ثالثًا: الترغيب في الأخلاق الحسنة:
رغّب القرآن الكريم بالأخلاق الحسنة، وجعل لها مكانة رفيعة، حيث أثنى الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] .
وبعث رسوله لكي يتمّم مكارم الأخلاق، من خلال مبادئ الإسلام الحنيف، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) 60.
وأثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق، عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما من شيءٍ أثقل في الميزان من حسن الخلق) 61.
والأخلاق الحسنة في القرآن الكريم كثيرة، وسوف نتعرف على بعض هذه الأخلاق كخلق الصبر والرحمة والصدق في القرآن الكريم، وبيان ذلك فيما يأتي:
ترجع عناية القرآن البالغة بالصبر لما له من قيمة كبيرة، وأثر في الحياتين الدنيا والأخرى، الصبر من أكثر الأخلاق التي اعتنى بها دين الإسلام؛ لذا تكرر ذكره في القرآن في مواضع كثيرة، قال أبو عبد الله أحمد ابن حنبل: «ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا» 62، فليس هو من الفضائل الثانوية، بل من الضرورات اللازمة التي لا انفكاك للإنسان عنها، فلا نجاح في الدنيا ولا نصر ولا تمكين إلا بالصبر، ولا فلاح في الآخرة، ولا فوز ولا نجاة إلا بالصبر، ولقد رغّب القرآن الكريم في الصبر في العديد من الآيات القرآنية، وبيان ذلك فيما يلي:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] .
يقول السعدي: «حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك» 63.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153] .
قال الشوكاني في تفسيره للآية: «فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال؛ وإن كانت كالجبال» 64.
قال تعالى: بَلَى? ? إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَ?ذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ?125? [آل عمران: 125] .
«يعني: تصبروا على مصابرة عدوّكم وتتّقوني وتطيعوا أمري، فيتحقق لكم النصر والظفر بالعدو» 65.
قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] .
فالله يحب هؤلاء الصابرين؛ لأنهم استجابوا لأمره وطاعته وطاعة رسوله في جهاد عدوه 66.
قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود: 11] .
بيّن الله سبحانه و تعالى ثواب أولئك الصابرين فقال: أُولَ?ئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور. وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين 67.
قال تعالى: وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3? [العصر: 1 - 3] .
إن كل إنسان لفي نوع من الخسران؛ لما يغلب عليه من الأهواء والشهوات، إلا الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات، وأقاموا على الطاعات، وأوصى بعضهم بعضًا بالتمسك بالحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على المشاق التي تعترض لهم، فهؤلاء ناجون من الخسران، مفلحون في الدنيا والآخرة، وإنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود؛ فإن المقصود بيان ما فيه الفوز بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية 68.
ولما يعلم الإنسان ما أعد الله للصابرين، يحرص على تحصيله، والمداومة عليه، فبالصبر يتغلب الإنسان على شهوات النفس والدنيا، ويمسك عن المعاصي والفتن، ويسارع إلى فعل الطاعات والفوز برضا الله عز و جل، ويشعر بالرضا والطمأنينة بقضاء الله وقدره، فهو يحقّق العزة و والكرامة والاستقامة للفرد والنصر للأمة والمجتمع، وهذه ثمرة عظيمة، وغاية يسعى إليها كل مؤمن صادق، مخلص لله في عبادته؛ لأنه يدرك ما لهذه الثمرة من مكانة عند الله عز و جل.
الرحمة خلق من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وأمرنا بالاتصاف بها، فإن الله سبحانه و تعالى وصف نفسه بها، ووصف بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ?128? [التوبة: 128] .
وحث القرآن الكريم على تحصيل هذا الخلق؛ لما له من آثار طيبة تنعكس على حياة المسلم.
ومن أسباب تحصيل الرحمة في القرآن الكريم:
قال تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ?156? أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ?157? [البقرة: 156 - 157] .
أخبر الله سبحانه و تعالى أن المؤمن إذا سلّم لأمر الله تعالى، وصبر على مصيبته، كتب الله تعالى له ثلاث خصال، الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى 69.
قال ابن عاشور في تفسيره للآية: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ?157?وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ?158? [آل عمران: 157 - 158] .
«ذكر ترغيبًا وترهيبًا، فجعل الموت في سبيل الله والموت في غير سبيل الله، إذا أعقبتهما المغفرة خيرًا من الحياة وما يجمعون فيها، وجعل الموت والقتل في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب؛ لحصول المغفرة والرحمة» 70.
قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?204? [الأعراف: 204] .
«هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب اللّه يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه؛ فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدىً متزايدًا، وبصيرةً في دينه؛ ولهذا رتّب اللّه حصول الرحمة عليهما» 71.
قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?56? [النور: 56] .
قال الشنقيطي في تفسيره: «هذه الآية الكريمة تدل على أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لرحمة الله سبحانه و تعالى» 72.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?10? [الحجرات: 10] .
يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وخافوا الله أيها الناس، بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل؛ ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم، إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه في السر والعلن 73.
للرحمة آثار طيبة تعود على الفرد والمجتمع، كيف لا، وقد اتصف الرسول صلى الله عليه وسلم بها، عن النّعمان بن بشيرٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) 74.
فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من بين صفات المؤمنين التراحم؛ فبالرحمة ترتفع الأحقاد والضغائن، وتختفي الشحناء والبغضاء، ويندحر الشيطان وأعوانه، فيعطف الغني على الفقير، فيقوى فيهم التناصر والتعاون على الخير، ويكونون يدًا واحدةً في الشدائد والمحن، وبذلك تستقيم حياة الإنسان على شرع الله ودينه.
3.الترغيب في الصدق.
الصدق خلق إسلامي عظيم يدل على إيمان صاحبه بالله، وعلى طهارة قلبه، وسمو أخلاقه، ولما كان الصدق من أشرف السمات الأخلاقية، وأكثرها فضيلة وتكاملًا للنفس الإنسانية؛ كان من البديهي تركيز القرآن الكريم على هذا الخلق، ولقد أمرنا القرآن بالتزامه مرارًا وتكرارًا.
فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ?119? [التوبة: 119] .
وذلك ليسري إلينا صدقهم.
وبيّن الله عز و جل في كتابه أن من صفات الأنبياء عليهم السلام الصدق، فأثنى عليهم بهذا الخلق، فقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ?41? [مريم: 41] .
وقال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: 50] .
وقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ? إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا [مريم: 54] .
وقال تعالىوَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا [مريم: 56] .
ومن ثمرات الصدق في القرآن ما يأتي:
قال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?33? [الزمر: 33] .
وقال أبو بكر الجزائري في تفسيره للآية: «هذا إخبار بفريق الفائزين من عباد الله وهم الصادقون في كل ما يخبرون به، والمصدّقون بما أوجب الله تعالى التصديق به، ويدخل في هذا الفريق دخولًا أوليًّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق، ثم سائر الصحابة والمؤمنين إلى يوم الدين» 75.
قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ?35? [الأحزاب: 35] .
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا «أي: مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجرًا عظيمًا على طاعاتهم التي فعلوها، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ» 76.
قال تعالى: قَالَ اللَّهُ هَ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ? لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ?1111? [المائدة: 11] .
قال الطبري في تفسيره: ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم، وهو الظفر العظيم» 77.
قال ابن القيم: «الصدق منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه، وصرعه، من صال به لم تردّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين» 78.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم اهتم بالأخلاق الحسنة اهتمامًا بالغًا؛ لما لها من آثار إيجابية على سلوك المسلم في حياته، وبما يناله من الأجر العظيم يوم القيامة.
رابعًا: الترغيب في الثواب:
ورد لفظ الثواب في القرآن بمعان مختلفة، وقد عرّفه الراغب الأصفهاني بقوله: «ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله» 79، فيسمى الجزاء ثوابًا، وجعل الله تعالى الجزاء من جنس العمل في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ?7? [الزلزلة: 7] .
ولم يقل جزاءه، والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله عز وجل: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران: 195] .
وتستعمل في الشر كقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَ?لِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [المائدة: 60] .
والإثابة تستعمل في المحبوب، قال تعالى: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [المائدة: 85] .
«الثواب» يعني: «الرجوع» ، ويطلق «الثواب» على أفعال العباد وأعمالهم، بمعنى ما يرجع إليهم من جزاء أعمالهم، ولفظ (الثواب) ، وإن كان في اللغة يطلق على الجزاء الدنيوي والأخروي، إلا أنه قد اختص في العرف بالجزاء الأخروي على الأعمال الصالحة من العقائد الحقة، والأعمال البدنية والمالية.
وقد جاء لفظ الثواب في القرآن على خمسة معانٍ:
الأول: بمعنى الطاعة.
ومنه قوله تعالى:? نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 31] .
أي: نعم الأجر والثواب الجنة جزاء وفاقًا على جميل أعمالهم، وحسنت منزلًا ومقيلًا 80.
الثاني: بمعنى الفتح والظفر والغنيمة.
قال تعالى: فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 148] .
يقول الطبري في تفسيره: «يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى اللّه الّذين وصفهم بما وصفهم من الصّبر على طاعة اللّه بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوّهم، والاستعانة باللّه في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم، على ما أبلوا في اللّهثَوَابَ الدُّنْيَا يعني: جزاء في الدّنيا، وذلك النّصر على عدوّهم وعدوّ اللّه، والظّفر والفتح عليهم، والتّمكين لهم في البلاد؛ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ يعني: وخير جزاء الآخرة، على ما أسلفوا في الدّنيا من أعمالهم الصّالحة، وذلك الجنّة ونعيمها» 81.
الثالث: بمعنى المكافأة.
قال تعالى: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ?85? [المائدة: 85] .
يقول سيد طنطاوي في تفسيره: «أي: فكافأهم الله تعالى بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار خالدين فيها، أي: باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه، وذلك العطاء الجزيل الذي منحه الله لهم جزاء المحسنين، أي: المؤمنين المخلصين في أقوالهم وأعمالهم» 82.
الرابع: بمعنى المتاع.
قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?134? [النساء: 134] .
أي: متاعها الزائل وحطامها الفاني؛ كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة والفخر، لا الثواب والأجر، والذي يريد بصلاته وحجه الرياء والسمعة، ولا يبتغي بعباداته وجه الله تعالى؛ فقد أخطأوا جميعًا وجه الصواب، فثواب الله أفضل من ثواب الدنيا الزائل 83.
الخامس: الزيادة على الزيادة.
قال تعالى فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ [آل عمران: 153] .
يقول السيوطي في تفسيره: «الغم الأوّل الجراح والقتل والغم الآخر حين سمعوا أن النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل وما كانوا يرجون من الغنيمة» 84.
أولًا: الترغيب بملذات دنيوية:
رغّب القرآن بملذات دنيوية كثيرة، ومن هذه الملذات ما يأتي:
1.الحياة الطيبة.
قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] .
والحياة الطيبة تكون في الدنيا؛ بالراحة والرزق الطيب الحلال والقناعة والسعادة 85.
2.الأمن والهداية في الدنيا.
قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ?82?ژ [الأنعام 82] .
يقول السعدي في تفسيره: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا أي: يخلطوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأمن من المخاوف والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا، لا بشرك، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها، ومفهوم الآية الكريمة: أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء» 86.
حلول الخيرات والبركات:
قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف 96] .
يقول ابن كثير في تفسيره: «آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرّسل، وصدّقت به واتّبعته، واتّقوا بفعل الطّاعات وترك المحرّمات، لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: قطر السّماء ونبات الأرض» 87.
الإمداد بالأموال و البنين:
قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10 - 12] .
فمن أساليب القرآن في ترغيبه للمؤمنين ترغيبهم بالأعمال الصالحة في الدنيا كالاستغفار الذي هو سبب للمتاع والإمداد بالأموال والبنين في الدنيا، يخبر الله سبحانه وتعالى عن نوح في دعوته لقومه من ترغيبه إياهم بالتوبة والاستغفار.
يقول ابن كثير في تفسيره: «أي: إذا تبتم إلى اللّه واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرّزق عليكم، وأسقاكم من بركات السّماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزّرع، وأدرّ لكم الضّرع، وأمدّكم بأموالٍ وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنّاتٍ فيها أنواع الثّمار، وخلّلها بالأنهار الجارية بينها، وهذا مقام الدّعوة بالتّرغيب» 88.
ثانيًا: الترغيب بملذات الآخرة:
أعد الله سبحانه و تعالى لعباده المؤمنين في الجنة ملذات وصورًا من النعيم؛ وذلك ليرغب المؤمن بالأجر والثواب الذي أعده الله له في الآخرة، ولقد جاءت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لتصف لنا هذا النعيم، الذي أعده سبحانه وتعالى لمن أطاعه، وتظهر عظمة هذا النعيم في قوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] .
فأهل الجنة في سعادة دائمة وفرح مستمر، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ?38?ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ?39? [عبس: 38 - 39] .
فمهما طال نعيم الدنيا فهو زائل لا محالة، أما نعيم الآخرة فهو سرمدي دائم، لا يكتنف صاحبه سقم ولا ألم ولا ملل.
وقد وصف الله تبارك وتعالى هذا النعيم بقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ (53) كَذَ?لِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى? ? وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: 51 - 56] .
وسنتحدث عن بعض ملذات الآخرة وصور النعيم الذي أعده الله لعباده، كالنظر لوجه الله الكريم، و درجات الجنة وغرفها، وطعام أهلها وشرابهم، وكل ذلك شحذًا للهمم، وإيقاظًا للغافلين، المتمسكين بنعيم الدنيا الزائل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها، إنه ولى ذلك والقادر عليه، وبيان ذلك فيما يأتي:
1.النظر لوجه الله الكريم.
إن أعظم نعيم أعده الله سبحانه وتعالى لعباده في الجنة، التمتع برؤية وجه الله الكريم، الذي يغمر الوجوه نضارة وإشراقًا، وقد رغّب الله سبحانه في القرآن الكريم بهذا النعيم، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ?22?إِلَى? رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ?23? [القيامة: 22 - 23] .
قال الخازن في تفسيره: «هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة» 89.
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى ثواب المؤثرين الآخرة على الدنيا، فقال سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، إِلَى? رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ?23? أي: تنظر إلى ربها، على حسب مراتبهم، فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشيًا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور، ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم، فازدادوا جمالًا إلى جمالهم 90.
وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] .
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60] .
وقوله: ژ?ژ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وزيادة على ذلك أيضًا.
ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان، من القصور، والحور، والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك، وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم؛ بل بفضله» 91.
فالحسنى هي الجنة.
عن أبي بكرٍ الصّدّيق، في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ [يونس: 26] .
قال: «الزّيادة: النّظر إلى وجه اللّه عز وجل» 92.
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد: «يعني: الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم» 93.
2.الترغيب في درجات الجنة.
لقد رغّب القرآن الكريم في الجنة ودرجاتها، وبيّن أن الناس في الجنة يتفاضلون، كما يتفاضلون في الدنيا، كل بحسب إيمانه وعمله، وابتعاده عن المعاصي.
قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ?21? [الإسراء: 21] .
قال السعدي: «انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى في الدنيا بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر، والعلم والجهل، والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي فضّل الله العباد بعضهم على بعض بها، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه، فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات، والسرور والخيرات، والأفراح، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذّب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحد عده» 94.
وبيّن الله سبحانه و تعالى أن الذي يفوز بالدرجات العلى في الجنة: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى? [طه: 75] .