فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 2431

أو رجاءً لتفصيل غير مستحق، وما ذكره الله عز وجل ها هنا هو الرجاء المستحق الذي وصف به المؤمنين في غير موضع، نحو قوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .

إن قيل: لم ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وهي لهم لا محالة؟

قيل: المؤمن وإن بذل الجهد في طاعته فواجب أن يكون بين نظرين: نظر إلى سعة رحمة الله عز وجل، ونظر إلى ما عسى أن يقع، أو وقع منه من ذنب فينتج له خوفًا 46.

ونظير الآية السابقة: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) } [الإسراء: 57] 47.

فـ {أُولَئِكَ} مبتدأ، {الَّذِينَ يَدْعُونَ} صفة، أي: يدعونهم آلهة، أو يعبدونهم، والخبر {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} ، يعني: أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة، وهي القربة إلى الله عز وجل، {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة 48.

وقال الطبري: «قوله: {وَيَرْجُونَ} ، أي: بأفعالهم تلك» 49.

والمقصود: أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يرجون رحمة الله تعالى على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم.

فأثبت لهم الرجاء إشعارًا بأن العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة بالخواتيم 50.

قال القاسمي: «وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأنّ العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضّل منه سبحانه، لا لأنّ في فوزهم اشتباهًا» 51.

فوضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله موضع الرجاء من رحمة الله، ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق؛ وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء على عمل دائم، وجهاد متصل، وهذا على خلاف ما إذا سوّى حسابهم بعد الهجرة، وبعد كل موقف من مواقف الجهاد، فقد يقعد بهم هذا عن أن يضيفوا جديدًا، أو يخفّوا للجهاد مرةً بعد مرة.

ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين آمنوا -مجرد إيمان- ولم يهاجروا ولم يجاهدوا- يريهم شناعة موقفهم، ومغبّة تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين والمجاهدين، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم وبين مواقع رحمة الله ورضوانه؛ إذ يرون المهاجرين المجاهدين، ولمّا يلمسوا بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان، وأنهم ما زالوا على رجاء! فكيف بالذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا؟ إن المدى بعيد بينهم وبين أن يصلوا إلى جانب الأمن والسّلامة، وإن عليهم أن يحثّوا المطي إلى ميدان الهجرة والجهاد، ليلحقوا بركب المهاجرين المجاهدين، وليكونوا بمعرض من رحمة الله ورضوانه! 52.

ورجاء المؤمن في رحمة الله لا يخيبه الله أبدًا، ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق، فجاهدوا وصبروا، حتى حقق الله لهم وعده بالنصر، أو الشهادة، وكلاهما خير، وكلاهما رحمة، وفازوا بمغفرة الله ورحمته 53.

رابعًا: رجاء ثواب الله:

ومن أنواع الرجاء المذكورة في القرآن رجاء ثواب الله تعالى.

قال الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104] .

فقوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} ، قال مقاتل: يعني: من الثواب والأجر 54.

وقال البغوي: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} ، أي: وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة، والنصر في الدنيا ما لا يرجون.

وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف؛ لأن كل راج خائف أن لا يدركه مأموله، ومعنى الآية: وترجون من الله، أي: تخافون من الله، أي: تخافون من عذاب الله ما لا يخافون، قال الفراء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجدّ، كقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} [الجاثية: 14] ، أي: لا يخافون، وقال الله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] .

أي: لا تخافون لله عظمةً، ولا يجوز رجوتك بمعنى: خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك 55.

قال في البحر: « {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} ، هذه تسلية منه تعالى للمؤمنين، والتأسي فيه أعظم مسلاة» 56.

ولفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، ويجوز أيضًا استعماله في الشر؛ لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي: رجع إليه، قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} [البقرة: 125] .

وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواءً كان خيرًا أو شرًا، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير، فإن حملنا لفظ الثواب ها هنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردًا على سبيل التهكم، كما يقال: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي: جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب، قال الله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] 57.

وفى جعل رجاء المؤمنين من الله في قوله تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ} إشعار للمؤمنين بأنهم في جانب الله تعالى، وأن رجاءهم عنده، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه، ويؤيده بنصره: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] .

وليس للمشركين من يرجون إلا أن يكون أصنامًا لا تضر ولا تنفع!

وإذا كان الرجاء من الله فهو رجاء من العليم بكل شيء، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، وينصر من ينصره بحكمته؛ ولذا قال سبحانه: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، أي: ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من أسماء الله تعالى الحسنى 58.

وفي الآية رد على من يقول: لا يصح أن يعبد الله رجاء الثواب، فإن هذه عبادة التجار، وإنما يعبد الله لذاته حبًا فيه.

قال القاسمي: «وتدل على أن للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب؛ لقوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} ، فجعل هذا سببًا باعثًا على الجهاد، هذا معنى كلام الحاكم، ونظير هذا: لو صلى لطلب الثواب أو السلامة من العقاب، وقد ذكر في ذلك خلاف، فعن الراضي بالله: يجزي ذلك، وقواه الفقيه يحيى بن أحمد، وعن أبي مضر: لا يجزي؛ لأنه لم ينو الوجه الذي شرع الواجب له» 59.

ونظير الآيتين السابقتين قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) } [فاطر: 29] .

قال السمعاني: «قوله تعالى: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} ، أي: لن تهلك، ولن تفسد، والمراد من التجارة: ما وعده الله من الثواب» 60.

وقال يحيى بن سلام في تفسيره: «قوله: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} ، أي: لن تفسد، وهي تجارة الجنة، يعملون للجنة، ولهذا قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} ، ثوابهم في الجنة، {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 30] ، أي: يضاعف لهم الثواب، قال الحسن: تضاعف لهم الحسنات، يثابون عليها في الجنة» 61.

فهؤلاء الذين يكثرون من قراءة القرآن الكريم، ويؤدون ما أوجبه الله تعالى عليهم، يرجون من الله تعالى الثواب الجزيل، والربح الدائم؛ لأنهم جمعوا في طاعتهم له تعالى بين الإكثار من ذكره، وبين العبادات البدنية والمالية.

قال الرازي: «وقوله تعالى: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} إشارة إلى الإخلاص، أي: ينفقون لا ليقال: إنه كريم، ولا لشيء من الأشياء، غير وجه الله، فإن غير الله بائر، والتاجر فيه تجارته بائرة 62.

ثم قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } ذكر ما يوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزًا ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفورًا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ» 63.

والمقصود: أن المؤمنين يرجون بأعمالهم وعباداتهم ثواب الله، وأجره في الآخرة.

خامسًا: رجاء نصر الله وتأييده:

ومما يدل على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104] .

فالرجاء هنا كما يحمل على رجاء الثواب والأجر، يحمل أيضًا على رجاء النصر والظفر من العدو، قال الخازن: «يعني وتأملون من الله من الثواب في الآخرة ما لا يرجون، وقيل: ترجون النصر والظفر في الدنيا، وإظهار دينكم على الأديان كلها» 64.

وقال المراغي: « {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة» 65.

سادسًا: رجاء أيام الله:

ومن أنواع الرجاء المذكورة في القرآن رجاء أيام الله.

قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) } [الجاثية: 14] .

قال مقاتل بن سليمان: « {لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} ، يعني: لا يخشون عقوبات الله، مثل عذاب الأمم الخالية» 66.

وقال السعدي: «الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابًا جزيلًا، وهم إن استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد والخزي» 67.

والذين لا يرجون أيام الله يراد بهم المشركون من أهل مكة، والرجاء: ترقب وتطلب الأمر المحبوب، وهذا أشهر إطلاقاته، وهو الظاهر في هذه الآية.

والأيام: جمع يوم، وهذا الجمع أو مفرده إذا أضيف إلى اسم أحد أو قوم أو قبيلة كان المراد به اليوم الذي حصل فيه لمن أضيف هو إليه نصر وغلب على معاند أو مقاتل، ومنه أطلق على أيام القتال المشهورة بين قبائل العرب: أيام العرب، أي: التي كان فيها قتال بين قبائل منهم، فانتصر بعضهم على بعض، كما يقال: أيام عبس، وأيام داحس والغبراء، وأيام البسوس، فإذا قالوا: أيام بني فلان، أرادوا الأيام التي انتصر فيها من أضيفت الأيام إلى اسمه، ويقولون: أيام بني فلان على بني فلان، فيريدون أن المجرور بحرف الاستعلاء مغلوب لتضمن لفظ أيام أو (يوم) معنى الانتصار والغلب، وبذلك التضمن كان المجرور متعلقًا بلفظ أيام أو (يوم) ، وإن كان جامدًا فمعنى أيام الله على هذا هو من قبيل قولهم: أيام بني فلان، فيحصل من محمل الرجاء على ظاهر استعماله.

ومحمل أيام الله على محمل أمثاله أن معنى الآية للذين لا تترقب نفوسهم أيام نصر الله، أي: نصر الله لهم: إما لأنهم لا يتوكلون على الله، ولا يستنصرونه، بل توجههم إلى الأصنام، وإما لأنهم لا يخطر ببالهم إلا أنهم منصورون بحولهم وقوتهم فلا يخطر ببالهم سؤال نصر الله، أو رجاؤه، وهم معروفون بهذه الصلة بين المسلمين، فلذلك أجريت عليهم هنا وعرفوا بها، وأوثر تعريفهم بهذه الصلة ليكون في ذلك تعريض بأن الله ينصر الذين يرجون أيام نصره وهم المؤمنون، والغرض من هذا التعريض: الإيماء بالموصول إلى وجه أمر المؤمنين أن يغفروا للمشركين، ويصفحوا عن أذى المشركين، ولا يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر.

وقد يطلق أيام الله في القرآن على الأيام التي حصل فيها فضله ونعمته على قوم، وهو أحد تفسيرين؛ لقوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5] .

ومعنى لا يرجون أيام الله على هذا التأويل: أنهم في شغل عن ترقب نعم الله بما هم فيه من إسناد فعل الخير إلى أصنامهم بانكبابهم على عبادة الأصنام دون عبادة الله، ويأتي في هذا الوجه من التعريض والتحريض مثل ما ذكر في الوجه الأول؛ لأن المؤمنين هم الذين يرجون نعمة الله، وفسر به قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21] .

وقوله: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] .

فيكون المراد بـ {بِأَيَّامِ اللَّهِ} أيام جزائه في الآخرة؛ لأنها أيام ظهور حكمه وعزته، فهي تقارب الأيام بالمعنى الأول، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} [النبأ: 39] ، أي: ذلك يوم النصر الذي يحق أن يطلق عليه (يوم) ، فيكون معنى هذه الآية: أنهم لا يخافون تمكن الله من عقابهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث.

ومعنى الآية 68: أن المؤمنين أمروا بالعفو عن أذى المشركين، وقد تكرر ذلك في القرآن قال الله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد في هذه الآية: وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى 69.

أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لا يرجون الله، ولا يرجون اليوم الآخر، ولا يرجون ثوابًا ولا حسابًا، قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } [النبأ: 27] .

وهذا شأنهم في الحياة الدنيا؛ ولهذا لم يعملوا ليوم القيامة، ولم يوقروا الله، وأهملوا العمل للآخرة.

قال ابن الجوزي: « {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } ، فيه قولان:

أحدهما: لا يخافون أن يحاسبوا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور.

والثاني: لا يرجون ثواب حساب؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج» 70.

واختار السمعاني الأول حيث قال: «قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } ، أي: لا يخافون، وقد بينا الرجاء بمعنى الخوف فيما سبق» 71.

وقال مقاتل: «يعني: أنهم كانوا لا يخافون من العذاب أن يحاسبوا بأعمالهم الخبيثة إذا عملوها» 72.

وقال ابن زيد في قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } ، قال: «لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب، وكيف يرجو الحساب من لا يوقن أنه يحيا، ولا يوقن بالبعث» 73.

فإن قيل: الحساب شيء شاق على الإنسان، والشيء الشاق لا يقال فيه: إنه يرجى، بل يجب أن يقال: إنهم كانوا لا يخشون حسابًا.

والجواب: من وجوه:

أحدها: قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله: {لَا يَرْجُونَ} ، معناه: لا يخافون، ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] .

وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله؛ لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر، فقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } ، إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين.

وثالثها: أن الرجاء ها هنا بمعنى التوقع؛ لأن الراجي للشيء متوقع له، إلا أن أشرف أقسام التوقع هو الرجاء، فسمي الجنس باسم أشرف أنواعه.

ورابعها: أن في هذه الآية تنبيهًا على أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف؛ وذلك لأن للعبد حقًا على الله تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب، ولله تعالى حق على العبد في جانب العقاب، والكريم قد يسقط حق نفسه، ولا يسقط ما كان حقًّا لغيره عليه، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في الحساب؛ فلهذا السبب ذكر الرجاء، ولم يذكر الخوف 74.

والمقصود: أن الله تعالى أخبر عن الكفار في عدة آيات أنهم لا يرجون لقاءه، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) } [يونس: 7] .

قال السعدي: «أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدلًا عن الآخرة» 75.

وقال الله في آية أخرى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21] ، فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء؛ ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ذلك.

وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد، ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة 76.

ونظير الآيتين السابقتين قوله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) } [يونس: 11] .

وقوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] .

قال الرازي: «إنّ وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر، منكرين للبعث والقيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه:

الأول: قال الأصم: لا يرجون لقاءنا، أي: لا يرجون في لقائنا خيرًا على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها.

الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع؛ لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه؛ لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، وهو القصد بالتكليف لا يخاف أيضًا ما يوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور.

واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمنًا بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجيًا ثواب الله، وخائفًا من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث، فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة» 77.

والمقصود: أن الكفار لا يرجون لقاء الله تعالى، ولا الدار الآخرة؛ ولهذا ركنوا إلى الدنيا، وأهملوا الآخرة؛ ولهذا أخبر عنهم الله أنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها.

ومعنى: رضوا بالحياة الدنيا أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى، لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة، وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياة ناقصة، فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها، فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها، وناهيك بإخبار الصادق بها، ونصب الأدلة على تعين حصولها، فلهذا جعل الرضا بالحياة الدنيا مذمةً، وملقيًا في مهواة الخسران.

وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضا بها يكون مقدار التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة، وليس ذلك بمقتضى الإعراض عن الحياة الدنيا، فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها، وشكره عليها، والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى، والتزود لها، وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية 78.

تتنوع أساليب القرآن الكريم في الحث على الشيء المرغوب فيه، فتارةً بالأمر الصريح به، وتارةً بالنهي عن ضده، وتارةً بذكر ثوابه، ونجد هذا التنوع في الأسلوب في الحث على الرجاء، حيث جاء في القرآن على النحو الآتي:

أولًا: الأمر به:

من وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء الأمر به؛ إذ لا يأمر الله تعالى إلا بالأمر المحبوب إليه، المطلوب من العباد فعله؛ لحسنه عقلًا وشرعًا، وقد جاء الأمر بالرجاء في قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) } [العنكبوت: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت