فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 2431

السؤال

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «السين والهمزة واللام كلمة واحدة، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة، وتساءل الرجال أي سأل بعضهم بعضًا، ومن أكثر منه يقال له: رجل سؤالة وسؤله كهمزة: كثير السؤال» 1. ولهذا فالفقير يسمى سائلًا إذا كان مستدعيًا لشيء، ولأنه من طبعه أن يسأل كثيرًا 2، حتى يعطى وتقضى حاجته، ومن يكثر السؤال يصبح ملحًا، وجمع السائل الفقير: السؤّال 3. وبه فسّر قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) } [الضحى:10] وفسّره الحسن بطالب العلم 4. فالسائل هو الطالب.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف العلماء السؤال بأنه استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة 5، أو ما يؤدّي إلى المال، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللّسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللّسان خليفة لها، إمّا بوعد أو برد 6.

يقول الراغب الأصفهاني: والسؤال على ضربين:

الأول: طلب مقال، وجوابه المقال: وهذا مثاله: قوله تعالى: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف:31] . وقال: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف:32] .

والثاني: طلب نوال: وجوابه النوال: وعلى الثاني قوله: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس:89] . أي: أعطيتما ما سألتما 7.

وردت مادة (سأل) في القرآن الكريم (129) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 21 ... {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) } [الملك:8]

الفعل المضارع ... 78 ... {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) } [القيامة:6]

فعل الأمر ... 16 ... {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82]

اسم الفاعل ... 7 ... {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) } [الذاريات:19]

اسم المفعول ... 5 ... {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } [الإسراء:36]

مصدر ... 2 ... {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [ص:24]

وجاء السؤال في القرآن الكريم على وجهين 9:

الأول: بمعناه اللغوي، وهو استدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها، أو استدعاء مال أو ما يؤدي إليه، قال الله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب:63] .

الثاني: الحساب: ومنه قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) } [الحجر:92] أي: لنحاسبنهم على ما كان منهم.

الاستخبار:

الاستخبار لغةً:

يقول ابن فارس: «الخاء والباء والرّاء أصلان، فالأوّل؛ من الخبر وهو العلم، والثّاني: من الخبراء، وهي الأرض اللّيّنة، وهو يدلّ على لينٍ ورخاوةٍ وغزرٍ. ويقال: استخبره أي سأله عن الخبر وطلب أن يخبره. والخبير العالم، قال تعالى: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59] .

الاستخبار اصطلاحًا:

أما اصطلاحًا فهو طلب خبر ما ليس عندك.

الصلة بين السّؤال والاستخبار:

يقول أبو الهلال العسكري: أن الاستخبار طلب الخبر فقط والسّؤال يكون طلب الخبر الأمر والنّهي وهو أن يسال السّائل غيره أن يأمره بالشي أو ينهاه عنه والسّؤال والأمر سواء في الصّيغة، وإنّما يختلفان في الرّتبة، فالسؤال من الأدنى في الرّتبة والأمر من الأرفع فيها 10. يقول الراغب الأصفهاني: وكل استخبار سؤال، وليس كل سؤال استخبارًا 11.

الاستفهام:

الاستفهام لغةً:

هو مصدر من الاستفعال، وهو من الفهم، يقول ابن فارس: «الفاء والهاء والميم علم الشّيء» 12. يقال «استفهم أي سأله أن يفهّمه، وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهّمته تفهيمًا» 13. والاستفهام طلب الإفهام وهو أخص من الاستخبار 14.

الاستفهام اصطلاحًا:

هو «استعلام ما في ضمير المخاطب» 15. أو هو «طلب المتكلم من مخاطبة أن يحصل في ذهنه ما لم يكن حاصلًا عنده مما سأله عنه» 16. أو هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن تصديقًا أو تصورًا، فإن كانت تلك الصورة هي وقوع نسبة بين الشيئين، فحصولها هو التصديق وإلا فهو تصور 17.

الصلة بين السّؤال والاستفهام:

قال صاحب الفروق اللغوية: إن الاستفهام لا يكون إلّا لما يجهله المستفهم أو يشك فيه؛ وذلك أن المستفهم طالب لأن يفهم، ويجوز أن يكون السّائل يسأل عمّا يعلم لا يعلم، فالفرق بينهما ظاهر 18.

والاستفهام طلب الفهم أو معرفة ما هو خارج الذهن، بواسطة أدوات استفهامية. {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) } [الماعون:1] .

فقوله عز وجل: {أَرَأَيْتَ} حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام 19؛ كقوله: {هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى:44] .

والاستفهام يرد مجازًا على غير حقيقته، بحيث إن المستفهم لا يرجو من سؤاله حصول علم لم يكن قبل السؤال، والسؤال في هذا الصنف من الله تعالى ولا ريب، وقد أحصى علماء اللغة أغراضًا مجازية كثيرة يمكن أن يستعمل الاستفهام لها، ومن تلك الأغراض ما يلي 20:

-الأمر، كقوله تعالى: (? ? ?) [المائدة:91] . أي: انتهوا.

-النهي، كقوله تعالى: ( ? ? ? ?) [التوبة:13] . أي: لا تخشوهم. قال المرسي: «إن الأمر والنّهي والاستفهام كلها بمعنى السّؤال والاستدعاء» 21.

-النفي، قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ) [الروم:29] أي: لا هادي لمن أضلّ الله. ومنه قوله جلّ ثناؤه: (? ? ? ? ?) [الزمر:19] أي: لست منقذهم.

-الإنكار، كقوله تعالى: (ہ ہ ھ) [الأنعام:40] .

-التقرير، كقوله تعالى: (? ہ ہ ہ ہ) [الشرح:1] . أي: لقد شرح الله صدرك.

-التهويل، كقوله تعالى: (? ? ? ? ?) [الحاقة:3] .

-الاستبعاد، كقوله تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [الدخان:13] وغير ذلك. ومن الأمثلة الدالة عليه كذلك قوله تعالى: (چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:116] هذا استفهام معناه التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح، ويكذبهم المسيح فيكون ذلك توبيخًا لهم، وهو قوله: قال سبحانك أي: برأتك من السوء، (ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [المائدة:116] . أي: لست أستحق العبادة فأدعو الناس إليها 22.

2.السؤال الإنكاري.

وهو إنكار على المخاطب المستفهم عنه بالسؤال 23، ومنه الأسئلة التي استخدمها موسى عليه السلام للتعبير عن إنكاره لما جرى أمام عينيه من تعدٍّ وظلم ظاهر، كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف:71] .

وقوله تعالى: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف:74] .

وقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77] .

إن أسئلة نبي الله موسى الإنكارية المتكررة هي التي جعلت الخضر عليه السلام لا يجد مناصًا من تبيين حكمة ما فعل لموسى عليه السلام، وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهمًا وتفسيرًا لأمور كانت أسبابها غير معروفة وغير ظاهرة للعيان.

الطلب هو محاولة وجدان الشّيء 24 وأخذه، والسؤال الطلبي: هو سؤال يتضمن معاني الطلب أمرًا أو نهيًا 25، ومنه قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59] أي: فاطلب بالله ما تطلب 26. ومن أمثلته، قوله تعالى: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ} [سبأ:52] أي: التناول، وهو من بعد الطلب 27. ومثاله قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة:128] .

«هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمرٍ قد استقر عنده» 28.

ومن أمثلته في القرآن، قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) } [طه:17] .

فهذا السؤال هو سؤال تقريرٍ والحكمة في هذا السّؤال تنبيهه وتوقيفه على أنّها عصًا حتّى إذا قلبها حيّةً علم أنها معجزةٌ عظيمةٌ 29. ويقال: «قررت عنده الخبر حتّى استقر ثبت بعد أن حققته له، وقرر المسألة أو الرّأي: صححه وحققه» 30.

التوبيخ هو الملامة 31 والتهديد والتأنيب 32، والسؤال التوبيخي هو توبيخ المخاطب على فعل وقع، لماذا وقع، أو على ترك فعل ما كان ينبغى ألا يقع 33.

يقول قطرب: السّؤال ضربان: سؤال استعلامٍ وسؤال توبيخٍ، فقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) } [الرحمن:39] . يعني: استعلامًا. وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) } [الحجر:92] يعني: توبيخًا وتقريعًا 34.

ومن التوبيخ لأعداء الله قوله سبحانه: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) } [الصافات:151 - 153] .

هناك أسئلة كثيرة وردت في الخطاب القرآني حول القضايا الاعتقادية، والتي صدق وجزم بها المؤمن بدون ريب أو شك؛ لأنها من الأشياء التي يجب الاعتقاد بها ضرورة، ويمكن أن ندرجها حول أصول الإيمان؛ لأنها واجبات فرضت فرض عين على كل مسلم ومسلمة. ومن هذه الأسئلة ما كان حول الخالق سبحانه، وما يكون يوم القيامة ومتى تقوم الساعة، وما هو مصير العباد في ذلك، ناهيك عن السؤال الذي أحيل به الجواب إلى الله عز وجل، وهو سؤال الروح.

يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) } [البقرة:186] .

أخرج ابن أبي حاتم أنه جاء رجلٌ إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه أقريبٌ ربّنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه؟ فسكت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللّه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} 35، إذا دعوني، استجبت لهم 36.

والفاء في قوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} ، جواب إذا، وفيه حذف تقديره: فقل لهم إنّي قريبٌ؛ لأنّه لا يترتّب على الشّرط القرب، إنّما يترتّب الإخبار عن القرب 37.

فالله عز وجل قريب من كل شيء، عالم بكل شيء، يصدقه قوله سبحانه وتعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) } [الواقعة:85] وهو قرب العلم والإحاطة وارتفاع الجهات، لا قرب الذات 38.

قال أبو حيان: «والقرب المنسوب إلى اللّه يستحيل أن يكون مكانيًّا، وإنّما قصد منه سماع الدعاء، والإسراع في الإجابة» 39.

وفي هذا إرشاد لنناجيه ولا ننادي عليه برفع الصوت، فهو قريب لا يحتاج لكي ينادى عليه، كما أنه قريب من عابده، و (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) 40.

وفي الحديث القدسي: (أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن اقترب إليّ شبرًا اقتربت منه ذراعًا، وإن اقترب إليّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً) 41. فهذا قربه من عابده 42.

وقد ورد أن اليهود سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: كيف يسمع ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزل قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} ، هذا لما لم يعرفوا الصانع، ألا تراهم جعلوا له الولد، وجعلوا له شركاء، فخرج سؤالهم، مخرج سؤال المتعنت، لا المسترشد» 43.

عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليسألنّكم النّاس عن كلّ شيءٍ حتّى يقولوا: الله خلق كلّ شيءٍ فمن خلقه؟) قال يزيد: فحدّثني نجبة بن صبيغٍ السّلميّ: أنّه رأى ركبًا أتوا أبا هريرة، فسألوه عن ذلك فقال: الله أكبر ما حدّثني خليلي بشيءٍ، إلّا وقد رأيته وأنا أنتظره، قال جعفرٌ: بلغني أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سألكم النّاس عن هذا فقولوا: الله كان قبل كلّ شيءٍ، والله خلق كلّ شيءٍ والله كائنٌ بعد كلّ شيءٍ) 44.

قال عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) } [النازعات:42 - 44] .

وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) } [الأعراف:187] .

قال ابن عادل الحنبلي: «لما سمع المشركون أخبار القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل: {الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} ، و {الصَّاخَّةُ} ، و {الْقَارِعَةُ} ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً، متى تكون الساعة؟» 45.

والمعنى: في أي شيء هم من سؤال الساعة، ألم يعلموا أنك أنت من علاماتها، فإنك بعثت في نسيم الساعة، واسمك نبي آخر الزمان.

وأما قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف:187] حفي عن الشيء إذا سأل، وحفي بالشيء، عني به، وحفى بالشيء أيضًا حفاوة فرح به. قال الزجاج: «كأنك حفيٌّ، أي فرحٌ بسؤالهم» 46.

وفي الآية دلالة على أن المقصد من سؤال الكفار عن الساعة للتمويه والتلبيس على ضعفة الإيمان من الناس؛ لأنهم عرفوا أن وقت الساعة ليس بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن سألوه عنها ومتى وقتها وطلبوا الاستعجال بها، عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بيده الجواب عنها فيستغلوا ذلك في التحريض ضد النبي صلى الله عليه وسلم ودينه.

كما دل إخفاء الساعة عن الخلق بما فيهم الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون؛ لأن ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، ومثله كإخفاء الأجل والصلاة الوسطى وليلة القدر، فالله عز وجل كتم وقت قيام الساعة عن الخلق ليسرع المكلفون إلى التوبة والطاعة في جميع الأوقات؛ فإنه لو علم وقت قيامها لتقاصر الخلق عنها وأخروا الطاعة 47.

هناك ثلاثة آراء في السائلين عن الساعة، فالرأي الأول: منهم من قال إن السائلين هم قريش، قال أبو جعفر: عني بذلك قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش 48. فسؤالهم ينبئ عن شكهم من قيامها، قال عز وجل: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) } [النمل:66] .

وقصدهم من طرح تلك النوعية من الأسئلة: التمويه والتلبيس على ضعاف الإيمان، ونسوا أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت أنا والسّاعة كهاتين) 49.

يقول الشاطبي: «إن الله تعالى قال بعد سؤالهم عن السّاعة أيّان مرساها: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) } [النازعات:43] ، أي: إنّ السّؤال عن هذا سؤالٌ عمّا لا يعني؛ إذ يكفي من علمها أنّه لا بدّ منها، ولذلك لمّا سئل صلى الله عليه وسلم عن السّاعة، قال للسّائل: (ما أعددت لها؟) 50؛ إعراضًا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلّق بها ممّا فيه فائدةٌ، ولم يجبه عمّا سأل» 51.

الرأي الثاني: السائلون هم اليهود 52: قال ابن عباس: أتى قوم من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًّا؟ أي: متى قيامها؟ 53.

وهذه الطائفة يمكن أن يكونوا من المؤمنين بالبعث، لكنهم لم يؤمنوا بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

والرأي الثالث: السائلون هم من المؤمنين بالبعث والنشور والساعة، وكان سؤالهم سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) } [الانفطار:1] .

و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) } [الانشقاق:1] .

قالوا: متى تكون الساعة؟ فنزلت هذه الآية 54.

هل في الآيتين تكرار لنفس الجواب؟

قال الخازن: عبر عن الجواب في السؤال الأول بقوله تعالى: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف:187] وعن الجواب في السؤال الثاني بقوله تعالى: {عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب:63] فهل من فرق بين الصورتين في الجوابين؟

قلت: فيه فرق لطيف، وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعًا عن وقت قيام الساعة عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى علم وقت قيامها عند ربي. أي: يعلم جليّة أمرها، ومتى يكون على التّحديد 55.

فهو سبحانه قد استأثر به ولم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا.

ولما كان السؤال الثاني واقعًا عن أحوالها وشدائدها وثقلها؛ عبر عن الجواب فيه بقوله سبحانه وتعالى عند الله؛ لأنه أعظم الأسماء 56 مهابة وجلالة وعظمة وهيبة.

يقول الله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) } [الصافات:50 - 51] .

وقال تعالى: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) } [المدثر:39 - 40] .

وقال تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) } [ص:62] .

وقال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور:25 - 28] .

لا شك إن مصير العباد بيده سبحانه، فهو وحده القادر على محاسبتهم على القطمير والنقير، ولا يماري في ذلك إلا كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، على الأغلب أنها: ولهذا ما يؤيده قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) } [القيامة:13] .

وفي ذلك اليوم فإن ملك الملوك سوف يخبر كل إنسان بجميع أنواع الأعمال التي قام بها في القديم، وفي الحديث سواء كانت صغيرة أم كبيرة، ومصداق ذلك في قوله تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] .

يقول السعدي: «فإليه ينتهي العلم والحكم، والرحمة وسائر الكمالات» 57.

وقال تعالى: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود:109] .

ويقول الله عز وجل عن أهل الجنة 58 بأنهم سوف يتساءلون تساؤل راحة وتنعم عن الفضائل والمعارف، وعما جرى لهم وعليهم في الدنيا، فالتعبير عنه بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع حتمًا 59.

فالآية تدل على أن هناك أوقات سمر واجتماع بين المؤمنين من أهل الجنة الذي خلت بالهم من كل المشاغل، فيتخلله شراب، وفي وقت الشراب يحلو الحديث والتساؤل، ومن أسئلتهم أنهم يتذكرون أحوالهم في الدنيا، ويكون هذا من تمام النعمة عليهم، ويقول أحدهم: إنه كان لي قرين وصاحب سوء ملازم لي في الدنيا، وكان هذا الصاحب كافر بالبعث، بل منكر له، فهو ينكر على المؤمن إيمانه بالله، ويوبخه على تصديقه بوعد الله وما أعد للمؤمنين في الجنة. يقول المراغي: «والحديث ذو شجون، فهم يتحادثون في شتى الفضائل والمعارف وفيما سلف لهم من شئون الدنيا، وما أحلى تذكر ما فات حين رفاهية الحال، وفراغ البال، واطمئنان النفس، وخلوّها من المخاوف العاجلة والآجلة» 60.

وتأكد هذا الموقف من خلال قوله تعالى: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) } [المدثر:39 - 40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت