فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 2431

والمحو عند أهل اللغة يعني ذهاب الشيء وأثره 95، ويقال: محت الريح السحاب بمعنى: ذهبت به 96، ومحى الطالب السبورة، أي: لم يترك عليها أثرًا للكتابة.

وأما أهل العلم الشرعي، فلم يذهبوا في معناه أبعد مما ذهب إليه أهل اللغة، فهذا الإمام أبو جعفر الطبري يقول: « (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) يقول: ويذهب الله بالباطل فيمحقه» 97.

وكذا النحاس حيث قال: «معناه أن الله جل وعز يزيل الباطل ولا يثبته» 98.

أما السمرقندي فيرى أنه «يعني: يهلك الله تعالى الشرك» 99.

ومن مجموع ما ذكروه يتبين لنا أن المحو هو إزالة الباطل وإهلاكه حتى لا يبقى له أثر.

وبالاستدلال من كلام الله تعالى نجد أنه سبحانه استخدم المحو في إزالة الشيء وعدم بقاء شيء منه، كما في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ? فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ? وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء: 12] .

وكذا في قوله سبحانه: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ? وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: 39] .

وكذلك ورد في كلام أفصح العرب صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لي خمسة أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب) 100.

وهكذا كان حقًا صلى الله عليه وسلم.

وأما السياق الذي ورد فيه المحو للباطل في الآية السابقة، فهو في معرض الإقناع للمشركين بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لن يفتري على الله تعالى شيئًا، وإلا لعذبه الله على مرأى من الجميع.

قال الطبري: «يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبًا، لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي، لأني أمحو الباطل فأذهبه، وأحق الحق، وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به، الزاعمين أن محمدًا افترى هذا القرآن من قبل نفسه، فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية» 101.

وفي إثبات ما سبق ذكره يقول النحاس: «ففيه احتجاج عليهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن معناه أن الله جل وعز يزيل الباطل ولا يثبته، فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم باطلًا لمحاه الله جل وعز وأنزل كتابًا على غيره.

وهكذا جرت العادة في جميع المفترين أن الله سبحانه يمحو باطلهم بالحق والبراهين والحجج ويحق الحق بكلماته أي يبين الحق» 102.

إذن فهو تعالى يبرهن للكفار على صدق الرسول والرسالة بمحو باطلهم، ولا أدل على ذلك من الواقع الذي خبروه من أسلافهم، في عاد وثمود وقرى لوط وغيرها الكثير.

وأما النتيجة الثانية التي يتعرض لها الباطل كما وعد الله تعالى، فهو الزهوق، حيث قال عز من قائل: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ? إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81] .

والزهوق له عند أهل اللغة أكثر من معنى، أهمها: الذهاب والهلاك والاضمحلال، يقال: «زهقت نفسه، وهي تزهق زهوقًا، أي: ذهبت، وكل شيء هلك وبطل فقد زهق» 103.

وذهب ابن فارس إلى أن له أصلًا واحدًا يدل على: «تقدمٍ ومضيٍ وتجاوزٍ، من ذلك زهقت نفسه، ومن ذلك زهق الباطل، أي: مضى. ويقال: زهق الفرس أمام الخيل، وذلك إذا سبقها وتقدمها. ويقال: زهق السهم، إذا جاوز الهدف، ويقال: فرسٌ ذات أزاهيق، أي: ذات جريٍ وسبقٍ وتقدمٍ» 104.

والذي يظهر أنها ترجع إلى معنى الذهاب، فإذا تقدم الشيء فقد ذهب، وكذلك إذا مضى وتجاوز غيره، ثم إن الرابط مع أقوال غيره من أهل العلم، أن الهالك والمضمحل نهايتهما الذهاب.

ومن ثم فإننا نتحدث عن مصير آخر للباطل، ألا وهو اضمحلاله وإهلاكه حتى يذهب بلا عودة.

ولقد عاين المسلمون الأوائل زهوق الباطل -من عبادة للأوثان والهوى وتقليد للآباء وغيرها-، حين بزغ فجر الإسلام، وأخذ هذا النور بالاتساع أكثر فأكثر، والباطل يضمحل شيئًا فشيئًا، كما وعد الله تعالى.

وسيبلغ النور الذي يذهب الباطل مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنةٍ عامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنةٍ عامةٍ، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا) 105.

يقول الإمام النووي: «أما زوي فمعناه جمع، وهذا الحديث فيه معجزاتٌ ظاهرةٌ وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، قال العلماء: المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنزي كسرى وقيصر ملكى العراق الشام، فيه إشارةٌ إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليلٌ بالنسبة إلى المشرق والمغرب، وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى. قوله صلى الله عليه وسلم: (فيستبيح بيضتهم) أي: جماعتهم وأصلهم» 106.

وقد ورد عن قتادة في بيان معنى (وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) : «هلك الباطل وهو الشيطان» 107.

قال ابن كثير: «تهديدٌ ووعيد لكفار قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزهق باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ?) [الأنبياء: 18] » 108.

«ودل فعل كان على أن الزهوق شنشنة 109 الباطل، وشأنه في كل زمانٍ أنه يظهر ثم يضمحل» 110.

ثم نحن بعد هذا الظلم الذي تحياه الأمة، من تسلط أعدائها عليها، ترتفع أعناقنا أملًا في رؤية بزوغ فجر ذاك اليوم، الذي يزول فيه الباطل ويندحر بكل ملله.

توعد الله العزيز الكفر والباطل بالمحق، وهو جزء من الحرب التي تكفل الله تعالى فيها بنصرة الحق وأهله، قال سبحانه: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 141] .

والمحق عند أهل اللغة ذهاب البركة ونقص الشيء بما يؤدي إلى تلفه، قال الخليل بن أحمد: «محق: محقه الله فانمحق وامتحق: أي ذهب خيره وبركته ونقص» 111.

«وكل شيءٍ نقص وصف بهذا، والمحاق: آخر الشهر إذا تمحق الهلال، ومحقه الله: ذهب ببركته. وقال قومٌ: أمحقه، وهو رديءٌ» 112.

إذن هو وعد منه سبحانه بأن يمحق الباطل، فيذهب بركته، وينقص منه ومن أهله.

وفي التفريق بين المحق والإذهاب، يلفت العسكري الانتباه إلى أن المحق يكون لمجموع الأشياء وليس للفرد، ومن ذلك أنه لا يقال: محق الدينار إذا أذهبه، بل محق الدنانير.113

ومحق الباطل -بإذهاب بركته وإنقاصه- له صور كثيرة منها:

-تسليط أهل الحق على الباطل وأهله.

قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ? وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18] .

فلله أجناد لا يعلم عددها إلا هو سبحانه، ومنهم خلص المؤمنين، الذين اشترى الله منهم أنفسهم، فأرخصوها في سبيل رضوانه، يذبون عن الحق، لا يهدأ لهم بال حتى يروا الكفر والباطل يتقلص شيئًا فشيئًا، حتى تعلو راية الحق.

-ما يقذفه الله تعالى في نفوس أهل الباطل من الشعور الدائم بالضيق والهم، بالرغم من كونهم يرتكبون المعاصي، وينتهكون الأعراض، ويسلبون الأموال، غير أنهم لا يجدون لذتها الحقيقية، فهم يخالفون فطرة الرحمن، ويعادون أولياءه.

ومما توعد الله الباطل به (إبطاله) ، كما صرح ربنا سبحانه وتعالى في قوله: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] .

وقد ذكرنا في أن الباطل في اللغة هو خلاف الحق وضده، وأنه يعني: ذهاب الشيء وزواله، وقلة مكثه في الوجود والواقع.

وذكرنا أن الذي يربط تلك المعاني جميعها هو الزوال واللاقيمة؛ فالشيطان سرعان ما يزول شره، ويظهر وهنه.

يقول القرطبي: «أي: يستأصلهم بالهلاك. {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} أي يظهر دين الإسلام ويعزه. {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} أي الكفر. وإبطاله إعدامه، كما أن إحقاق الحق إظهاره» 114.

وبعد: فقد ظهر لنا من خلال ما سبق، أن الله تعالى تكفل بإعدام الباطل ومحقه وإذهابه وإبطاله ومحوه وعدم الإبقاء عليه، وهذا يجعل طمأنينة في صدر المؤمن لا نهاية لها، فمن الذي يقف في وجه الجبار سبحانه؟!.

ثانيًا: مصير المبطلين:

لا شك في أن مصير المبطلين تابع لمصير الباطل؛ فهم جنوده الأوفياء، ومن ذلك:

1.ارتياب المبطلين.

قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .

الريبة خلق ذميم، يتصف به الشاك وضعيف اليقين والثقة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن من أن يستحوذ عليه الريب، كما في الحديث الذي رواه الحسن بن علي رضي الله عنه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينةٌ، وإن الكذب ريبةٌ) 115.

وأما الريب فهو الشك والخوف، و «ما رابك من أمرٍ تخوفت عاقبته» 116، والاسم منه: (الريبة) ، وتعني التهمة والشك 117.

ويفرق العسكري بكلام لطيف بين الريب والشك، حيث يقول: «الشك: هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء، وأما الريب فهو شك مع تهمة.

ودل عليه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] .

وقوله تعالى:

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] .

فإن المشركين - مع شكهم في القرآن -

كانوا يتهمون النبي بأنه هو الذي افتراه وأعانه عليه قوم آخرون! ويقرب منه (المرية) وهو بمعناه» 118.

فأهل الباطل في ريبة دائمة، وخوف ينكد عليهم عيشهم، فكيف يستلذون بالعيش، والخوف من قرب مصيرهم المحتوم يؤرقهم ليلًا ونهارًا؟.

2.إهلاك المبطلين.

من الأمور التي توعد الله تعالى فيها أهل الباطل الهلاك في الدنيا، قال تعالى: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173] .

ووجه الاستدلال في الآية الكريمة: أنه إذا كان اتباع المبطلين في أفعالهم يهلك غيرهم من الصالحين، فما بالنا بإهلاك المبطلين أنفسهم.

فإهلاك الله تعالى الكافرين المبطلين ومعهم الصالحين أمر طبيعي، إذا لم يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثر الخبث، وانتشرت الفواحش.

فعن زينب بنت جحش، رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحشٍ: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) 119.

ومن السنن الاجتماعية التي بينها الله في كتابه: إهلاك المبطلين، ولا أدل على ذلك من إهلاكه سبحانه للقرى الظالمة، كقوم عاد وثمود وغيرهم.

قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59] .

فتلك «القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا، فكفروا بالله وآياته، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} يعني ميقاتًا وأجلًا حين بلغوه جاءهم عذاب فأهلكناهم به، يقول: فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد الذين لا يؤمنون بك أبدًا موعدًا» 120.

ولهذا كان من بين ما حذر به الله تعالى المشركين من عاقبة الكفر، هو تذكيرهم بعاقبة تلك القرون التي لا زالت مساكنهم شاهدة على حجم العذاب الذي تعرضوا له وهوله.

قال سبحانه: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 128] .

وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص 58] .

موضحًا لهم أن أرضهم ومساكنهم لم تسكن من بعدهم، وأن البقاء لله تعالى فهو الوارث.

3.خسران المبطلين.

ذكرنا سابقًا أن الله تعالى توعد المبطلين بالهلاك في الدنيا، فصدقهم وأهلكهم أيما إهلاك، غير أن ذلك كان جزءًا من مصير مخيف ينتظرهم في الآخرة؛ فعذاب الآخرة أشد وأعظم من عذاب الدنيا، وكذلك فهو دائم لا ينقطع.

وهذا أمر تضطرب له القلوب التي فيها ولو ذرة من الحياة، ويشيب له الولدان، وبنظرة سريعة في وصف العذاب الذي أعده الله تعالى للمبطلين، سيتبين أنهم مغمورون عن هذه الحقائق والأهوال.

قال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [الرعد: 34] .

وقال أيضا: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127] .

وقال سبحانه: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26] .

وقال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 16] ؛ فهو أشق وأشد وأبقى وأكبر وأخزى، وكلها بالمقارنة بعذاب الدنيا، أيًا كان نوعه وحجمه وشدته.

فخسارة المبطلين يوم القيامة وفي الآخرة عمومًا شيء مجزوم به، لا راد له.

قال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78] .

وقال في أخرى تأكيدًا لما سلف: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27] .

«فإذا جاء أمر الله بالعذاب في الدنيا أو الآخرة قضي بالحق بإنجاء المحق وتعذيب المبطل، وخسر هنالك المبطلون المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها» 121.

وهكذا تنتهي فصول حياة طويلة نجح فيها أناس لم تغرهم الحياة الدنيا، وسقط فيها المبطلون، بما كانوا عن آيات الله يصدون ويستكبرون، فكانت نهايتهم خسرانًا مبينًا، لا رجعة فيها ولا ينفع معها الندم.

موضوعات ذات صلة:

الافتراء، الحق، الزور، الكذب

1 انظر: الصحاح الصحاح، للجوهري 4/ 1635، مختار الصحاح، الرازي ص 36.

2 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 258، بتصرف يسير.

3 الصحاح، الجوهري 4/ 1635.

4 انظر: التعريفات، علي الجرجاني ص 42، المفردات، الراغب ص 129، الكليات، الكفوي ص 244، القاموس الفقهي، سعيد أبو حبيب ص 39، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 1/ 219.

5 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي ص 69.

6 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص 123 - 124.

7 انظر: المفردات، الراغب ص 129، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 131 - 132، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 196 - 197.

8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 356، لسان العرب، ابن منظور 11/ 390، المصباح المنير، الفيومي 2/ 363.

9 الكليات، الكفوي ص 567.

10 المفردات، الراغب ص 501.

11 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 129، 130 بتصرف.

12 الفروق اللغوية، العسكري ص 236.

13 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 331.

14 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 255، أحكام القرآن، الجصاص 5/ 92، أحكام القرآن، ابن العربي 3/ 454.

15 انظر: العين، الفراهيدي 4/ 449، مختار الصحاح، الفيومي ص 283.

16 الكليات، الكفوي ص 778.

وانظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة 2/ 82.

17 انظر: العين، الفراهيدي 3/ 6، المصباح المنير، الفيومي 1/ 143.

18 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 15، 17 بتصرف.

19 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 89، وأما أبو البقاء الكفوي فقد رأى أن اللفظ انتقل من القول المطابق للواقع إلى «اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب» ، الكليات ص 363.

20 جامع البيان، الطبري 13/ 408.

21 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 7.

22 تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 4/ 234، واعتبر الماوردي أنه يحتمل معنى الهوى حيث قال: «فيه قولان: أحدهما: أن الباطل الشيطان، قاله مجاهد. الثاني: إبليس، قاله قتادة، وسمي بالباطل لأنه يدعو إلى الباطل. ويحتمل ثالثًا: أنه الهوى» ، النكت والعيون، الماوردي 5/ 292، والجامع بينها: أن إبليس الشيطان يستغل هوى الإنسان ورغباته لإغوائه؛ ولهذا يقال للهوى هوى؛ «لأنه يهوي بصاحبه في الباطل» إعراب القرآن، النحاس 1/ 278، فلا تعارض إذن.

23 أي: الفوز والغلبة.

انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 448.

24 جامع البيان، الطبري 9/ 224 - 225.

25 التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 56.

26 انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي 2/ 24.

27 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 215.

28 جامع البيان، الطبري 12/ 348.

29 انظر: معاني القرآن، الفراء 2/ 229، إعراب القرآن، النحاس 3/ 73، مفاتيح الغيب، الرازي 11/ 134، 135، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 441، فتح القدير، الشوكاني 3/ 462، وغيرهم.

30 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب كما بدأنا أول خلق نعيده، سورة الحج 6/ 97.

31 المصدر السابق.

32 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 1/ 542.

33 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2433.

34 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 11/ 138.

35 المصدر السابق 11/ 138.

36 تفسير الشعراوي 1/ 6066، بتصرف، وانظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2433.

37 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 298.

38 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 12/ 42.

39 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 194، بتصرف.

40 إعراب القرآن، النحاس 3/ 310.

41 الكشاف، الزمخشري 1/ 454.

42 أنوار التنزيل، البيضاوي 2/ 54.

43 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 183.

44 جامع البيان، الطبري 21/ 480.

45 النكت والعيون، الماوردي 5/ 185.

46 جامع البيان، الطبري 21/ 480.

47 انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 68، والكشاف، الزمخشري 2/ 572.

48 انظر: جامع الأحكام، القرطبي 7/ 370.

49 انظر: لباب التأويل، الخازن 2/ 296.

50 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 170.

51 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 11/ 382.

52 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 187، والنكت والعيون، الماوردي، 5/ 306.

واختار الطبري عدم دخول الكبائر والمعاصي في محبطات الأعمال، وتبعه أبو السعود في إرشاد العقل السليم 8/ 101.

53 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 322.

54 لباب التأويل، الخازن 1/ 200.

55 التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/ 187.

56 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي 1/ 411.

57 معالم التنزيل، البغوي 1/ 720، وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 2/ 109.

58 جامع البيان، الطبري 9/ 392.

59 تفسير الشعراوي 8/ 5058.

60 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، رقم 105 1/ 33، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال رقم 1679، 3/ 1306.

61 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/ 338.

62 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 2/ 157، بتصرف.

63 انظر: تفسير الشعراوي 2/ 799.

64 المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 260.

65 انظر: المصدر السابق 1/ 260.

66 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/ 230، التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 86.

67 انظر: جامع البيان، الطبري، 18/ 50، تفسير السمرقندي 2/ 352.

68 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 525، تفسير السمرقندي 2/ 352، مجاز القرآن 1/ 408.

69 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 86.

70 جامع البيان، الطبري 21/ 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت