أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «نفس، النون والفاء والسين أصل واحد يدل على خروج النسيم كيف كان، من ريح أو غيرها، وإليه يرجع فروعه» 1.
ولفظ (النفس) في اللغة يطلق ويراد به معان عديدة، منها:
(النفس) الروح، يقال: خرجت نفسه.
والنفس الجسد، ويقولون: ثلاثة أنفسٍ فيذكرونه؛ لأنهم يريدون به الإنسان.
و (نفس) الشيء عينه يؤكد به، يقال: رأيت فلانًا نفسه وجاءني بنفسه 2.
ومن معاني (النفس) أيضًا: العظمة والكبر. و (النفس) : العزة. و (النفس) : الهمة. و (النفس) : الأنفة. و (النفس) : عين الشيء وكنهه وجوهره 3.
والنفس: في كلام العرب يجري على ضربين: أحدهما: خرجت نفسه، أي: روحه. والثاني: معنى النفس فيه جملة الشيء وحقيقته 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
النفس في اصطلاح العلماء لها عدة معانٍ، منها:
ما ذكره الجرجاني: «هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية» 5.
وعرفها الملا علي بأنها: «لطيفةٌ في الجسد تولدت من ازدواج الروح بالبدن واتصالهما معًا» 6.
قال المناوي: «هي جوهر مشرق للبدن، فعند الموت ينقطع ضوؤه من ظاهر البدن وباطنه» 7.
وردت مادة (نفس) في القرآن الكريم (298) مرة، يخص موضوع البحث منها (295) مرة 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 140 ... {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة:48]
الجمع ... 155 ... {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) } [التكوير:7]
وجاءت النفس في القرآن على أربعة أوجه 9:
أحدها: القلب: ومنه قوله تعالى: {وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم:23] يعني: القلوب.
الثاني: الجنس والنوع، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة:128] يعني: من جنسكم.
الثالث: الإنسان، ومنه قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] يعني: الإنسان بالإنسان.
الرابع: الروح: ومنه قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام:93] يعني: أرواحكم.
الروح:
الروح لغة:
قال ابن فارس: (روح) الراء والواو والحاء أصل كبير مطرد، يدل على سعة وفسحة واطراد. وأصل ذلك كله الريح. وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياء لكسرة ما قبلها. فالروح روح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذلك الباب كله. والروح: نسيم الريح. ويقال أراح الإنسان، إذا تنفس 10.
الروح اصطلاحًا:
قال السهيلي: «الروح مشتق من الريح وهو جسمٌ هوائي لطيفٌ به تكون حياة الجسد عادةً أجراها الله تعالى» 11.
قال العلماء: لا نعلم حقيقتها وهو مما جهل العباد بعلمه مع التيقن بوجوده بدليل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] .
ووجود الروح أمر متفق عليه في كل الأديان السماوية، كما قال اليهود لقريش: اسألوا محمدًا عن ثلاثة أشياء فإن أخبركم عن شيئين وأمسك عن الثالث فهو نبي، اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح 12.
الصلة بين النفس والروح:
تعددت آراء العلماء في تحديد مفهوم النفس والروح، هل النفس هي الروح أو غيرها؟ فكثرت في ذلك الأقوال:
القول الأول: إن الروح هي النفس وأخذوا بظواهر من الأحاديث ألفاظها محتملةٌ للتأويل واتساعاتها في الكلام كثيرةٌ، فمما تعلقوا به في أن الروح هي النفس قول بلالٍ: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) 13، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قبض أرواحنا) 14، وقوله عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} [الزمر:42] .
القول الثاني: أن النفس غير الروح، وهؤلاء يحتجون بأن الله خلق آدم عليه السلام وجعل فيه نفسًا وروحًا، فمن الروح عفافه وفهمه وحلمه وسخاؤه ووفاؤه ومن النفس شهوته وطيشه وسفهه وغضبه ونحو هذا، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116] . فلا يحسن ذكر أحدهما في محل الآخر.
