فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 2431

قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر: 2 - 3] .

إن الإنسان لفي خسارة وهلاك إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران: الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم وتواصوا بالحق: وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات وتواصوا بالصبر، أي: على المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر 146.

والخسار مراتب متعددة متفاوتة:

«قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم.

وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:

الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به.

والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة.

والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.

والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.

فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم» 147.

ويستفاد من الآية: أن الإنسان لا ينفك عن نوع خسران، وتفسيره: «أن كل ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضًا حاصل؛ لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر، مع أنه كان متمكنًا من أن يعمل فيه عملًا يبقى أثره دائمًا، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك؛ لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر، فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى نوع خسران» 148.

ويستفاد أيضًا: أن الأمة إذا قامت بالصفات الأربع-الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر-قادت العالم الإنساني إلى الخيرية التي أخرجت من أجل تحقيقها كما كانت في سابق عهدها؛ لأنه لما ضعف في الأمة تحقيق هذه الصفات الأربع أصبحت في ذيل الأمم وتحقق الخسار للعالم أجمع، وكثرت رايات الباطل ومن يحملها، وقلت رايات الحق ومن يحملها.

ونحن على موعد لإرهاصات عهد جديد للأمة ترفع فيه رايات الحق وينضوي تحتها المحبون له المناضلون من أجله؛ لإسعاد الخلق به، وقيادتهم إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح.

12.الإخراج من الظلمات إلى النور.

أخبر سبحانه وتعالى أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] . يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير 149.

ويستفاد من الآية: أن الله يدفع عن المؤمنين كل مكروه بسبب إيمانهم، ويعينهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم ودنياهم.

13.مجازاة المؤمنين بأحسن ما كان يعملون.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل: 97] . قيل: وإنما خص أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل: المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، كقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] .

أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم، على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن 150.

ويستفاد من الآية: أن الله يجزي أهل الإيمان والعمل الصالح الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

14.الامتناع عن الظلم.

أثنى الله على أهل الإيمان والعمل الصالح بأنهم لا يبغي بعضهم على بعض، بل ينتصفون من أنفسهم للحق، وهم قليل.

قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص 24] . أي: وإن كثيرًا من الشركاء في المال ليتعدى بعضهم على بعض، ويظلمه غير مراع لحقه إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطًا ولا غيره، وقليل هم» 151.

ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل الصالح يمنع صاحبه من الظلم.

ثانيًا: جزاء الإيمان في الآخرة:

أخبر سبحانه وتعالى أن لأهل الإيمان والعمل الصالح الثواب العظيم في الآخرة و الذي منه:

1.تكفير السيئات وتبديلها حسنات.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [العنكبوت: 7] .

قال القرطبي رحمه الله: «أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام، ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام» 152.

وقال تعالى في تبديل السيئات حسنات: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] . في معنى قوله: يبدل الله سيئاتهم حسنات قولان:

أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات، وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خيرًا.

وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.

وقال الحسن البصري: «أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلامًا» ، وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين.

والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته 153،

وقد روى مسلم بسنده عن عبد الله قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، رجلٌ يخرج منها زحفًا فيقال له: انطلق فادخل الجنة - قال - فيذهب فيدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيقال له: أتذكر الزمان الذى كنت فيه، فيقول: نعم. فيقال له تمن. فيتمنى: فيقال له: لك الذى تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا - قال - فيقول أتسخر بى وأنت الملك؟!) قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه 154.

2.المغفرة.

وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك الجنة، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) } [المائدة: 9] .

هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم، وبالجنة فهي الأجر العظيم 155.

ووعدهم سبحانه وتعالى بالرزق الحسن الذي لا ينقطع وهو الجنة، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) } [الحج: 50] .

3.الجنة و نعيمها.

وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح أن لهم أعلى الجنة وأفضلها منزلًا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) } [الكهف: 107] .

وفي وصف الفردوس روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا: يا رسول الله: أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) 156.

وقد بشر الله أهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة وما فيها من أنواع النعيم، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } [البقرة: 25] .

«فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه» 157.

وقوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء 158.

وأخبر سبحانه وتعالى أن من نعيم أهل الجنة: الأزواج المطهرة، وقد فسر مجاهد رحمه الله قوله: {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [النساء: 57] .

قال: «طهورٌ من الحيض، والغائط، والبول، والبزاق، والنخامة، والمني، والولد» 159.

وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام 160.

وقال سبحانه في موضع آخر: أنه سبحانه يدخل أهل الإيمان و العمل الصالح ظلًا كثيفًا ممتدًا في الجنة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) } [النساء: 57] .

الظل الظليل: الكثيف الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل: هو مجموع ظل الأشجار والقصور، وقيل: الظل الظليل: هو الدائم الذي لا يزول 161.

وقد وصف النبي ظل الشجرة فيما رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة سنةٍ) 162.

وأخبر سبحانه أنه عند دخول أهل الإيمان والعمل الصالح الجنة يُحَيَوْنَ بالسلام.

قال تعالى: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] .

قوله: {تَحِيَّتُهُمْ} مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم الملائكة، وجائز أن يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضًا 163.

وأخبر سبحانه وتعالى عن زينة أهل الإيمان والعمل الصالح في الجنة، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) } [الحج: 23] .

«يحلون فيها من الحلية من أساور من ذهب ولؤلؤًا أي: في أيديهم.

كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي مالكٍ الأشجعي عن أبي حازمٍ قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ، إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) » 164.

وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميته: يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها-أي سوار منها-لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.

وقوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) } في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) } [الإنسان: 21 - 22] » 165.

وقد روى مسلم بسنده عن خليفة بن كعبٍ أبى ذبيان قال سمعت عبد الله بن الزبير يخطب، يقول: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإنى سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) 166.

وأخبر سبحانه وتعالى أنه: أعد لأهل الإيمان والعمل الصالح غرف وصفها سبحانه وتعالى في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) } [العنكبوت: 58] .

«أي: لنسكننهم منازل عالية في الجنة، تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا، نعمت هذه الغرف أجرًا على أعمال المؤمنين الذين صبروا أي على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده» 167.

وأخبر سبحانه وتعالى أن أهل الإيمان والعمل الصالح، يكرمون ويسرون وينعمون في الجنة.

قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) } [الروم: 15] ».

الحبر، والحبور: السرور والغبطة، والرضوان .. والروضة: الجنة. أي أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا يحزنهم هذا اليوم، ولا يضرهم التفرق، إذ كان مع كل مؤمن عمله، الذي يؤنسه، ويذهب وحشته، ويملأ قلبه طمأنينة وأمنًا، بما يرى من بشريات الإيمان والأعمال الصالحة، التي بين يديه 168.

وذكر تعالى (الروضة) ؛ لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن، وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن 169.

والخلاصة: أن نعيم الجنة المعد لأهل الإيمان والعمل الصالح: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

موضوعات ذات صلة:

التوحيد، الشرك، القدر، الملائكة، النبوة

1 أخرجه الحاكم، واللفظ له، في مستدركه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأنبياء، رقم 3449، 2/ 416، والطبراني في المعجم الكبير 12/ 153، رقم 12739.

قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.

2 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 531 بتصرف.

3 انظر: الصحاح، الجوهري، 5/ 2071، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1518، لسان العرب، ابن منظور، 13/ 21، المفردات، الأصفهاني، ص 90.

4 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 291، الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه، عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عبد الحميد، ص 19، 21.

5 التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص 41.

6 انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص 161.

7 التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص 41.

8 انظر: الإيمان، ابن تيمية، ص 137.

9 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 81، 93.

10 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 91، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 110.

11 انظر: الصحاح، الجوهري، 5/ 1952، مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 90.

12 انظر: ثلاثة الأصول، محمد بن عبد الوهاب ص 14.

13 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 13/ 117.

14 التفسير المنير، الزحيلي، 14/ 212.

15 انظر: المعجم المفهرس، عبد الله جلغوم 1/ 182 - 187.

16 يتيمة الدهر في تفسير سورة العصر، الشرقاوي ص 36.

17 مجموع الفتاوى 1/ 194.

18 تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، ص 3818.

19 العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي ص 57 بتصرف يسير.

20 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 622.

21 فتح القدير، الشوكاني 4/ 211.

22 انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 32.

23 جامع البيان، الطبري 22/ 552.

24 انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 32.

25 تفسير أسماء الله الحسنى، السعدي 239.

26 انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 32.

27 أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، باب سورة البقرة، رقم 3134.

قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: منقطع.

28 المحرر الوجيز 1/ 391.

29 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 572.

30 في ظلال القرآن 1/ 341.

31 أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان والإيمان بالقدر، رقم 102.

32 المحرر الوجيز، ابن عطية، 1/ 391.

33 انظر: محاضرات في التفسير الموضوعي، عبدالستار فتح السعيد ص 75، والمدخل في التفسير الموضوعي، له ص 99.

34 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 816.

35 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 282.

36 المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار سعيد 99/ 100.

37 أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحدٌ، رقم 811.

38 أخرجه الترمذي في سننه، 5/ 464، رقم 3585.

قال الألباني: صحيح.

انظر: مشكاة المصابيح 2598.

39 محاضرات في التفسير الموضوعي، عبد الستار سعيد، ص 8.

40 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، رقم 4.

41 المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار سعيد ص 330 - 333.

42 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 754.

43 أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، بابٌ: إن لله مائة اسمٍ إلا واحدًا، رقم 7392.

44 انظر: المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء، محمد المدني ص 33.

45 انظر: كتاب النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز ص 217.

46 محاضرات في التفسير الموضوعي، عبدالستار فتح الله سعيد 68.

47 النبوات ص 257.

48 فتح الباري 6/ 306.

وانظر: التعريفات، الجرجاني ص 229

49 المحرر الوجيز 1/ 391.

50 جامع البيان، الطبري 7/ 596.

51 انظر: فتح الباري، 6/ 234.

52 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقةٍ، رقم 5314.

53 فتح القدير، 3/ 387.

54 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 392.

55 جامع البيان، الطبري 19/ 326.

56 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ولقد رآه نزلةً أخرى، رقم 174.

57 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/ 119.

58 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 495.

59 جامع البيان، الطبري 24/ 65.

60 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 315.

61 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 732.

62 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 22.

63 إغاثة اللهفان، ابن القيم 2/ 130.

64 فتح القدير، الشوكاني 5/ 396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت