فهرس الكتاب

الصفحة 1009 من 2431

وثالث المواطن التي يتأكد فيها الخشوع: الخشوع في يوم القيامة، وحقيقة يحوز هذا الموطن أكبر قدر من آيات الخشوع.

فقد ورد هذا في آيات عدة، منها ما يتحدث عن خشوع الأصوات بوجه عام يوم القيامة، ومنها ما يتحدث عن خشوع الكفار بسبب ذل العذاب الذي يلحقهم يوم القيامة، وكذلك ما يتحدث عن خشوع أبصار الكفار حين خروجهم من القبور خشيةً ورعبًا مما سيلاقونه، أو خشوع تلك الأبصار جراء مذلتهم وعذابهم، وآخر هذه الآيات الآية التي تتحدث عن خشوع الوجوه بسبب فزعها يوم القيامة، ولا عجب أن يطلق على هذا كله خشوع الكفار، وبدهي أن هذا اللون سيكون فقط في يوم القيامة.

فالآية الأولى التي تتحدث عن خشوع الأصوات وردت في سورة طه وتحديدًا في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) } [طه:108] .

أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم 65.

{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} أي: خضعت لهيبته، وقيل: ذلت، وقيل: سكتت.

{فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} الهمس: الصّوت الخفيّ. قال أكثر المفسّرين: هو صوت نقل الأقدام إلى المحشر 66.

والآية الثانية تتحدث عن خشوع الكفار بسبب ذل العذاب الذي يلحقهم يوم القيامة تقول: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:44 - 45] .

يبرز الشوكاني الخشوع في هذا الموطن فيقول: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ} أي: المشركين المكذّبين بالبعث {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أي: حين نظروا النّار، وقيل: نظروا ما أعدّه اللّه لهم عند الموت {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} أي: هل إلى الرّجعة إلى الدّنيا من طريقٍ {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} أي: ساكنين متواضعين عند أن يعرضوا على النّار لما لحقهم من الذّلّ والهوان 67.

والمراد بالخشوع في هذه الآية: ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة، و {مِنَ} للتعليل، أي: خاشعين خشوعًا ناشئًا عن الذل، أي: ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية؛ لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا 68.

والآية الثالثة تتحدث عن خشوع أبصار الكفار حين خروجهم من القبور خشية ورعبًا مما سيلاقونه، وهي قوله تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) } [القمر:7] .

وقد ذكر ابن عاشور حينما فسر هذه الآية أنه قد عدّ سبعة من مظاهر الأهوال التي تؤثر فيهم، وتكون سببًا في ذلهم يوم القيامة، وعد منها خشوع أبصارهم فقال: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} أي: ذليلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداقهم في وجوه الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح، وهو كناية لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما 69.

والآية الرابعة تتحدث أيضًا عن خشوع أبصار الكفار من أثر ذل العذاب يوم القيامة قوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) } [القلم:43] .

{تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة 70.

والآية الخامسة في هذا المضمار كذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) } [المعارج:43 - 44] .

يؤكد ابن كثير ما ذكره في آية القلم هنا في آية المعارج فيقول: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي: خاضعة {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة {ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} 71.

والآية السادسة قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) } [النازعات:8 - 9] .

والآية السابعة قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) } [الغاشية:1 - 4] .

فـ {خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} أخبار ثلاثة عن {وُجُوهٌ} ، والمعنى: أناس خاشعون الخ، فالوجوه كناية عن أصحابها، إذ يكنى بالوجه عن الذات ... وأوثرت الوجوه بالكناية عن أصحابها؛ لأن حالة الوجوه تنبئ عن حالة أصحابها، إذ الوجه عنوان عما يجده صاحبه من نعيم أو شقوة 72.

وتتلخص مواطن الخشوع كما وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، أولها: الخشوع في الصلاة الذي هو لبها، وله من الأهمية ما ذكرنا، ويحصله من اشتغل بالصلاة عما عداها، وآثرها على غيرها في الأداء وفي الاهتمام، وثانيها: الخشوع عند ذكر الله عز وجل الذي يجعل للذكر روحًا تسري وتبعث اليقين في الذاكر، وتحثه على إتقان العبادة والعمل، وتزيده ثقة في ربه عز وجل، وثالثها: الخشوع عند أهوال يوم القيامة، ومنه خشوع الأصوات الذي يعم كل الخلائق، ويظهر في سكونها وسكوتها، ومنه خشوع الوجوه والأبصار، الذي يظهر في ملامحها وانكسارها، وهو اللون الذي يخص الكفار، وكأن الله عز وجل في كتابه الكريم يحثنا بشدة على الخشوع في الصلاة، وعند ذكره سبحانه وتعالى، لأنه بذلك يحذرنا من خشوع المذلة في الآخرة، فمن يهتم بالخشوع في الصلاة وعند الذكر يجنب خشوع الذل في الآخرة.

إذا كان من معاني الخشوع في الاصطلاح: خشية في القلب من الله تعالى تظهر آثارها على الجوارح، فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها بين يدي الله سبحانه 73.

فالخشوع مركزه القلب، أو منشؤه القلب، أما ظهور آثاره فيكون على الجوارح، فالجوارح هي التي يظهر عليها ترجمة ما في القلب، والقرآن الكريم تحدث في غير آية عن خشوع تلك الجوارح، أو الأثر الظاهري للخشوع على الجوارح، فمن الآيات ما تحدث عن خشوع القلوب، ومنها ما تحدث عن خشوع الوجوه، ومنها ما تحدث عن خشوع الأبصار، ومنها ما تحدث عن خشوع الأصوات، ونستوضح ذلك بشيء من التفصيل في النقاط الآتية:

أولًا: خشوع القلوب:

الخشوع من أهم العبادات وأصعبها؛ لأنه يحتاج لتركيز كبير، وكلمة «الخشوع» تدل على أقصى درجات التأمل مع التفكير العميق، والقلوب هي مراكز الخشوع، وهي منشؤه والسبب في حدوثه، والقلوب وإن كانت غير ظاهرة وبالتالي غير ظاهر عليها شيء، لكنها هي مركز التحكم في جميع الجوارح، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الآيات والأحاديث الصحيحة التي تؤكد ذلك، والتي منها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي سورة الأنبياء قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:89 - 90] .

{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قال الثوري: رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا.

ثمّ وصفهم اللّه سبحانه بأنّهم كانوا يدعونه رغبًا ورهبًا، أي: يتضرّعون إليه في حال الرّخاء وحال الشّدّة، وقيل: الرّغبة: رفع بطون الأكفّ إلى السّماء، والرّهبة رفع ظهورها.74 ومما لا شك فيه أن الرغبة والرهبة تكونان في القلب.

{وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا 75.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [المؤمنون:1 - 2] .

وابن كثير يورد في آية سورة المؤمنون أن خشوع المؤمنين في صلاتهم مكمنه خشوع قلوبهم، وينقل من كلام المفسرين من التابعين ما يدل على ذلك فيقول: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح 76.

ووفي خشوع القلوب يبين الله عز وجل ما يجب أن يكون عليه القلب من خشوع في سورة الحديد في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) } [الحديد:16] .

قال ابن كثير: يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه 77.

والخشوع محله القلب وتظهر آثاره على الجوارح، كما قال ابن القيم: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره 78.

وقال ابن رجب: وأصل الخشوع هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب) 79.

فإذا خشع القلب خشع السمع، والبصر، والرأس، والوجه، وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه في الصلاة: (اللّهمّ لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظمي، وعصبي) 80.

إذن فليس الخشوع بتنكيس الرأس أو الرقبة، لأنه حينما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا مطأطئًا رقبته في الصلاة قال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب 81.

وقال سفيان الثّوريّ: سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوريّ أنت تريد أن تكون إمامًا للناس ولا تعرف الخشوع؟ ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرّأس، لكنّ الخشوع أن ترى الشّريف والدّنيء في الحقّ سواءً، وتخشع للّه في كلّ فرضٍ افترض عليك 82.

ومما يؤكد ذلك أن سعيد بن المسيب رضي الله عنه رأى رجلًا يعبث في صلاته بلحية، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» 83.

وهذا حذيفة رضي الله عنه يحذر من خشوع النفاق: إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع 84.

فمحل الخشوع القلب الذي هو محل نظر المولى جل وعلا وما الجوارح إلا تبع له فيهتم به، ومن هذا نعلم أن الخشوع من أهم أعمال القلوب، كالخوف والرهبة، ومن العلماء من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث 85.

والصواب أنه من أعمال القلوب، وما يظهر على الجوارح من السكون وترك العبث إنما هو من آثاره.

لذلك يقول ابن رجب رحمه الله: فأصل الخشوع: هو خشوع القلب، وهو انكساره لله، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير من هو بين يديه، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعًا لخشوعه 86.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: (خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظامي) 87.

ومما يدل على أنه من عمل القلوب ما ورد من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه: «الخشوع في القلب، وأن تلين كتفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك» 88.

أثر الخشوع في القلب:

أظهرت دراسة جديدة نشرتها مجلة جمعية القلب الأمريكية أن التأمل لفترات طويلة ومنتظمة يقي القلب من الاحتشاء أو الاضطراب. ويعمل التأمل على علاج ضغط الدم العالي وبالتالي تخفيف الإجهاد عن القلب. كما أظهرت هذه الدراسة أن للقلب عملًا مهمًّا وليس مجرد مضخة، وتؤكد الدراسات أهمية التأمل والخشوع في استقرار عمل القلب، ويقول الأطباء اليوم إن أمراض القلب هي السبب الأول للموت في العالم، وسبب هذه الأمراض هو وجود اضطراب في نظام عمل القلب، ومن هنا ندرك أهمية الخشوع في استقرار وتنظيم أداء القلب.

إن الدراسات تثبت اليوم أن التأمل يعالج الاكتئاب والقلق والإحباط، وهي أمراض العصر التي تنتشر بكثافة اليوم. ليس هذا فحسب، بل وجدوا أن التأمل المنتظم يعطي للإنسان ثقة أكثر بالنفس ويجعله أكثر صبرًا وتحملًا لمشاكل وهموم الحياة 89.

ألوان أخرى للخشوع:

الخشوع الذي نحن بصدد الحديث عنه هو الخشوع القلبي والبدني، وربما كان هناك ألوانٌ أخرى من الخشوع، منها: الخشوع العقلي الجانب المعرفي.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] .

والعلماء هم الّذين علموه بصفاته وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، فعظّموه وقدّروه حقّ قدره، وخشوه حقّ خشيته، ومن ازداد به علمًا ازداد منه خوفًا، ومن كان علمه به أقلّ كان آمن 90.

وربما دخل في الخشوع العقلي أيضًا خشوع سحرة فرعون، الذين دخلوا في الإسلام في لحظات معدودات من اقتناع عقلهم بما رأوه من معجزة على يد نبي الله موسى عليه السلام، ومن هذا القبيل خشوع من يدخلون في الإسلام في العصر الحديث بسبب ما يشاهدونه من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

والخشوع النفسي، وهو إذعان النفس لقبول الحق، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء:65] .

قال أبو حيان: وفيما شجر بينهم عامٌّ في كلّ أمرٍ وقع بينهم فيه نزاعٌ وتجاذبٌ. ومعنى {يُحَكِّمُوكَ} : يجعلوك حكمًا، وفي الكلام حذفٌ، التّقدير: فتقضي بينهم. {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: ضيقًا من حكمك.

والمعنى: لا يخطر ببالهم ما يأثمون به من عدم الرّضا، وقيل: همًّا وحزنًا، {وَيُسَلِّمُوا} أي: ينقادوا ويذعنوا لقضائك، لا يعارضون فيه بشيءٍ، قاله: ابن عبّاسٍ والجمهور. وقيل: معناه: ويسلّموا ما تنازعوا فيه لحكمك 91.

وأخيرًا كيف يأطر المسلم قلبه على الخشوع؟

المسلم الذي يريد أن يسير في ركاب الخاشعين عليه أن يكبح جماح نفسه وشهوات قلبه، ويكثر من الذكر والخلوة والتواضع لله، والتفكر في عظمته ومخلوقاته، ويتفكر في نفسه وضعفها واحتياجها إلى خالقها ومدبر أمرها، ويكثر من التفكر في حكم مجريات الأحداث، والتفكر في الأذكار التي يذكر ربه بها في الصباح وفي المساء، وعند الخروج من الدار، وعند الركوب وعند الطعام والشراب والنوم ... إلخ، كذلك يتلو آيات القرآن بتدبر وتفكر، واستشعار عظمة قائله، ويروض نفسه على ذلك كله شيئًا فشيئًا.

ثانيًا: خشوع الوجوه:

يأتي في المرتبة التالية من خشوع القلوب خشوع الوجوه، فالوجه أشرف الأعضاء الظاهرة للإنسان، ولذلك جعل السجود من أشرف العبادات لله عز وجل وفي سورة الإسراء يمتدح الله سبحانه الصالحين من أهل الكتاب؛ لأنهم يخرون سجدًا لربهم، تعظيمًا له سبحانه، واعترافًا بنعمه عليهم، ويبكون من شدة تأثر القلب، بل ويزدادون خشوعًا بالقرآن والسجود والبكاء.

يقول الله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:107 - 109] .

قال ابن كثير: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} هذا القرآن {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} جمع ذقن وهو أسفل الوجه {سُجَّدًا} أي: لله عز وجل شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون {سُبْحَانَ رَبِّنَا} أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالوا {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} .

وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} أي: خضوعًا لله عز وجل، وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} أي: إيمانًا وتسليمًا 92.

وفرق بين خشوع هذه الوجوه وخشوع وجوه الكفار والمنافقين في الآخرة، فخشوع صالحي أهل الكتاب كان باختيارهم، ناشئًا عن تعظيمهم لربهم في الدنيا، ولذلك استحقوا أن يمدحهم الله تبارك وتعالى بسببه، أما خشوع المنافقين والكفار فسيكونون مجبرين عليه في الآخرة، وهو بسبب امتناعهم عن تعظيمهم لربهم في الدنيا، ولذلك ذمهم الله عز وجل به.

قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) } [الغاشية:1 - 4] .

قال ابن كثير: وقوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} أي: ذليلة، قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها 93.

ثالثًا: خشوع الأبصار:

إذا كان أساس الخشوع في القلب، ثم تتبعه في ذلك جوارح الإنسان فإن الأبصار من الجوارح التي تتأثر تأثرًا مباشرًا بما في القلوب، وقد ورد خشوع الأبصار في القرآن في أكثر من آية، من هذه الآيات آية واحدة فقط، تتحدث عن خشوع المؤمنين في صلاتهم بوجه عام في الدنيا، أما بقية الآيات التي تتحدث عن خشوع الأبصار فحديثها عن خشوع أبصار الكفار في الآخرة، فالأولى آية سورة المؤمنون، وهي وإن كان ظاهرها مدح للخاشعين في صلاتهم بوجه عام إلا أن أبرز ما يظهر في خشوع المصلي خشوع بصره.

قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [المؤمنون:1 - 2] .

يورد ابن كثير حينما يفسر هذه الآية قول محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم، إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الاية خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض 94.

والمعنى: قد فاز وظفر بالمطلوب، أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، بحيث لا يشغلهم شيء وهم في الصلاة عن مناجاة ربهم.

ومن مظاهر الخشوع: أن ينظر المصلى وهو قائم إلى موضع سجوده، وأن يتحلى بالسكون والطمأنينة، وأن يترك كل ما يخل بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشيء من جسده 95.

وشتان بين خشوع يمتدح أهله وخشوع يذم أهله، فالأول خشوع المؤمنين في صلاتهم، وهو من الأفعال التي تجلب لهم الفلاح، والثاني خشوع الكفار عند خروجهم من قبورهم، وهذا دليل مذلة لهم، وآيته التي تتحدث عن خشوع أبصار الكفار حين خروجهم من القبور خشيةً ورعبًا مما سيلاقونه، وهي قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) } [القمر:6 - 8] .

والآية الثالثة من الآيات التي تتحدث عن خشوع الأبصار قوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) } [القلم:43] .

{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت