فهرس الكتاب

الصفحة 2084 من 2431

سبق وأن ذكرنا أن المداهنة المحرمة نوع من أنواع الموالاة للكفار؛ لأن المداهن إنما خالف بصنيعه هذا نهج الرسل وأتباعهم وهو بالإضافة إلى تركه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ معينٌ على إشاعة المنكر في المجتمع لأن الظلمة والفجرة إذا رأوا ذلك زادوا في فجورهم ولعل لهذا وغيره استحق المداهن اللعن في كل ملة؛ لأنه كان - فوق كل ما تقدم - يزين القبيح ويقبح المليح. وهذا كله أدعى لأن نقف على الأسباب المؤدية لهذا التردي المهلك وصورٍ منها من خلال ما يلي:

أولًا: أسباب المداهنة المحرمة:

1.المداهنة للإضلال.

وقد حكى القران الكريم ذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ? وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ? وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ? وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ?113?) [النساء: 113] .

ولما كانت المداهنة كما تقدم محرمة، عصم الله بفضل منه ورحمة نبيه صلى الله عليه وسلم منها لأنها ضلال وإضلال، وكذلك عصمة غيره إنما هي فضل من الله ورحمة من باب أولى.

قال الرازي في تفسير قوله تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) «والمعنى: ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة، وبالرحمة. وهي: العصمة لهمت طائفةٌ منهم أن يضلوك، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي، ومعنى يضلوك أي: يلقوك في الحكم الباطل الخطأ - وهو التواطؤ معهم - ثم قال تعالى: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين. ثم قال تعالى: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) أي: وما يضرونك في المستقبل، فوعده الله تعالى في هذه الآية بإدامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل. أو المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل؛ لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر» 102.

2.الجهل بالمداهنة وحدودها وأبوابها وعلاماتها وعلاجها.

حقًا من لم يعرف الشر يقع فيه. لذا كان حذيفة رضي الله عنه يسأل عن الشر مخافة أن يدركه» 103، وكيما يعرفه فيتقيه ومن ذلك رذائل الأخلاق وأرذلها المداهنة، فيلزم كل أحد أن يعرفها وحدودها وأسبابها وكيفية اجتنابها وطرق علاجها إن وقع في شيء منها قل أو كثر.

يقول صاحب رد المحتار على الدر المختار: «واعلم أن تعلم الإخلاص وتعلم الحذر من العجب والحسد والرياء فرض عين. ومثلها غيرها من آفات النفوس: كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من الإحياء قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجًا إليه، وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه» 104.

3.الحرص على الإمارة.

الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة؛ لأنه إذا فطم عنها وعزل منها وكان قد ذاق لذة الإمارة بما فيها من جاه ونفاذ الأمر وغير ذلك، ربما لا يصبر الضعيف على ألم الفطام، فيداهن ويترخص، ويبيع من دينه ما يظن أنه سيحفظ عليه ولايته وجاهه وسلطانه، فهذا من الضعيف بمكان، وهذا يمنع من الإمارة ويزجر عنها زجرًا، لأنه أفسد لدينه من الذئب الجائع إذا أرسل في زريبة الغنم.

والأحاديث في النهي عن الحرص على الإمارة كثيرة.

فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، أكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) 105.

وعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال:(يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خذيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) 106.

قال الغزالي: «ومن جرب نفسه فرآها صابرةً على الحق، كافةً عن الشهوات في غير الولايات، ولكن خاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية، وأن تستحلي الجاه، وتستلذ نفاذ الأمر، فتكره العزل فيداهن خيفةً من العزل، فهذا قد اختلف العلماء في أنه هل يلزمه الهرب من تقليد الولاية أم لا؟ فقال القائلون: لا يجب؛ لأن هذا خوف أمرٍ في المستقبل، وهو في الحال لم يعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق، وترك لذات النفس، والصحيح أن عليه الاحتراز؛ لأن النفس خداعة، مدعيةٌ للحق، واعدةٌ للخير، فلو وعدت بالخير جزمًا لكان يخاف عليها أن تتغير عند الولاية، وإذا أظهرت التردد والامتناع عن قبول الولاية؛ لكان أهون من العزل منها بعد الشروع فيها. فالعزل مؤلم، وهو كما قيل «العزل طلاق الرجال» فإذا شرع لا تسمح نفسه بالعزل، وتميل نفسه إلى المداهنة، وإهمال الحق، وتهوي به في قعر جهنم، ولا يستطيع النزوع منه إلى الموت إلا أن يعزل قهرًا 107.

4.تولي الضعيف القضاء.

أما القضاء فحكمه حكم الإمارة، لا ينبغي أن يتقلده الضعفاء ممن لهم تعلق بالدنيا وله في قلوبهم قيمة ووزن، فإن رأى من نفسه ذلك أو أنه لا يحظى بهذا المنصب أو الاستمرار فيه إلا بمداهنة السلاطين الظلمة، وإهمال وترك بعض حقوق المسلمين لأجلهم، فليس له أن يتقلد القضاء.

قال الغزالي: وأما القضاء فهو وإن كان دون الخلافة والإمارة، فهو في معناها فإن كل ذي ولاية أمير، أي: له أمرٌ نافذ، والإمارة محبوبة بالطبع، والثواب في القضاء عظيم مع اتباع الحق، والعقاب فيه أيضًا عظيم مع العدول عن الحق.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة) 108.

وقال عليه السلام: (من استقضى فقد ذبح بغير سكين) 109.

فحكمه حكم الإمارة، ينبغي أن يتركه الضعفاء، وكل من كانت الدنيا ولذاتها لها وزن في عينه، وليتقلده الأقوياء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، ومهما كان السلاطين ظلمة، ولم يقدر القاضي على القضاء إلا بمداهنتهم، وإهمال بعض الحقوق لأجلهم، وأجل المسلمين المتعلقين بهم، إذ يعلم أنه لو حكم عليهم بالحق لعزلوه، أو لم يطيعوه، فليس له أن يتقلد القضاء، وإن تقلده فعليه أن يطالبهم بالحقوق، ولا يكون خوف العزل عذرًا مرخصًا له في الإهمال أصلًا، بل إذا عزل سقطت العهدة، فينبغي أن يفرح بالعزل إن كان يقضي لله، فإن لم تسمح نفسه بذلك، فهو إذن يقضي لاتباع الهوى والشيطان، فكيف يرتقب عليه ثوابًا وهو مع الظلمة في الدرك الأسفل من النار 110؟!

5.الوعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث لغير المؤهل.

الوعظ والفتوى والتدريس حكمه حكم الإمارة والقضاء، فمن لم يكن نيته في ذلك إلا طلب الجاه والشرف والمنزلة في قلوب الناس والأكل بالدين بأي صورة كانت، والتفاخر والتكاثر والتنافس، فينبغي أن يترك ذلك ويخالف هواه في ذلك كله إلى أن يأمن على نفسه من هذه الفتن، ويكون نيته وهمته هداية الخلق، ويقوى على ذلك.

قال الغزالي: وأما المواعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد، وكل ما يتسع بسبببه الجاه، ويعظم به القدر، فآفته أيضًا مثل آفة الولايات، وقد كان الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلًا، فمن لا باعث له إلا طلب الجاه والمنزلة، والأكل بالدين والتفاخر والتكاثر، فينبغي أن يتركه، ويخالف الهوى فيه، إلا أن ترتاض نفسه، وتقوى في الدين همته، ويأمن على نفسه الفتنة، فعند ذلك يعود إليه 111.

ومعلوم أن السلطة والإمارة لو تعطلت لبطل الدين والدنيا جميعًا، وثار القتال بين الخلق، وزال الأمن، وخربت البلاد، وتعطلت المعايش، فلم نهي عن ذلك؟ وضرب عمر رضي الله عنه أبي بن كعب لما رأى قومًا يتبعونه، وهو في ذلك يقول: أبيٌ سيد المسلمين، وكان يقرأ عليه القرآن، فمنع من أن يتبعوه، وقال ذلك فتنة على المتبوع، ومذلة على التابع. وعمر رضي الله عنه كان بنفسه يخطب ويعظ ولا يمتنع منه 112.

6.الفتن بوجه عام أو التعلل بها أو بالأولاد ونحوهم.

قد يظن البعض أن ترك الواجبات والفرائض من أسباب النجاة من الفتن كما ترك المنافقون الغزو مع الرسول بهذه الدعوى قائلين: (ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ?) فرد الله دعواهم بقوله: (? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ?) [التوبة: 49] .

لذلك؛ فإن الرسول هنا يرشد إلى المبادرة بالأعمال الصالحة ويعلل ذلك بقدوم فتن كقطع الليل تدعو الإنسان للمداهنة وبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال الصالحة؛ فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا) 113.

ومعنى (ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ) أي: متاع وحطام من الدنيا، استئناف بياني أي: أن سبب كفره بيعه، أي: أخذه العرض في مقابلة دينه، بأن يأخذ أو يستحل مال أخيه المسلم، أو يستحل الربا والغش أو نحوه مما أجمع على تحريمه، وعلم من الدين بالضرورة 114.

ومن الفتن الحرص على الأولاد، والخوف عليهم من الضياع - كما يلقي الشيطان هذا في روع الإنسان أحيانًا ليحزنه ويضعفه ويجنبه عن قول الحق، والصدع به - لهو من أعظم أسباب المداهنة، لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فعن يعلى العامري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الولد مجبنة مبخلة) 115.

حين بين لنا أن الولد مجبنة، فاحذر أن تداهن من أجله، كما قال تعالى: (ڑ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ?) [التغابن: 14] .

ولما كان في الأمر بالمعروف؛ والنهي عن المنكر؛ والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة. كما قال الله تعالى عن المنافقين: (ا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ?) [التوبة: 49] .

وقد ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فأذن لي، ولا تفتني 116.

وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر. وجاء فيه الحديث: (كلهم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر) 117.

فأنزل الله تعالى فيه: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) .

يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه. فيتعذب بذلك، أو يواقعه فيأثم. فإن من رأى الصورة الجميلة وأحبها، فإن لم يتمكن منها - إما لتحريم الشارع، وإما للعجز عنها - يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك. وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء.

فهذا وجه قول: (وَلَا تَفْتِنِّي) فقال الله تعالى: (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب، ونكوله عنه، وضعف إيمانه، ومرض قلبه. الذي زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله تعالى يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ?) [البقرة: 193] .

فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة، فهو في الفتنة ساقط، لما وقع فيه من ريب قلبه، ومرض فؤاده، وترك ما أمره الله به من الجهاد.

وينقسم الناس أمام الأمر بالمعروف على قسمين كما يوضحهما شيخ الإسلام قائلًا:

فتدبر هذا، فإنه مقام خطر، والناس فيه على قسمين:

قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبًا لإزالة الفتنة كما زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة، كالمقاتلين في الفتن الواقعة بين الأمة مثل الخوارج.

وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة. وهذه الفتنة المذكورة في سورة «براءة» دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية. وهذه حال كثيرٍ من المتدينة، يتركون ما يجب عليهم من أمرٍ ونهيٍ، وجهادٍ، يكون به الدين كله لله. وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها. وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب من الأمر وترك المحظور. والقيام بالواجب وترك المحظور متلازمان، لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعًا أو تركهما جميعًا 118.

7.الصداقة والصحبة في غير الله ومرضاته.

إن الصداقة والصحبة إذا كانت على غير الله وفي غير مرضاته يدخل على دين المرء من الفساد بسببها ما لا يعلمه إلا الله، ذلك لأنهم ما صاحبوه إلا ليعاونهم على أغراضهم وهم يقصدون بذلك إفساد دينه، وإن لم يفعل انقلبوا عليه أعداءً، عداوة تضاعف عداوة أعدائه؛ لأنهم شاهدوا منه ما لم يشاهده أعداؤه، وإن لم يحب مفارقتهم احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدون وإن كان فيه فساد دينه.

وفيمن يحب صاحب «بدعة» لكونه داعية إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ينصر الباطل الذي يعلم أنه باطل وإلا عاداه، ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك الباطل: لأجل الأتباع والمحبين ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم، فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ووليه، ومن أحب أحدًا لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه: فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي، والحيلولة بينه وبين رحمة في حقه، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه، فأي صداقة هذه؟! ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ضرر عليه.

قال تعالى: (ںإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) [البقرة: 166] 119.

قال الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله، والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا (ھ ھ ے ے وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ? كَذَ?لِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ? وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: 167] .

فالأعمال التي أراهم الله حسرات عليهم: هي الأعمال التي يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا وكانت لغير الله، ومنها الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله. فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ولا حول ولا قوة إلا بالله 120.

8.الخوف من الناس وعدم الخوف من الله.

اعلم أن من خاف الله تعالى في الناس كان محسنًا إلى الناس وإلى نفسه لأن خوف الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكفهم عن ظلمهم، ومن خاف الناس ولم يخف الله فهذا ظالم للناس ولنفسه لأنه إذا خافهم دون الله تعالى احتاج إلى أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشيء من الشر أعظم من شرهم أو مثله.

قال شيخ الإسلام 121: «فالتوحيد ضد الشرك فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله فعبده لا يشرك به شيئًا كان موحدًا، ومن توحيد الله وعبادته؛ التوكل عليه، والرجاء له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك وإعطاء الناس حقوقهم، وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم، وبطاعة ربه واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) 122.

فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه. وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب وهو إنما يحبه لكونه طريقًا إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج أولًا وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم.

ثم إذا طلب العبادة: فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له محصلة لسعادته محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له فمن عبد الله لا يشرك به شيئًا: أحبه وأثابه فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب. أ. هـ

ثانيًا: صور من المداهنة المحرمة:

1.الدخول على الظلمة توقيرًا أو إعانة ومحبة.

اعتبر السلف الصالح الدخول على الظلمة وتوقيرهم والثناء عليهم ومحبتهم، نوعًا من الركون والمداهنة لهم، واستدلوا لذلك بقول الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ? كَذَ?لِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ? وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [المائدة:2] .

وقوله: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) [هود: 113] .

وما ثبت في «الصحيحين» عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم قنع رأسه، وأسرع السير، حتى اجتاز الوادي) 123.

قال ابن حجر: ووقع عند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال: دخل قوم على ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال: «أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل نمدحهم ونثني عليهم» وفي رواية عروة بن الزبير عن الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال: «أتيت ابن عمر فقلت: إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شيء نعلم أن الحق غيره فنصدقهم، فقال: كنا نعد هذا نفاقًا، فلا أدري كيف هو عندكم؟! لفظ البيهقي في رواية الحارث «يا أبا عبدالرحمن، إنا ندخل على الإمام يقضي بالقضاء نراه جورًا فنقول: تقبل الله، فقال: إنا نحن معشر محمد» فذكر نحوه. اهـ 124.

وقد قرر أهل العلم أن الرجل إن كان مستغنيًا عن الدخول على من يضطره الحال إلى الثناء عليه فدخل وأثنى عليه بغير ما يعلم، كان نفاقًا أما إن اضطر إلى الدخول على ذي قوة، لا يخلص من بأسه إلا أن يسمعه شيئًا من الإطراء فهو سعة من يطريه بمقدار ما يخلص من بأسه، ولا تلحقه هذه الحالة الشاذة بزمرة المداهنين ومما يحكى في هذا الإطار ما حصل حين انهزم جيش السلطان فرج بن برقوق أمام جيش الطاغية تيمورلنك، ووقع طائفة من العلماء في أسر الطاغية، ومن هذه الطائفة ابن خلدون، فكان من هذا الفيلسوف أن تقدم إلى تيمورلنك، وقال فيما حادثه به: «إني ألفت كتابًا في تاريخ العالم، وحليته بذكرك، وما أسفي إلا على هذا الكتاب الذي أنفقت عمري فيه، وقد تركته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب ضياعًا، حيث لم يكن في خدمتك، وتحت ظل دولتك، والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب، وأرجع سريعًا، حتى أموت في خدمتك، فأطلق سبيله، فقدم مصر، ولم يعد إليه» 125.

2.كلام ذي الوجهين واللسانين.

ومن صور المداهنة بل من أسوئها أن يلقى المداهن الرجلين المتعاديين كلًا منهما على حدة فيظهر لكل واحد منهما الرضا عن موقفه من عداوته للآخر، وأنه هو المحق والآخر هو المخطئ، والأمر لا شك على خلاف فأحدهما المخطئ والآخر المصيب، مع ذلك قد صوب مسلك هذا المخطئ وخطأ مسلك المصيب، وهذه مداهنة محرمة.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) 126.

قال ابن عبد البر: هذا حديث ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره في البيان عن ذم من هذه حاله، وقد تأوله قوم على أنه الذي يرائي بعمله ويري للناس خشوعًا واستكانة ويوهمهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وليس في الحقيقة كذلك كما يظهر.

وقال النووي في توجيه الحديث: سببه ظاهر؛ لأنه نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على اطلاعه على أسرار الطائفتين، وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه منها في خير أو شر وهي مداهنة محرمة ثم ذكر الحديث بعد ذلك وبوب عليه «باب: ذم ذي الوجهين وتحريم فعله» قال: والمراد من يأتي كل طائفة ويظهر أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض فإن أتى كل طائفة بالإصلاح ونحوه فمحمود.

قال الأستاذ محمد خضر حسين: «ومن أسوأ ما يفعل المداهن أن يلاقي الرجلين بينهما عداوة، فيظهر لكل واحد منهما الرضا عن معاداته لصاحبه و يوافقه على دعوى أنه الحق، وصاحبه هو المبطل، وفي مثل هذا ورد قوله صلى الله عليه وسلم: (تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه) 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت