ومن النماذج المهمة في هذا الأمر: ما ورد أن أهل حمص شكوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عامله عليهم سعيد بن عامر قالوا: نشكو منه أربعًا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار. ولا يجيب أحدًا بليل. وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. وتصيبه الإغماءة بين الحين والآخر.
فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تخيّب ظني فيه اليوم، وسأله عمر عن هذه الشكوى، فقال: لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار لأنه ليس لأهلي خادم فأعجن عجينهم، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
وأما قولهم: إني لا أجيب أحدًا بليل، فإني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لربي عز وجل.
وأما قولهم: إن لي يومًا في الشهر لا أخرج إليهم فيه، فإنه ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا ثياب أبدلها فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار.
وأما قولهم: تصيبني الإغماءة بين الحين والآخر، فإني شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذع، فقالوا: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدًا شيك بشوكة، فكلما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم، إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبدًا، فتصيبني تلك الإغماءة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيه، فبعث إليه بألف دينار ليستعين بها على حاجته، ففرقها على المحتاجين 65.
فأهل حمص أشاعوا عن أميرهم هذه الأمور، وجعلوها منقصة في حقه دون أن يتثبتوا أو يتبينوا، وشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أزاح هذه التهم عن سعيد بن عامر عن طريق التثبت والتبين.
فالواجب على الفرد والمجتمع المسلم أن يتنبه إلى الأخطار المحدقة من جراء الإشاعات وعدم التثبت في الميدان السياسي، والعواقب الوخيمة الناتجة عن ذلك، وأن يتنبه المسلم إلى طبيعة العلاقة المثلى الواجبة بين الحاكم والمحكوم، والراعي والرعية، التي شرعها الإسلام الحنيف، وميّزها عن غيرها من العلاقات.
خامسًا: المجال الاقتصادي:
للاقتصاد أهميته في حياة الفرد والمجتمع، بل وفي العالم أجمع. ويرتبط العالم اليوم بروابط اقتصادية كبيرة، فما يحدث في منطقة أو دولة من دول العالم -غالبًا- تتأثر بها بقية الدول سلبًا أو إيجابًا، وبخاصة في حالات الحروب والكوارث.
وبناء على ذلك فالتثبت في مجال الاقتصاد من الأهمية بمكان، فيجب عدم نشر الإشاعات والأخبار غير الموثوق فيها حول الأمور الاقتصادية، كالمسائل المتعلقة بالبيع والشراء، والأثمان، والسلع المختلفة، وكذا الأمور المالية والنقدية والتجارية بصفة عامة؛ حيث إن أكثر من يتأثر بهذه الأخبار والإشاعات أصحاب الأموال والثروات المالية الكبرى، مما ينعكس سلبًا بالتأثير على اقتصاد الدولة.
ومن الأمور الحيوية الأكثر تأثرًا في المجال الاقتصادي: سوق المال (البورصة) ، فهذه السوق تتأثر سلبًا وإيجابًا بالأخبار الصادقة والكاذبة جراء التثبت وعدمه.
ومن صور التأثير السلبي على سوق المال نتيجة لعدم التثبت: «ما يقوم به بعض المضاربين من الاتفاق فيما بينهم من خلال التوصيات عبر الوسائل الحديثة، من: (الجوّال أو المنتديات أو البريد الإلكتروني أو تويتر أو فيس بوك) على شراء سهمٍ من الأسهم المدرجة بغرض رفع قيمته إلى حدٍ معين ثم بيعه بكميات كبيرة، وهو ما يسمى بـ (الجروبات) ؛ ولأن الغرض منها إيهام المتداولين بأن هذا هو السعر المناسب للسهم حتى يقبلوا على شرائه بعد ارتفاعه، ثم يصعب خلاصهم منه بعد تصريفه من قبل تلك المجموعات (الجروبات) .
والهدف من هذا البيع: إيهام المتعاملين أن تغيّرات سعرية حدثت للورقة المعنية، وأن تعاملًا نشطًا يجري عليها، ولما كانت البورصات تقوم بنشر كافة المعلومات بشأن الصفقات أولًا بأول، فإن هذه السلسلة من البيوع للأوراق المالية من شأنها أن تؤدي إلى انخفاض قيمتها السوقية بشكلٍ يوحي بتدهور حالة المنشأة المصدرة لها، وهنا يصاب البعض بالذعر مما يدفعهم إلى التخلص مما يمتلكونه من هذه الأسهم، الأمر الذي يترتّب عليه عروض كبيرة بدون طلبٍ موازٍ فيهبط السعر، وعندها يتدخّل المستثمر المخادع مشتريًا، ويحدث عكس ما تقدّم في المضاربة على البيع» 66.
فالتثبت وعدمه في الأمور الاقتصادية له أثر كبير في نمو أو تدهور الحالة الاقتصادية للمؤسسات والشركات والدول.
سادسًا: المجال القضائي:
إن حاجة الإنسانية إلى القضاء بمنزلة حاجتها إلى الشمس والهواء، فلو رفع القضاء من حياتها لهبطت إلى دركة البهائم والعجماوات، وأكل قويها ضعيفها، وكبيرها صغيرها.
ومهمة القضاء في الإسلام هي إرساء دعائم العدل؛ ولهذا كان للقضاء في الإسلام منزلة رفيعة سامية، فهو فريضة من أقوى الفرائض، وعبادة من أشرف العبادات لمن ابتغى به وجه الله تعالى؛ لأنه إظهارٌ للعدل، وإزالةٌ للباطل، وبالعدل قامت الأرض والسموات.
وحاجة القضاء إلى التثبت قبل إصدار الأحكام واضحة جلية، فلا يمكن تحقيق العدل في القضاء إلا بالتثبت والتبين.
ولقد نبه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى أن مجال القضاء هو المجال الأحوج إلى اعتماد منهج التثبت في الحكم، فقال: «الأمر بالتبين أصل عظيم في وجوب التثبت في القضاء، وألا يتبع الحاكم القيل والقال، ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون والأوهام» 67، وذلك لأن خطأ القاضي خاصة في الإدانة والحكم، وهو يقضي في اليوم في أكثر من قضية تضيع به الحقوق، وتتضرر به الأعراض، فكان مطالبًا أكثر من غيره بالتثبت.
ومن لوازم التثبت في القضاء:
أولًا: أن يسمع القاضي من الخصمين، لا أن يسمع كلام خصم دون الآخر؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء؟ قال: فوضع يده على صدري، وقال: (اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) قال: فما اختلف علي قضاء بعد، أو ما أشكل علي قضاء بعد 68.
ثانيًا: طلب البينة والدليل على الدعوى من خلال الشهود، أو طلب اليمين من الطرف الآخر عند النكول 69 وعدم البينة، وهي وسيلة من وسائل إثبات الحق الذي يدعيه المدعي 70:
فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) 71.
ثالثًا: بناء الأحكام على العلم واليقين، بعيدًا عن الشك والتسرع؛ لأن تبرئة المذنب خير من إدانة البريء.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن في وجوب التثبت عند القضاء: ما جاء في قصة داود عليه السلام مع الخصمين، وهو ما ذكره الله في قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 - 26] .
فداود عليه السلام عندما سمع القضية من المدّعي عرف أنه مظلوم، وأن خصمه ظلمه وبغى عليه، وتأثر داود بما سمع، وظن أن الأمر لا يتطلب سماع الطرف الآخر 72.
فعاتب الله داود عليه السلام على هذا الأمر؛ لأن مقتضى التثبت أن يسمع من الطرفين، لا أن يسمع طرفًا دون الآخر.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن أيضًا في وجوب التثبت عند القضاء، ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 105 - 109] .
وسبب نزول هذه الآيات أن نفرًا من الأنصار- قتادة بن النعمان وعمه رفاعة- غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم (رفاعة) . فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي (اسمه زيد بن السمين) . وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علمًا. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. ولما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي-: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته. فقال: (عمدت إلى أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟) .
قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزلت: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] 73.
فالله سبحانه يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: «إن عليك ألا تتهاون في تحرى الحق اغترارًا بلحن الخائنين وقوة جدلهم في الخصومة؛ لئلا تكون خصيمًا لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم، والآيات فيها إيماء إلى أن الاعتقاد الشخصي والميل الفطري والديني لا ينبغي أن يظهر لهما أثر في مجلس القضاء، وإلى أن القاضي لا يساعد من يظن أنه صاحب الحق، بل عليه أن يساوى بين المتخاصمين في كل شيء.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات ولم يعمل بغير ما يعتقد أنه تأييد للحق، لكنه أحسن الظن في أمر بيّن له علام الغيوب حقيقة الواقع فيه، وما ينبغي له أن يعامل به ذويه» 74.
فالآيات السابقة ترشدنا إلى أنه يجب على القاضي أن يجعل الحق والصدق هدفه في جميع مواقفه، وأن يدقّق فيما يعرض عليه، فلا يأخذ بظواهر الأمور، ولا ينخدع بتزويق الخصوم، وعليه أن يحذر تلبيسهم ولا ينساق بأي اعتبار غير اعتبار الحق والعدل والحقيقة. ولا يتسرع في تصديق فريق وتبرئته والدفاع عنه. وأن يرجع عن الخطأ إذا ما ظهر له.
1.منذ أن خلق الله الخليقة وجد الصراع بين القوى، صراعٌ يستهدف أعماق الإنسانية، ويؤثر في كيان البشرية، وإذا كانت الحروب والأزمات والكوارث والنكبات تستهدف بأسلحتها الفتاكة الإنسان من حيث جسده وبنائه، فإن هناك حربًا سافرة مستترة تتوالد على ضفاف الحوادث والملمّات، وتتكاثر زمن التقلبات والمتغيّرات، وهي أشدّ ضراوة وأقوى فتكًا؛ لأنها تستهدف الإنسان من حيث عمقه وعطائه، وقيمه ونمائه، إنها حرب الشائعات.
الشائعات من أخطر الحروب المعنوية، والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميرًا، وأعظمها وقعًا وتأثيرًا، وليس من المبالغة في شيء إذا عدّت ظاهرة اجتماعية عالمية، لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية. وفيما يأتي بيان لتعريف الإشاعة وخطرها وضررها.
و «الإشاعة: فكرة خاصة تنشر ليؤمن بها الناس، تنتقل من شخص إلى آخر، ويتم هذا عادة بواسطة الكلمة التي يتفوه بها الإنسان، دون أن تستند إلى دليل أو شاهد» 75.
وقيل: «الإشاعة: أخبار مشكوك في صحتها، ويتعذر التحقق من أصلها، وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الجهة الموجهة إليها، ويؤدي تصديقهم أو نشرهم لها إلى إضعاف روحهم المعنوية» 76.
وللإسلام نظرته الحكيمة في الإشاعة حسب طبيعتها، ومن ثم ترتيب الحكم الشرعي والجزاء العادل عليها.
والمتأمل في النصوص المتعددة في القرآن والسنة يجد أن الإسلام يحرم نقل الإشاعات وترويجها بين الناس بغرض الإفساد والتخريب، وهدم الكيان والبنيان الاجتماعي، وصرف الناس عن عبادة الله وعمارة الأرض، وعمل ما ينفع الناس، إلى الاشتغال فيما لا ينفع.
ومعلوم أن نقل الإشاعة وترويجها في المجتمع من أنواع الفحش والإثم والبغي التي حرمها الله عز وجل بقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?33?) [الأعراف: 33] .
وقد توعد سبحانه محبي رواج الإشاعة في المجتمع المسلم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ?19?) [النور: 19] .
فإذا كان هذا جزاء من يحب شيوع الفاحشة والإشاعة في المجتمع، فكيف يكون جزاء مروجي الإشاعات في المجتمع المسلم؟!
وتوعده النبي صلى الله عليه وسلم بأفظع عقاب، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت الليلة رجلين أتياني، قالا: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة) 77.
وكذلك حذرت الشريعة الإسلامية من الاستماع للإشاعات وتصديقها وقبولها، وأمرت بالتثبت والتروي عند سماعها، فقد تكون تلك الأخبار كاذبة ومضللة، ولها أهداف سامة وبغيضة وهادمة للمجتمع، بل قد تعود بالضرر البالغ على المستمع لها، ومعلوم أن لناقلي الإشاعات ومروجيها أساليب خلابة ووسائل مغرية في عرض ما لديهم، الأمر الذي يجعل المستمع لهم يقع في شباكهم، وتلتف حوله حبائلهم، فلا يستطيع الفكاك منها.
قال تعالى موجهًا النصح لعباده المؤمنين: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَ?ذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ?12?) [النور: 12] .
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ?6?) [الحجرات: 6] .
قال الشوكاني: «المراد من التبين: التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» 78.
والشائعات لها خطر عظيم وضرر جسيم على الفرد والمجتمع وعلى مستوى الدول والحكومات 79، فبجانب أضرارها المعروفة من:
فإن لها أضرارًا وأخطارًا أخرى في مجالات متنوعة، يتجلى ذلك في عدة أمور:
أولًا: أخطار وأضرار تتعلق بالناحية الشرعية:
فالإشاعات يعظم خطرها حينما تتناول موضوعات الشريعة الإسلامية وجوانبها المتعددة، كاتهام عقيدة الإسلام بالتهم الباطلة، وإشاعة الكذب نحوها، كذلك الإشاعات الموجهة إلى الشريعة وما تضمنته من عبادات ومعاملات وأخلاق وحدود وغير ذلك.
ولا شك أنه لتلك الإشاعات المتعددة ضد الشريعة الإسلامية بعض الأضرار والأخطار على أبناء المجتمع المسلم، وبخاصة ممن ليس لديهم حصانة عقدية وفكرية قوية.
وقد حذر الله من الآثار السيئة المتوقع حدوثها من كيد أعداء الإسلام، وإشاعاتهم الخبيثة في المجتمع المسلم.
قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ?49?) [المائدة: 49] .
ثانيًا: أضرار فكرية:
المتأمل في مسيرة التاريخ الإسلامي يجد العديد من الإشاعات التي سرت في المجتمع المسلم، واستهدفت فكره وعقله وشعوره، وأثرت في معطياته ومنجزاته، وخاصة في العصر الحاضر، وذلك رغبة في الهيمنة الفكرية على العالم الإسلامي، ولتأكيد ذلك فقد استخدم أعداء الإسلام سلاح الإشاعات التي يحملها الغزو الفكري لتحقيق مآربهم، مما أسفر عن كثير من الانحرافات الفكرية في بعض المجتمعات الإسلامية، وولّدت لديها بعض الشكوك والمخاوف من الشريعة الإسلامية دون دليل تستند عليه أو برهان تنطلق منه.
ثالثًا: أضرار نفسية:
تنتظم الإشاعات فيما يسمى بالحرب النفسية، والتي تتوجه بالدرجة الأولى إلى نفسية الفرد والمجتمع المستهدف، فتقوم بمحاولات لاختراقها، ومن ثمّ النفاذ إلى داخلها وتحطيمها والهيمنة عليها، وإلحاق الهزيمة المروعة بها.
وقد أشار القرآن إلى نوعية هذا الأثر النفسي الخطير وأسماه بالأذى فقال: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ? وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَ?لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ?186?) [آل عمران: 186]
ونظرًا لذلك كله يأمر الله تعالى المسلمين بعدم الوهن والحزن، ويذكّرهم بأنهم في علو عن غيرهم إن تمسكوا بإيمانهم، وذلك في قوله: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?139?) [آل عمران: 139] .
والمتأمل في أحوال المجتمعات الإسلامية اليوم يجد أن الآثار النفسية التي لحقت بها عديدة، من خلال الإشاعات التي شملت الفرد والأسرة والمجتمع.
رابعًا: أضرار اجتماعية:
تقوم الإشاعات بإحداث آثار سلبية عديدة في حياة المجتمع، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو نطاق النسيج الاجتماعي عامة.
وإذا ما سرت الإشاعة في المجتمع وحملت مضامين سيئة أو مخيفة أو محبطة أو ليست في صالح ذلك المجتمع عامة أو تلك الفئة الاجتماعية خاصة، فإن الإشاعة سوف تنجح في مهمتها، ويستجيب لها الناس، وتحدث الأثر المطلوب.
خامسًا: أضرار اقتصادية:
تقوم الإشاعات بدورها في التأثير على الحياة الاقتصادية، ومحاولة التأثير على المستهلكين أو المنتجين، سواء كانوا أفرادًا أم أسرًا أم مجتمعات أم شركات ومؤسسات أم دولًا ومنظمات.
ولا يخفى أن للمنافسات الاقتصادية وما يموج به سوق العمل والمال من محاولات للربح والتضخم أمر يساعد على ترويج الإشاعات، ومحاولة كل جهة نشر الإشاعات ضد أعمال ومنشآت ومنتجات الطرف الآخر ورميها بعدم الجودة أو الغش أو ارتفاع الأسعار وما إلى ذلك من إشاعات.
والحقيقة أن تلك الإشاعات مضرة باقتصاد أي مجتمع، وتنعكس سلبًا على أفراده، ولا تخدم بأي حال من الأحوال قضايا المجتمع ومسائله الاقتصادية المتنوعة.
سادسًا: أضرار سياسية:
تكمن خطورة الإشاعات في المجال السياسي حينما تتعلق بشخصيات الحكام وأولي الأمر، ومحاولات تتبع أحوالهم وشئونهم الخاصة والعامة، وتوظيف ذلك بصورة خبيثة تهدف للنيل منهم وزعزعة مكانتهم في قلوب الناس.