القول الثالث: ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء هل الروح هي النفس أو غيرها، ثم جمع بين الأقوال وقرر أن الروح: ذاتٌ لطيفةٌ كالهواء، ساريةٌ في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وأن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدحٍ أو ذمٍ، فهي إما نفسٌ مطمئنةٌ أو أمارةٌ بالسوء، ثم نبه على التوسع حتى يطلق على الجسد والروح، وجملة ما قاله السهيلي: إن الروح لا يقال هي النفس مطلقًا، بل يفصل بينهما، فالروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبةٌ منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجهٍ لا من كل وجهٍ 15.
وقد أيد ابن كثير هذه المعاني - بتعقيبه على أقوال السهيلي - بقوله: «وهذا معنًى حسنٌ، والله أعلم» 16.
الجسد:
الجسد لغة:
قال ابن فارس: « (جسد) الجيم والسين والدال يدل على تجمع الشيء أيضا واشتداده. من ذلك جسد الإنسان» 17، والجسد: البدن. تقول منه: تجسد، كما تقول من الجسم: تجسم. والجسد أيضًا: الزعفران أو نحوه من الصبغ، وهو الدم أيضًا 18.
الجسد اصطلاحًا:
الجسد: «جسم الإنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية» 19، حيث قال الفراهيدي: «الجسد للإنسان، ولا يقال لغير الإنسان جسدٌ من خلق الأرض» 20.
الصلة بين الجسد والنفس:
اعتبر صاحب تاج العروس أن النفس هي الجسد، حيث قال: «والنفس: الجسد، وهو مجازٌ» 21.
وفي هذا المجال يرى السهيلي أن الإنسان روحٌ وجسدٌ، حيث بين رأيه، ثم علله بقوله: «وقد يعبر بالنفس عن جملة الإنسان روحه وجسده، فتقول: عندي ثلاثة أنفسٍ، ولا تقول: عندي ثلاثة أرواحٍ» 22.
قال ابن جبرين: «فما دامت الروح في الجسد فإنها تسمى نفسًا وتسمى روحًا، فإذا خرجت الروح من الجسد فإنها لا تسمى نفسًا غالبًا، وإن كانت قد تسمى بذلك في مثل قول الله تعالى في سورة الأنعام: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام:93] .
يعني: أخرجوا أرواحكم، فإذا خرجت فإنها تقبضها الملائكة وتكفنها، وكذلك قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42] فسماها هاهنا نفسًا، فما دامت في الجسد فإنها تسمى نفسًا، الله يتوفاها يعني: يقبضها، وبعد قبضها يغلب عليها اسم الروح، وكذلك في النوم نفس النائم تخرج، ولكنها لا تخرج خروجًا كليًا، بل يبقى أثرها على البدن» 23.
جاء ذكر النفس في حق الله تعالى في مواضع عدة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28] .
وقوله تعالى: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) } [طه:41] .
وقوله تعالى: {وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116] .
وقوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54] .
وجاء ذكرها كذلك في السنة في أحاديث كثيرة، منها:
حديث أبي ذرٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله عز وجل أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) 24.
حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) 25.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى:(أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) 26.
ونقل ابن بطال الإجماع على أن نفس الله ذاته، حيث قال: «وما ذكر في الأحاديث من ذكر النفس فالمراد به إثبات نفس لله، والنفس لفظة تحتمل معانٍ، والمراد بنفسه تعالى ذاته، فنفسه ليس بأمر يزيد عليه، فوجب أن تكون نفسه هي هو، وهذا إجماع» 27.
أقوال العلماء في النفس: اختلف أهل العلم في النفس المثبتة لله تعالى:
أبو حنيفة النعمان بن ثابت الذي قال في الفقه الأكبر تحت عنوان: «القول في الصفات» :
«وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفات الله تعالى بلا كيف» 28.
واستدل ابن عادل على جواز تسمية ذات الله بالنفس خلال تفسيره للآية: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} حيث قال: «دلت هذه الآية على جواز تسمية ذات الله سبحانه وتعالى بالنفس، أيضًا قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116] يدل عليه، والنفس هنا بمعنى الذات والحقيقة، لا بمعنى الجسم والدم؛ لأنه سبحانه وتعالى مقدسٌ عنه؛ لأنه لو كان جسمًا لكان مركبًا، والمركب ممكن، وذلك باطلٌ؛ لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] » 29.
قال ابن عاشور: «وفي جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلةٍ خلافٌ» 30.
وما نرجحه هو أن النفس هي ذات الله سبحانه وتعالى المتصفة، دون تشبيه أو تمثيل أو تعطيل.
أولًا: الخلق من نفس واحدة:
جاء ذكر خلق الناس من نفس واحدة في أربع آيات، منها ثلاث بصيغة الخلق: (خلقكم) والرابعة بصيغة الإنشاء: (أنشأكم) .
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء:1] .
والمعنى: احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوا أمره ونهيه، فيحل بكم عقابه، ثم بين عز وجل أنه خلق جميع الناس من شخصٍ واحدٍ، يعني: من آدم، وخلق من النفس الواحدة زوجها؛ أي: امرأتها حواء، فنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن حق بعضهم على بعضٍ واجبٌ وجوب حق الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن بعد التلاقي في النسب إلى آدم مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى؛ ليتناصفوا، ولا يتظالموا؛ وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف، على شرع الله، ثم أسند الطبري هذا القول لعدد من التابعين هم: السدي، وقتادة، ومجاهد 31.
قال ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفسٍ واحدةٍ، وهي آدم عليه السلام {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائمٌ، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه» 32.
وبين القاسمي أن هذا الخلق يعد من قدرة الله الباهرة، وحقيق بالاعتبار، حيث قال عن ذلك: « {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} أي: اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة؛ لتأييد الأمر بالتقوى وتأكيد إيجاب الامتثال به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم، وخلقه تعالى إياهم على هذا النمط البديع مما يدل على القدرة العظيمة» 33.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189] .
وكذلك في هذه الآية المقصود بالنفس الواحدة هو آدم، وزوجها هي حواء، حيث أخرج الطبري عن قتادة «قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} من آدم» ويعني بقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وجعل من النفس الواحدة وهو آدم زوجها حواء» 34.
وقال البغوي: «قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني: من آدم، {وَجَعَلَ} وخلق منها زوجها، يعني: حواء، {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ليأنس بها ويأوي إليها، فلما تغشاها، أي: واقعها وجامعها حملت حملًا خفيفًا، وهو أن أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفًا عليها، فمرت به، أي: استمرت به وقامت وقعدت به ولم يثقلها» 35.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) } [الأنعام:98] .
معنى الآية: الإنشاء: هو الإحداث والإيجاد، ولم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفسٍ واحدةٍ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر بأنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم زوجها حواء، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً 36.
ثانيًا: بيان طريق الهداية والضلال:
قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [الشمس:7 - 10] .
معنى قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي: خلقها سويةً مستقيمةً على الفطرة القويمة.
وقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، وبين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها، فبين لها الخير والشر 37.
وفي ذلك نقل القرطبي أقوالًا متقاربة لابن عباس وبعض التابعين، مفادها أن معنى قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا} عرفها طريق الخير وطريق الشر، أي: عرفها الطاعة والمعصية، فإذا أراد الله عز وجل ألهم عبده المؤمن المتقي الخير فعمل به، وإذا أراد به السوء ألهم الفاجر فجوره والشر فعمل به، كما قال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) } [البلد:10] 38.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون السعادة والشقاوة، وأن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة.
ونهى صلى الله عليه وسلم أن يتكل الإنسان على القدر ويدع العمل، وكل من اتكل على القدر وترك ما أمر به من الأعمال الواجبة هو من الأخسرين أعمالًا، وكان من جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل الشقاوة؛ لأن أهل السعادة هم الذين يفعلون المأمور ويتركون المحظورة.
ففي صحيح مسلم عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: (إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيءٌ قضي عليهم ومضى فيهم من قدرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال:) لا، بل شيءٌ قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) } ) 39.
ومعنى سواها في قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} : خلقها وأنشأها وسوى أعضاءها، والتنكير للتفخيم، و {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي: عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من الحسن والقبح، وقوله {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} : هو جواب القسم على الراجح، وقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} أي: خسر من أضلها وأغواها، فأخفاها وأهملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، والمراد هنا بالنفس إما: جميع ما خلق من الجن والإنس، وقيل: المراد نفس آدم 40.
معنى الإلهام في الآية: اختار الزجاج حمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، حيث قال: «علمها طريق الفجور وطريق الهدى، والكلام على أن ألهمها التقوى وفقها للتقوى، وألهمها فجورها خذلها» 41.
قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) } [القيامة:14 - 15]
المعنى: بل للإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه بعمله، ويشهدون عليه به، يعني: ولو اعتذر بكل عذر وجادل عن نفسه، فإنه لا ينفعه؛ لأنه قد شهد عليه شاهد من نفسه، وقيل: معناه ولو اعتذر فعليه من نفسه ما يكذب عذره، وهذا للإخبار بأن الكافر يعلم ما فعله؛ لأنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، إذ هو قرأ كتاب أعماله، والمقصود بالبصيرة:
-إما جوارح الإنسان، كسمعه وبصره ويده ورجله وجوارحه.
-أو (بَلِ) الإنسان شاهدٌ على نفسه وحده.
وأدخلت الهاء في قوله: (بَصِيرَةٌ) صفةٌ للذكر، وهي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة، كالهاء في قولهم: داهيةٌ وعلامةٌ وراويةٌ 42.
والقرطبي أضاف معنىً ثالثًا نسبه إلى السدي والضحاك حين قال: «وقيل المراد بالبصيرة: الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خيرٍ أو شرٍ، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) في من جعل المعاذير الستور» 43.
كما وأضاف ابن عاشور معنىً رابعًا، وهو قوله: «ويحتمل أن تكون بصيرةٌ صفةً لموصوفٍ محذوفٍ، تقديره: حجةٌ بصيرةٌ، وتكون بصيرةٌ مجازًا في كونها بينةً كقوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ [الإسراء:59] .
والتأنيث لتأنيث الموصوف، والمعاذير: اسم جمع معذرةٍ والمعنى: أن الكافر يعلم يومئذٍ أعماله التي استحق العقاب عليها، ويحاول أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له، ولو أفصح عن جميع معاذيره» 44.
ثالثًا: إحاطة علم الله بما في النفس:
قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ? عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَ?كِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ? وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى? يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ?235?) [البقرة:235] .
معنى الآية: واعلموا أيها الناس أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن، ونكاحهن، فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئًا مما نهاكم عنه من عزم عقدة نكاحهن، واعلموا أن الله ذو سترٍ لذنوب عباده، وتغطيةٍ عليها فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات، وذكرهم إياهن في حال عددهن، أنه ذو أناةٍ لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم 45.
والهاء في قوله (عليه) :
-يحتمل أن تعود على الله تعالى، أي: فاحذروا عقابه.
-ويحتمل أن تعود على ما لا يجوز من العزم، أي: فاحذروا ما لا يجوز ولا تعزموا عليه.
فلما هددهم بأنه مطلعٌ على ما في أنفسهم، وحذرهم منه، أردف ذلك بالصفتين {غَفُورٌ حَلِيمٌ} ليزيل عنهم بعض روع التهديد والوعيد، والتحذير من عقابه، ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف 46.
ويفيد قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} توعد المصرحين بخطبة النساء على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر 47.
وقال أبو السعود: « {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من ذوات الصدور التي من جملتها العزم على ما نهيتم عنه» 48.
وقال القاسمي: «واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم من الميل إليهن قبل الأجل فاحذروه، واعلموا أن الله غفورٌ يغفر ذلك الميل إذ لم يتعد العزم عقدة النكاح، حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة» 49.
قال تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] .
هذا إخبار من الله جل جلاله أن له ما في السماوات وما في الأرض، خلق الجميع ورزقهم ودبرهم لمصالحهم، فكانوا بأوامر في هذا الوجود إما ظاهرًا وإما على سبيل الخفية، فيغفر لمن يأتي بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يتب منه، وسبحانه على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.