فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 2431

••حساب الله للخلائق.

يحدثنا الوحي الإلهي طويلًا عن حساب الله تعالى للخلائق في هذا اليوم الشديد، والذي يتسم بالعدل.

••تطاير صحف الأعمال.

صحائف الأعمال التي سجل فيها عمل كل فرد على حدة.

قال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ? وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى? بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 13 - 14] .

قال الحسن رحمه الله: «قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك» 93.

ويبلغ الوحي الإلهي غاية من التفصيل حيث يبين كيفيات تسليم الكتب، وأحوال الناس عندها، يقول ربنا: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) [الحاقة: 19] . يعني: خذوا اقرءوا كتابيه (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ?25?وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ?26?يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ?27?مَا أَغْنَى? عَنِّي مَالِيَهْ ? ?28?هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ?29?) [الحاقة: 25 - 29] .

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى? أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى? سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا) [الانشقاق: 7 - 13] . يعني: في الدنيا.

••الشهود.

وهذا من تمام إظهار العدل الإلهي في هذا الموقف العظيم، فإن الله عز وجل يستشهد على المذنبين قبل إدانتهم مع علمه عز وجل القاطع بما عملوا، لكنه لا يريد أن يعاملهم بعلمه، لكن يعاملهم بالشهود حتى يتأكد كل إنسان من ذنبه وعمله.

••والأنبياء هم أول الشهود عليهم السلام، يشهدون على أممهم بالبلاغ، وإقامة الحجة.

قال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41] .

••والملائكة، وهم أيضًا يشهدون؛ لأنهم سجلوا الأعمال، وشهدوا الطاعات والمعاصي، كما قال تعالى: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) [ق: 21] .

••والأرض أيضًا تشهد، كما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة: 4] .

وقد فسر النبي أخبارها في الحديث الذي رواه أحمد عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة: 4] .

قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن تقول: عملت علي كذا وكذا يوم كذا وكذا) ، قال: (فهو أخبارها) 94.

••أيضًا من الشهود: جوارح الإنسان، أي: خاصة عندما يماري، ولا يرضى إلا شاهدًا من نفسه.

يقول تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْوَاهِهِمْ) [يس: 65] يعني: فلا تنطق (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: 65] .

ويقول جل شأنه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?24?) [النور: 24] .

ويقول: (حَتَّى? إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ? قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21 ) ) [فصلت: 20 - 21] .

••السؤال الشخصي.

ليدافع كل إنسان عن نفسه، وليبين أعذاره إن كانت له أعذار، والله تعالى مع ذلك أعلم بالمرء من نفسه، قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ?22?مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى? صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?23?وَقِفُوهُمْ ? إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ?24?) [الصافات: 22 - 24] .

ويقول سبحانه وتعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(22) ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى? أَنفُسِهِمْ ? وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: 22 - 24] .

••وضع الميزان.

ليوفي كل إنسان جزاءه في دقة كاملة بالغة حتى مقادير ومثاقيل الذر والخردل، كما قال ربنا: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ? وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] جل شأن الله.

ويقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ?) [النساء: 40] .

وعلى نتيجة هذا الميزان العدل يقضي الله تعالى بالحق بين عباده: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ?6?فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ?7?) [القارعة: 6 - 7] .

يعني: ثقلت بالحسنات، والطيبات (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ?8?) [القارعة: 8] .

من الحسنات والطيبات، وامتلأت بالسيئات، يقول ربنا: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ?8?فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ?9?وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ?10?نَارٌ حَامِيَةٌ ?11?) [القارعة: 8 - 11] . نعوذ بالله منها.

وصف الجنة والنار:

فأما المؤمنون الصالحون فيبلغون سعادة الأبد، ويظفرون بنعيم الخلد، قال تبارك وتعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ?) [الزمر: 73] يعني: جماعات جماعات (حَتَّى? إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ?73?وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ? فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ?74?) [الزمر: 73 - 74] .

الأرض هي: أرض الجنة، ويصف الوحي الإلهي أحوال أهل الجنة، وما فيها من نعيم وصفًا تفصيليًا، في دار لم يبلغها علمنا المحدود، ولم تشاهدها حواسنا، ولكنها أعدت للمتقين، وأخبرنا بها رب العالمين، وينبغي أن نوقن بوجودها أكثر مما نوقن بحاضرنا المشاهد؛ لأنها وعد الله الحق، وجزاؤه الصدق، كما قال ربنا: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه) [التوبة: 111] .

فهذا وعد سجله في كتبه الثلاثة الأساسية التي أنزلها من السماء إلى أهل الأرض، على موسى، وعلى عيسى، وعلى محمد صلى الله عليهم جميعًا يقول: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه) .

وأما الكافرون فيساقون إلى جهنم زمرًا، حيث يذوقون العذاب الأبدي، وحيث يذوقون شقاء الخلد بشؤم ذنوبهم، واستكبارهم على ربهم، وقد بلغ الوصف القرآني للنار وأحوالها ودركاتها وبلاء أهلها حدًا يخلع القلوب خلعًا، وفي القرآن الكريم آيات تفرد وصف الجنة، وآيات تفرد وصف النار، وفيه آيات تجمع ذكرهما معًا؛ ليوازن العاقل، ويقارن بين الصورتين، كما قال تعالى عقب الكلام عن النار والجنة، وهلاك المكذبين: (إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق: 37] .

ومنها على سبيل المثال:

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ? فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ? وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْہ) [محمد: 15] .

ثم تأتي الصورة الأخرى المزعجة: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد: 15] .

لا يستويان أبدًا، يقول ربنا أيضًا: (هَ?ذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ? فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20 ) ) [الحج: 19 - 20] .

وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ? وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى? صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24 ) ) [الحج: 21 - 24] .

والمقصود من هذه الأخبار والأوصاف: تشويق الناس إلى الجنة؛ ليعملوا بعمل أهلها هنا في الدنيا، ولتحذير الناس من النار؛ ليجتنبوا عملها وسوء حالها.

الخلود الأبدي:

أكد القرآن الكريم تأكيدًا قاطعًا أن الجنة والنار خالدتين أبدًا، لا فناء لهما، ولا انقطاع فيهما، ولا موت لأهلهما، وإنما هي حياة الأبد والخلود السرمدي، وقد ورد هذا في القرآن الكريم بأساليب كثيرة، أشهرها: أسلوب (الخلود الأبدي) ؛ ذلك لأن معنى الخلود هو المكث الطويل، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي 95: خوالد؛ وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها؛ ولذلك أكد الله تعالى خلود الجنة والنار بالأبدية، ليخرجه من المكث الطويل إلى البقاء الدائم؛ لأن معنى الأبد كما قال الراغب الأصفهاني: هو مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان 96.

وقد ورد تأكيد الجنة بالخلود الأبدي في ثماني آيات، والتاسعة بالمعنى في أول سورة الكهف: (مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) [الكهف: 3] . والمكث هو الخلود؛ فلذلك تكون تسع آيات، قيد الخلود فيها بالأبدية، مثلًا يقول: أصحاب الجنة خالدين فيها أبدًا، وورد تأكيد خلود النار بالأبدية ثلاث مرات في القرآن: في آخر سورة النساء الآية 169، وفي آخر سورة الأحزاب الآية 165، وفي آخر سورة الجن الآية 23، فهذه الآيات تقيد أيضًا أصحاب النار بكونهم خالدين فيها أبدًا، والمراد بأصحاب النار: أهلها الذين هم أهلها، يعني: الكفار والمشركين، الذين ماتوا ولم يتوبوا توبة نصوحًا، أما المسلمون العصاة من المؤمنين فهؤلاء إن دخلوا النار وعذبوا فالله يغفر لهم بعد ذلك، ويخرجون مآلًا إلى الجنة إن شاء الله.

فالمراد بالخلود الأبدي لأهل الجنة جميعًا من يدخل الجنة، فلا يموت أبدًا، ولا تفنى الجنة والنار، الخلود الأبدي لأهلها الذين هم أهلها كما جاء في الصحيح، هذا عدا الآيات الأخرى بغير هذا الأسلوب التي تؤكد أن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وأن أهل النار لا يخرجون منها أبدًا مثل، قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [المائدة: 37] . ففي الآية الكريمة نفي للخروج منها، وإثبات للعذاب الدائم، ويقول تعالى عن أهل الجنة: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) [الحجر: 48] .

وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت) 97.

ولعل أجمع ما يبين نعيم الجنة: هو الحديث القدسي الشريف الذي رواه البخاري بسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر) ،ٍ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: 17] 98.

سادسًا: الإيمان بالقدر:

الإيمان بالقدر: «هو الاعتقاد الجازم بأن الله سبق في علمه مقادير الخلائق -ويشمل ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، ومن هو من أهل الجنة، ومن من أهل النار- وقد كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

كما كتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته من المقادير والأحوال التي يستحقونها على أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد إرادة كونية أن يقع ما علمه وكتبه لأجله الذي قدر له، وهو الذي يخلقه إذا حان الأجل، فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وغيرها» 99.

وسوف أتناول الإيمان بالقدر في النقاط الآتية:

1.أدلة القرآن على القدر.

قال الله تعالى: (نَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49] . «أي: كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه» 100.

وقوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) [الأحزاب: 38] .

وقوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: 2] . أي: خلقنا كل شيء مقدرًا محكمًا مرتبًا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح معلومًا قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه 101.

2.مراتب القدر.

للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص 102، وهي:

المرتبة الأولى: علم الله بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، وإحاطته بذلك علمًا، فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد دل على ذلك قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12] .

المرتبة الثانية: كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى قيام الساعة.

قال تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? إِنَّ ذَ?لِكَ فِي كِتَابٍ ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج: 70] .

وقال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) [يس: 12] .

المرتبة الثالثة: المشيئة فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82] .

وقال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29] .

المرتبة الرابعة: خلق الله تعالى للأشياء وإيجادها وقدرته الكاملة على ذلك، فهو سبحانه خالق لكل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه.

قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الزمر: 62] .

وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96] .

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيءٍ، وخلق السموات والأرض) 103.

فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع لتحقيق الإيمان بالقدر، ومن أنكر شيئًا منها لم يحقق الإيمان بالقدر.

3.أنواع القدر.

القدر بمعناه العام نوعان: قدر تصريفي وقدر تكليفي، أو تكوين وتشريع، والقدر التكويني التصريفي لا خيار لأحد فيه، والخلائق جميعًا لا تملك معه إلا أن تصدع بأمر ربها وخالقها، كما قال تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: 40] ، ويقول ربنا: (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَإِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [غافر: 68] .

أما القدر التشريعي التكليفي ففيه الخيار، وقد عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين استصغارًا لا استكبارًا.

وحمله الإنسان اختيارًا حين خير؛ ليتم بذلك ما اقتضت حكمة الله تعالى من إيجاد جنسٍ من الخلائق يكلف اختيارًا، ويترتب على سلوكه نوعية الجزاء، ولو شاء الله عز وجل لكان الأمران جميعًا على سواء، فينقاد الإنسان له في التوحيد والشعائر، وسائر الشرائع كما ينقاد له في قوانين الوجود الأخرى التكوينية، كالحياة والموت، والأكل والشرب والتنفس وغير ذلك، ولكن الله تبارك وتعالى ترك للإرادة الإنسانية جزءًا من الاختيار، ليصح تعلق الثواب والعقاب بالفعل الإنساني.

ومن بديهيات العقيدة القرآنية: الإيمان بأن قدر الله كله مبني على غاية الحكمة والعلم المحيط، فكله حق ونعمة ورحمة، كما قال تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: 23] ، وذلك في القدر التكويني، وكما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [المائدة: 3] .

وذلك في القدر التكليفي التشريعي، والإنسان حين يخضع الأمور لمقياسه المحدود، يقول: هذا خير وهذا شر، وما هذا إلا قياس بالمصلحة الشخصية، أو العلم المحدود الذي لا ينفذ وراء الأشياء ولا يستطيع، ومن هنا كان التسليم بالقدر الإلهي تسليمًا مطلقًا، هو من لب الاعتقاد وصريح الإيمان، يقينًا بالله تعالى، وثقة فيه، واتهامًا للنفس والرأي، ومعرفة بحدود الإنسان وضآلة علمه، وهذا ما ربى عليه القرآن المسلمين، فقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] .

وقال تعالى في عشرة الأزواج: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19] .

والآيتان الكريمتان تشملان القدر بنوعيه، بل هما واردتان أصلًا لبيان أحكام تشريعية: وهي فرضية القتال وعشرة الزوجات، والمنازعة في القدر التشريعي أكثر من المنازعة في القدر التصريفي؛ لأن القدر التصريفي ظاهر القهر والنفاذ، والقدر التشريعي جعله الله مجالًا للاختيار والاختبار، ومن ثم كثرت الوصية بالتسليم فيه لله تعالى، بل جعل الله تعالى تحكيم شرعه ورسوله والتسليم المطلق بهذا التحكيم التشريعي شرطًا للإيمان، كما قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65] .

فقد أقسم الله تعالى أن إيمان الناس لا يتحقق أو لا يكتمل إلا بالتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالرضا والتسليم بقضائه المبني على شرع الله تعالى، كما جاء ذلك صريحًا في نفس السورة، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ?فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 105] .

4.الاحتجاج بالقدر.

الاحتجاج بالقدر كان يثيره الكفار فيقولون: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) [النحل: 35] .

وغير ذلك من ألوان الاحتجاج بالباطل الذي رد عليه القرآن في مواضع كثيرة، ومن ذلك: قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ? كَذَ?لِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى? ذَاقُوا بَأْسَنَا ? قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ? إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) [الأنعام: 148] .

والآية الكريمة إخبار بالغيب عن دعواهم الباطلة في الاحتجاج بالقدر، وهذا من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبرهم بما سيقولون مما علمه الله، فوقع الأمر كما قال تمامًا.

وقد رد الله تعالى عليهم بدليل التاريخ الذي وقع للسابقين ممن قالوا مثل دعواهم، ثم تحداهم أن يكون لديهم علم يثبت دعواهم؛ وأكد ذلك بكشف حقيقة دعواهم القائمة على الظن والتخمين، والمجردة من التثبت واليقين.

خامسًا: أمران هامان يجب مراعاتهما في الإيمان بالقدر:

الأول: يجب اليقين باستحالة الإحاطة بسر القدر الإلهي إحاطة كاملة؛ لأن هذا من خصائص العلم الإلهي الخالصة، والله تعالى يطلع من شاء من عباده على ما شاء من أسرار خلقه وغيبه، وهذا الاطلاع مهما عظم وامتد فهو ضئيل جدًا بجانب علم الله عز وجل، كما قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ? وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ? وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ?) [البقرة: 255] .

ولقد كان موسى عليه السلام هو كليم الله، وعلمه الله تعالى ما شاء، ثم لقي الخضر وهو كما وصفه الله (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: 65] .

(فلما ركبا في السفينة جاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرةً أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) 104.

وفي ذلك دلالة على حكمة الله تعالى البالغة وراء الحوادث، وأن القدر الإلهي ليس عشوائيًا، وإنما يمضي على نظام وإتقان، وإن بدا للناس أحيانًا تحت وطأة النوازل أمرًا غريبًا مستنكرًا؛ لأنهم لم يحيطوا به خبرًا.

الأمر الثاني: لا سبيل في الأعمال الاختيارية إلى الاحتجاج بالقدر؛ لأن رب القدر هو الذي ترك لنا فيها الخيار ابتلاءً واختبارًًا، وكلفنا بناء على هذا، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، ولهذا أعد الآخرة ثوابًا وعقابًا، جزاء وفاقًا لهذا الجهد الإنساني الاختياري في طاعته، أو معصيته.

والاحتجاج بالقدر يبطل ذلك كله، فعلمنا يقينًا أن الإنسان حر مختار في هذا الباب، وأن الله عز شأنه لم يجبر أحدًا على الطاعة، وإنما أمر بها وشرع للناس سبيلها، ولم يرغم أحدًا على المعصية، وإنما نهى عنها وبين حدودها؛ ولذلك أبطل الله تبارك وتعالى حجة المشركين حين تذرعوا بالقدر، واحتجوا لضلالهم بمشيئة الاقتضاء أو الارتضاء، وذلك في قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ? كَذَ?لِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى? ذَاقُوا بَأْسَنَا ?) [الأنعام: 148] 105.

لهذا لا يصح للمسلم أن يحتج في ارتكاب المعصية، يقول هذا كتبه الله علي، أو الله قدر علي ذلك، أو أنا مرغم على ذلك، كل هذا باطل؛ لأن الله سبحانه بين لنا الطريق، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيمًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن القدر نؤمن به ولا نحتج به، فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا، لقبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد؛ لم يعذب الله أحدًا من الخلق، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق، ولا قتل قاتل، ولا أقيم حد على جريمة، ولا جوهد في سبيل الله، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر» 106.

••ورد في كتاب الله تعالى آيات استنبط منها العلماء أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بفعل الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد: 17] .

يقول تعالى ذكره: وأما الذين وفقهم الله لاتباع الحق، وشرح صدورهم للإيمان به وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد، فإن ما تلوته عليهم، وسمعوه منك زادهم الله بذلك إيمانًا إلى إيمانهم، وبيانًا لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم 107.

وقال تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) ، [مريم: 76] . أي: أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من سلك طريقًا في العلم والإيمان والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه ويسره له، ووهب له أمورًا أخر، لا تدخل تحت كسبه، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ?ں ں) [المدثر: 31] . (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال: 2] .

ويدل عليه أيضًا الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت 108.

وقال تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22] . أي صبرًا على البلاء، وتسليمًا للقضاء، وتصديقًا بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله 109.

وفي الآية «دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص» 110.

وقال تعالى: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف: 13] ، بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين، وأظهرنا لهم مكنونات محاسنه 111.

وقال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال: 2] .

في هذه الآية: دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها، وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه 112.

وقال تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) [آل عمران: 173] .

وفي الآية دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت زيادةً ونقصانًا، قال: ابن عمر رضي الله عنهما قلنا: يا رسول الله: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: (نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار) 113.

قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك» 114.

ومن أقوال العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت