وكفار قريش لما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن اعترضوا أن تنزل الرسالة عليه، ورأوا أن في عظمائهم من هو أولى بالرسالة، فقال تعالى عنهم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
كيف هذا اليتيم يصبح نبيًّا؟ أين الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي، وهما من عظماء مكة والطائف؟ 54.
وقال الله عنهم في موضع آخر: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص: 8] .
فهم «أنكروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم» 55.
ولما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم قال له أحدهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك 56.
فالعنصريون يقدحون دائمًا في القادة والمصلحين، ويرون أنفسهم أحق بالرئاسة والشرف منهم.
ثالثًا: التمادي في الغي والضلال عند النصح:
العنصريون يجمعون في أنفسهم صفات وأفعالًا ذميمة، من احتقار الناس، والكبر والاستعلاء على الآخرين، والفخر بالأحساب والأنساب، والقدح في المصلحين والمخلصين، وإذا وعظهم المخلصون للإقلاع عن هذه الأفعال والصفات الشنيعة يأنفون أن يؤمروا بتقوى الله، كأنهم يقولون في أنفسهم: نحن أرفع من أن نؤمر بتقوى الله عز وجل، فيرفضون الانصياع للحق، ويستكبرون عن قبول النصح، وما منعهم من ذلك إلا عزتهم بالإثم، فيجمعون بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين.
وقد بين القرآن أن هذه صفة متأصلة في الكفار والمنافقين، إذا نصحهم ناصح وتبين لهم الحق جحدوا واستكبروا بدافع الحمية لما يعتقدون.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206] .
فهذا الصنف يقترف ما يقترف من الأفعال الذميمة، فـ «إذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر، وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله.
وفي طبع المفسدين النفور ممن يأمرهم بالصلاح، إذ يرون في ذلك تشهيرا بهم وإعلانا لمفاسدهم التي يسترونها بزخرف القول وخلابته، وإن استطاعوا الحبس حبسوا أو ضربوا أو قتلوا» 57.
فكثيرًا ما تمنع العزة بالإثم أصحابها من قبول الحق، ويتمادون في الغي والضلال عند النصح، سواء كانوا من الكفار، أم من المنافقين، أم من عصاة المسلمين.
ومن الهدايات المستفادة من الآية: إذا قيل للمؤمن اتق الله يجب عليه أن لا يغضب، أو يكره من يأمره بالتقوى، بل عليه أن يعترف بذنبه، ويستغفر الله تعالى، ويقلع عن المعصية فورًا.
رابعًا: دعاوى الاصطفاء الكاذبة:
العنصرية تتستر دائمًا خلف دعاوى الاصطفاء الكاذبة، ففي سبيل إثبات عنصريتهم، وأنهم دائمًا على خير وصواب لابد أن يكون لهم مستند يستندون إليه من ادعاء الاصطفاء الإلهي لهم، أو ادعاء أن الجنة لن تكون إلا لمن كان من جنسهم أو على معتقدهم، وهي أماني باطلة يتعلقون بها.
وقد ذكر لنا القرآن نموذجًا لدعاوى الاصطفاء الكاذبة، قام به أهل الكتاب حيث قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] .
أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، فرد الله عليهم قائلًا: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] .
والمراد: «بيان أن ما يدعونه من أن الجنة خاصة بهم، ما هو إلا أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا برهان، سولتها لهم أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان فخدعها بالأباطيل والأكاذيب» 58.
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما يدعون، فقال تعالى {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] .
«أي: قل - يا محمد- لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس، هاتوا حجتكم على خلوص الجنة لكم، إن كنتم صادقين في دعواكم؛ لأنه لما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحي من الله وليس لمجرد التمني، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز؛ لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها» 59.
ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم الكاذبة بإيراد قاعدة كلية رتبت دخول الجنة على الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو لجنس أو لطائفة، فقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] .
وإذا كان الرد هنا موجهًا إلى أهل الكتاب، فقد جاءت آية أخرى تخاطب جميع الخلق بإبطال الدعاوى الكاذبة للاصطفاء، وتحسم الأمر بأن دخول الجنة لن يكون إلا لمن آمن وعمل صالحًا.
قال الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123 - 124] .
ذكر القرآن عدة نماذج للعنصريين، ومن هذه النماذج:
أولًا: أهل الكتاب:
عرف أهل الكتاب منذ القدم بعنصريتهم، واحتقارهم للشعوب الأخرى، وقد ذكر القرآن عدة مظاهر لعنصريتهم المقيتة، منها:
1.تفريقهم بين الملائكة والأنبياء بناء على عنصريتهم.
فقد ذكر القرآن عن اليهود أنهم يفرقون بين الملائكة، فيؤمنون ببعضهم، ويعادون بعضهم الآخر، فقال الله سبحانه: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 97 - 98] .
قال الإمام الطبري: «أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك» 60. ومما ورد من أسباب النزول عن ابن عباس، قال: (أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: {اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66] .
قال: (هاتوا) . قالوا: أخبرنا عن علامة النبي. قال: (تنام عيناه ولا ينام قلبه) . قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: (يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت) ، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه. قال: (كان يشتكي عرق النَّسَاء فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا) -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل، فحرم لحومها- قالوا: صدقت.
قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: (ملك من ملائكة الله -عز وجل- موكل بالسحاب بيديه -أو في يده- مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل) . قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال: (صوته) . قالوا: صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا أنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟
قال: (جبريل عليه السلام) ، قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} إلى آخر الآية 61.
«أي: قل لهؤلاء اليهود الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك، أن وليك جبريل عليه السلام، ولو كان غيره من ملائكة الله لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت، وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض.
مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض، وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك كفر بالله وآياته، وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل، لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله.
فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه، فهذا وجه ذلك» 62.
وأما تفريق أهل الكتاب بين الأنبياء فقد ورد في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [النساء: 150] .
فـ «الآية في اليهود والنصارى؛ لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره، جعل كفرهم ببعض الرسل كفرًا بجميع الرسل، وكفرهم بالرسل كفرًا بالله تعالى {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} التفريق بين الله ورسله أن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم.
وقد فسره بقوله بعده: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أي: نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض. قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وتركوا الإسلام دين الله الذي بعث به رسله 63.
{وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} أي: طريقًا وسطًا بين الكفر والإيمان ولا واسطة بينهما» 64.
وقد حكم الله بكفرهم، وأنهم من أصحاب النار فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 151] .
2.إنكارهم لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وتصريحهم أنه ليس النبي المنتظر.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] .
فعن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} الآية 65.
«وحين جاءهم القرآن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قرب مبعث نبي آخر الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلما جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاته وصدقه كفروا به وكذبوه. فلعنة الله على كل من كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه الذي أوحاه الله إليه» 66. فاليهود دفعهم الحقد والحسد والعنصرية إلى إنكار الرسالة المحمدية، بعد أن كانوا يستفتحون بنبوته ظنًّا منهم أنه سيكون من نسلهم، فلما جاء من نسل العرب أنكروا رسالته حقدًا وحسدًا للعرب.
3.احتقارهم لغير جنسهم، ودعاوى الاصطفاء والاختيار.
فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وأن غيرهم بمنزلة الحيوانات، وأنهم مسخرون لخدمتهم، وأن اليهودي أفضل الأجناس على الإطلاق 67.
وهذا يبيح لهم انتهاك حرمات غيرهم؛ لأنهم ليس لهم حرمة وقد ذكر القرآن لهم موقفًا عجيبًا يبين نظرتهم لغيرهم، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75] .
«والذي حمل هذه الطائفة من اليهود على الخيانة: زعمهم أن التوراة تبيح لهم أكل أموال الأميين وهم العرب، قائلين: إنه لا تبعة ولا إثم عليهم في أكل أموال العرب بل وكل ما عدا اليهود؛ إذ هم شعب الله المختار، فلهم السمو والتفوق العنصري على غيرهم، وأما من سواهم فلا حرمة له عند الله، فهو مبغوض عنده، محتقر لديه، ولا حق له ولا حرمة» 68.
وأهل الكتاب يزعمون كذبًا وافتراء أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة أحد غيرهم، وقد ذكر القرآن عنهم هذه المقالات، وفندها، ورد عليهم.
أما دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، فقد قال الله عنها: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] .
وقد رد الله عليهم بقوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] .
وأما دعواهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم، فقد قال الله: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] .
وقد رد الله عليهم فقال: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 111 - 112] .
فإن ميزان القربى من الله هو الإيمان والعمل الصالح، لا الوراثة ولا الامتياز العنصري أو الجنسي، فليس صحيحًا أن اليهود شعب الله المختار، وليس لشعب مزية على آخر.
ثانيًا: المشركون:
العنصرية متأصلة في نفوس المشركين على اختلاف العصور والأماكن، وتتجلى عنصريتهم في عدة مظاهر، منها:
1.احتقارهم للرسل والمصلحين، واعتقادهم أنهم أحق بالرسالة.
فقد قال قوم نوح له: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] .
وقالوا له: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24] .
وقالت ثمود لنبيهم صالح عليه السلام: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر: 23 - 25] .
وقالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص: 8] .
وقالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
وقد سبق الحديث عن هذه الآيات في المباحث السابقة.
2.افتخارهم بالأموال والأولاد، وأن لهم الزلفى عند الله.
فقد قال الله تعالى عن كفار قريش: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] .
وقال سبحانه عن صاحب الجنتين: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 34 - 36] .
ومن نماذج العنصرية الكافرة التي حدوها الكبر والاستعلاء فرعون -لعنه الله- فقد قال الله عنه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .
وتتبين عنصريته في الآية من أمرين:
الأول: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} أي: أصنافًا 69.
«والمعنى يكرم قومًا ويذل آخرين بالاستبعاد والأعمال الشاقة. وقيل: جعل بني إسرائيل أصنافًا في الخدمة والتسخير، فهذه التفرقة العنصرية كانت سببًا أيضًا في هلاك دولته، فجعل هناك تمايزًا طبقيًّا بين الأقباط وبين بني إسرائيل، فكان يرى ويرى الأقباط معه أن مصر هي ملك لهم، وما وجود بني إسرائيل إلا لخدمتهم في هذه الحياة، فجعل من مملكته فرقًا مختلفة، وجعل منهم شيعًا مقربين منه، والقسم الآخر ناصبهم العداء، وجعل بين الطائفتين العداوة والبغضاء ليسهل له السيطرة عليهم جميعًا» 70.
الثاني: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} .
«يعني: بني إسرائيل، بالاستبعاد والأعمال القذرة، فجعل من هذه الطائفة محقرة مهتضمة الحقوق، لا مساواة بينها وبين الأقباط، مع أنهما يسكنان في أرض واحدة وتحت سماء واحدة. والسبب في ذلك لأنه يرى أنهم غرباء عنه في النسب والدين؛ لأنهم كانوا يعتقدون بعقيدة تختلف عن عقيدته هو وقومه، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب -عليهما السلام-، فهم يعتقدون بإله واحد هو الله، وينكرون ألوهية فرعون، وكذلك أحس فرعون أن هناك خطرًا على عرشه من وجود هذه الطائفة في مصر، ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها، فهم جماعة كبيرة قد يتحالفون مع أعدائه من دول الجوار الذين كانت تقوم بينهم وبين فرعون حروبًا. فاحتقرهم ولم يجعل لهم دورًا في الحياة السياسية والإدارية في مصر، فجعل منهم خدمًا، وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وكلفهم بالأعمال الشاقة» 71.
ثالثًا: المنافقون:
إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل، والعنصرية داء متأصل في المنافقين، ومن مظاهر عنصرية المنافقين:
1.التمادي في الضلال والغي ورفض النصح.
من الصفات اللازمة للمنافقين الإفساد في الأرض بكل أشكاله وأنواعه، من إثارة الفتن، والتجسس لحساب الكفار، وتأليب الأعداء على المسلمين، وهذا فساد ظاهر، فإذا وعظهم واعظ وقال لهم: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] .
«أي: وإذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بإثارة الفتن، والكفر والصد عن سبيل الله {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي: ليس شأننا الإفساد أبدًا، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح، فلا يصح مخاطبتنا بذلك» 72.