء أو غير ذلك من آفات القلوب، ليمنح هذه القلوب الوجلة حساسية وتوقّيًا لكل مفسدات الأعمال.
ثانيًا: خوف غير مشروع:
وهو الذي لم يكن من الله، ولا من صفاته المقتضية للهيبة والخشية، ولا من معاصي العبد وجناياته، بل يكون لغير ذلك من الأمور.
وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من الخوف المذموم، نذكر منها:
1.الخوف من الشيطان.
منذ اللحظة الأولى لرفض إبليس اللعين السجود لآدم وإعلانه تمرده، واستحقاقه الطرد من رحمة الله، ناصب إبليس آدم وذريته العداء وسعى بشتى الطرق لإضلالهم وإغوائهم.