أي: أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة، هذا علم يقين وعين يقين، يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 92 - 95] .
والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين، إنه سيراها وهو يمر على الصراط، ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين 45.
المتدبر لآيات القرآن الكريم يتبين له أن القرآن قد بين ثلاثة أسباب تؤدي لحصول اليقين نوردها فيما يلي:
أولًا: الإيمان:
لا شك أن اليقين الحقيقي الثابت الذي لا يتزعزع بزمانٍ ولامكانٍ ولا حالٍ ينبع من معين الإيمان بالله ورسوله وبقضاءه وقدره واليوم الآخر، فهناك تلازم بين الإيمان واليقين، فالأول سبب في تحقق الثاني.
يقول تعالى في أول سورة البقرة في بيان مايتصف به المتقون من الإيمان وما أثمره عنه هذا الإيمان فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] .
فهم يؤمنون ويصدقون بما جاء به الرسول من الله عز وجل وما جاء به من قبله من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من عند ربهم، فوصف الله جل ثناؤه المؤمنين بما أنزل إلى نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من المرسلين بإيقانهم من أمر الآخرة، فهو إيقان بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة.
وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان بما أنزل على الذين من قبله مع أن الترتيب يقتضى العكس؛ لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم 46.
قال صاحب اللباب: «فصل فيما استحق به المؤمنون المدح: قال ابن الخطيب: إنه تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار» 47.
فأخبر عز وجل عن حال هؤلاء المؤمنين أنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأولئك المشركين الذين قالوا: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32] .
فهذا اليقين نابع من الإيمان الحقيقي.
فالتأكيد بكلمة (هم) هو تصوير لليقين بصورة الجملة الاسمية، والجملة الاسمية تدل على بقاء اليقين واستمراره بحيث لا يضطرب ولا يتزعزع ولا ينسى ذلك اليوم أبدًا 48.
فاليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة (يعني بدون الإيمان) ، وبين من يعيش في الوجود المديد الرحيب. بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود، وبين من يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء، وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك، وراء هذا الحيز الصغير المحدود «وهذا لا ينتج إلا عن الإيمان وما يتبعه من يقين بوعد الله وحسابه» 49.
وهذا ما أكده القرآن مرة أخرى في بيان ما يتصف به المؤمنون وما أثمره عنه هذا الإيمان فقال تعالى {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل: 3] .
فهولاء المؤمنون بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون، فيذلون في طاعة الله، رجاء جزيل ثوابه، وخوف عظيم عقابه، وليسوا كالذين يكذبون بالبعث ولا يبالون، أحسنوا أم أساؤوا، أطاعوا أم عصوا؛ لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا، وإن أساؤوا لم يخافوا عقابا 50، ولايتأتي ذلك كله إلا بالإيمان.
كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، ويدل عليه أنه عقد جملة اسمية، وكرر فيها المبتدأ الذي هو (هم) حتى صار معناه: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق.
فلقوة هذه الخصلة الكريمة للمؤمنين وكونها لب الإيمان أكدها الله تعالى بعدة مؤكدات: أولها بتقديم الجار والمجرور، وثانيها بالجملة الإسمية، وذكر ضمير الفصل مرتين في صدر الجملة وآخرها 51.
وهذا ما أكده مرة أخرى بنفس الآية في سورة لقمان فقال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] .
ولذلك عندما حاول المشركون إظهار تحسرهم وندمهم - يوم لا ينفع الندم- لعدم يقينهم بوعد الله وحسابه الذي أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوا وتكبروا -وذلك بعكس المؤمنين- وتمنوا الرجوع إلى الحياة الدنيا؛ ليكونوا من المؤمنين الذين يكونون من أصحاب اليقين، ولكن هيهات فقد فات الأوان، والقرآن الكريم يصور ذلك فيقول: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] .
فقوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} حكاية لما يقولونه في هذا الموقف العصيب. أي: يقولون بذلة وندم: يا ربنا، نحن الآن نبصر مصيرنا، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال، فارجعنا إلى الدنيا لكي نعمل عملا صالحًا، إنا موقنون الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق، وأن البعث حق، وأن الجزاء حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق. ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم قد جاء في غير أوانه، ولذا لا يقبله سبحانه منهم، ولذا عقب سبحانه على ما قالوه بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي: ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإيمان لفعلنا؛ لأن إرادتنا نافذة، وقدرتنا لا يعجزها شيء 52، فلأجل عدم اليقين يكون العقاب والجزاء من الله كما سبق.
وتشير الآية التالية إلى ما فعله الله بهؤلاء المشركين نتيجة لعدم إيقانهم فقال: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82] .
يعني: فما دام هؤلاء المشركون لم يسمعوا للآيات ولم يقبلوها ولم يلتفتوا إلى منهج الله وصموا عنه آذانهم فلم يسمعوا كلام أمثالهم من البشر فسوف نخرج لهم دابة تكلمهم، وانظر إلى هذه الإهانة وهذا التوبيخ: أنتم لم تسمعوا كلام أمثالكم من البشر، ولم تفهموا من يخاطبكم بلغتكم، فاسمعوا الآن من الأدنى، وافهموا عنها، وفسروا قولها. لكن ماذا ستقول الدابة لهم؟ وما نوع كلامها؟ 53.
وجملة: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة، حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن، فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم 54.
ثانيًا: التفكر:
إن التفكر والتأمل والتدبر في الكون وما أوجده الله فيه من مخلوقات وأشياء عديدة ومتنوعة بعقل مجرد يوصل لا محالة إلى اليقين بألوهية وربوبية الخالق الموجد الحق سبحانه وتعالى، ولقد كانت قضية إعمال العقل والتفكر من وسائل الأنبياء لدعوة أقوامهم إلى الإيمان وتحقيق اليقين، ونجد ذلك واضحًا في حديث موسى إلى فرعون، يسأل فرعون موسى عن هذا الإله الذي يدعو الناس إليه وهو منهم {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23 - 24] إنه خالقهما.
قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، لأن خالق هذه الأشياء لا يمكن أن يكون إنسانا أو جانًّا؛ بل خالقهما المدبر القادر المقتدر وهو الله 55.
وبتعبير آخر: إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته؛ لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لابد وأن تكون أظهر آثاره وأبعدها عن الخفاء، وما ذاك إلا السموات والأرض وما بينهما، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب 56.
فخالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه وإلهه لا شريك له هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون. إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة 57.
معنى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدى إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع. أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به؛ لظهوره وإنارة دليله 58.
وكأن القرآن يقول لنا: إذا نظرتم فيما حولكم واستخدمتم عقولكم ستصلون إلى النتيجة الحتمية وبأعلى الطمأنينة أن الخالق المدبر هو الله وهذا هو اليقين حقًّا {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الدخان: 7] .
ولقد استخدمت القوى العقلية وأساليب الفكر والمنطق لبناء اليقين وتدعيمه أيضًا من خلال الحديث عن السماوات والأرض مرة أخرى ولكن في مخاطبة مشركي قريش، ولكن حينما تنغلق العقول وتقفل القلوب لا يكون للكلام المنطقي أثر في تحقيق هذا اليقين.
يقول تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] .
قال ابن عباس: «من غير ربٍّ خالق» .
والمعنى: أم خلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون؛ لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} أي: لأنفسهم، وذلك في البطلان أشد؛ لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا، فليؤمنوا به وليوحدوه وليعبدوه. وقيل: في معنى الآية: أخلقوا باطلا فلا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون، أم هم الخالقون -أي: لأنفسهم- فلا يجب عليهم لله أمر؟
{أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الطور: 36] يعني: أخلقوا السماوات والأرض فيكونوا هم الخالقين، وليس الأمر كذلك.
{بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 36] أي: بالحق، وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث وأن الله تعالى هو خالقهم وخالق السموات والأرض فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم وخالقهم 59.
وكأنه قيل لهم: ألا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السموات والأرض ويصلوا بذلك إلى اليقين؟ ولو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته.
فهذا عرض عام للوجود كله، ففى كل نظرة ينظر بها المؤمن في هذا الوجود يرى آيات دالة على قدرة الله وعلمه وحكمته .. فالكون كله في نظر المؤمن بالله كتاب مفتوح، يقرأ في صفحاته آيات تحدث عن جلال الله، وعظمته، وكماله .. وفى كل شئ له آية تدل على أنه الواحد.
أما غير المؤمن فلا يرى فيما يرى من هذا الوجود إلا أشباحا تتحرك، وكائنات تظهر وتختفى .. وقد ينبهر بما يرى، ويفتن بما يملأ عينيه من جمال، ولكنه يظل حيث هو في تعامله مع كائنات الوجود وعوالمه، دون أن يصله شئ من هذا بخالق الكون ومبدعه! 60.
ولهذا يري الحق سبحانه وتعالى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض؛ ليصل إلى مرحلة تأكيد اليقين لديه، قال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] .
فلما اهتدى سيدنا إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين، فسيريه الله ملكوت السموات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلهًا حقًّا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون؛ ليتفكر فيها والتي تجعله يزداد يقينًا وإيمانًا 61.
قال المهايمي في الآية: « {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ ليعلم أن شيئًا من روحانيات الأفلاك والكواكب والمشايخ والشياطين لا يصلح للإلهية، وليكون من الموقنين بالتوحيد بالاستدلال بالأدلة الكثيرة.
وقيل: وليكون علة لمقدر هو عبارة عن المذكور. أي: وليكون من الموقنين بالتوحيد فعلنا ما فعلنا من الإراءة والتبصير بآيات السماوات والأرض» 62.
وإنما قال: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ} بصيغة المضارع، مع أن الظاهر أن يقول: (أريناه) ؛ لاستحضار صورة الحال الماضية التي كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية آياته تعالى في ذلك الملكوت العظيم 63.
وهاهنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائلٌ البتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي 64.
ولئن كانت الآيتان السابقتان قد جعلتا التفكر في كل من السماوات والأرض وسيلة وسببًا من أسباب اليقين إلا أن القرآن في موضع آخر ذكر أن الأرض بما حوته وما أودعه الله فيها وحدها من أشياء وخيرات تكون من أسباب اليقين {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] .
ففي الأرض آياتٌ تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره لمن يتدبر ويتفكر ويعقل، حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها كما قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53] .
وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها، وهي مجزأة، فمن سهل وجبل وبر وبحر، وقطع متجاورات، من صلبة ورخوة وعذاة وسبخة، وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4] .
وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدواب المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال: من الوحشي والإنسى والهوام، وغير ذلك للموقنين الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم وإيقانا إلى إيقانهم 65.
وإذا خرجنا من دائرة السماوات والأرض ونظرنا إلى الإنسان خلقًا وإيجادًا وما يبثه الحق من دابة تدب على الأرض من غير جنس البشر يصل بالإنسان إلى تحقيق اليقين.
وفي ذلك يقول تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجائية: 4] .
وفي خلقكم أي: من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل خلق الإنسان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر: 11] .
وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67] .
وقوله: {وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ} أي: وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق على اختلاف ذلك في الخلق والصور آياتٌ تدل على وحدانيته 66.
ووجه دلالتها على وجود الإله القادر المختار أن الأجسام متساوية، فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته المعينة وشكله المعين لا بد وأن يكون بتخصيص القادر المختار، ويدخل في هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال 67.
وإذا وسعنا الدائرة ونظرنا في قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] .
لوجدنا أن التدبير والتفصيل متجدد متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات. وهذا التدبير المحكم والتفصيل لكل الآيات يصل بالإنسان من خلال التفكير إلى اليقين والإيمان الحقيقي.
وتدبير الأمر: تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها. والآيات: جمع آية. والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته سبحانه.
أي: إنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في أمر خلقه على أكمل الوجوه من تدبيره لأمور خلقه ومن تفصيله للآيات لعلكم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق توقنون بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم لكي يحاسبكم على أعمالكم 68.
فالنظر في تفصيله الآيات وتدبيره للأمور يوصل إلى اليقين، فقوله: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء 69.
يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته لكي توقنوا وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت؛ لأن من قدر على إيجاد الإنسان بعد عدمه قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات العلم، وهو فوق المعرفة والدراية، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك 70.
جملة القول: إن القرآن ينبه ويوقظ العقل إلى التفكر والتدبر لكي يصل إلى اليقين والحقيقة عن اقتناع كامل، ولا أن يكون مجرد مقلد يتبع ما يقال له دون أن يصل إلى اليقين، وأن يلغي العقل والفكر ليكون حبيس التقليد والجمود كما فعل مشركو قريش أو قوم سيدنا إبراهيم وكل من على شاكلتهم. غير أن إعمال العقل والتفكير يكون بأصول الشرع وقواعده، وإلا يصل بالإنسان إلى الإلحاد كما راح إلى ذلك الفلاسفة الماديون.
ثالثًا: تدبر القرآن:
ويشير القرآن إلى ذلك من خلال سورة المدثر فيقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} [المدثر: 31] .
ففي هذه الآية الكريمة رد على المشركين الذين سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها 71.
قال الإمام ابن كثير: «يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ} أي: خزانها {إِلَّا مَلَائِكَةً} أي: غلاظا شدادا. وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة فقال أبو جهل: يا معشر قريش، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} أي: شديدو الخلق لا يقاومون ولا يغالبون.
وقد قيل: إن أبا الأشد -واسمه: كلدة بن أسيد بن خلف- قال: يا معشر قريش، اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر. إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة- فيما يزعمون- أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة؛ لينتزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه» 72.