فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 2431

فلا ينبغي التفاخر بمظاهر الدنيا، فإن كل ما فيها من ثروات وقصور ومبانٍ وآلات هو متاع يستمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب، وما عند الله من الثواب على الطاعة خير وأدوم للذين صدّقوا بالله ووحّدوه، وتوكلوا على ربهم وفوّضوا إليه أمورهم.

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباد أن يتواضع بعضهم لبعض، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، فقال: (وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) 92.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم في التعليق على هذا الحديث: «فنهى سبحانه عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهو الفخر والبغي؛ لأن المستطيل إن استطال بحقٍّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٍّ فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا» 93.

ومن مظاهر التواضع: مشاركة الضعفاء والمساكين، والجلوس معهم، وتفقّد أحوالهم، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طرد المؤمنين الضعفاء، فقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .

يعني: المصلّين، بلالًا وابن أم عبد، كانا يجالسان النبي صلى الله عليه وسلم، قالت قريش محقرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه، فنهي عن طردهم 94.

وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جالس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسّن خلقه، وقرّبهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم 95.

قال الطبري: «ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!» 96.

وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا! قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}

وهذه وصية له صلى الله عليه وسلم في باب الفقراء والمستضعفين؛ وذلك لما قصروا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول صلوات الله عليه وسلامه مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله، أراد أن يبيّن له أثر حسن الابتهال، فتولّى سبحانه خصيمتهم، وقال: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} لا تنظر يا محمد إلى خرقتهم على ظاهرهم، وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم، ويقال: كانوا مستورين بحالتهم، فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه سبحانه قال: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول: إن شخصًا مخلوقًا يريد الحق سبحانه؟! 97.

وجاء هذا النهي إلى النبي الكريم ليقرع أسماع المشركين، وليريهم أن محمدًا لن يتخلى أبدًا عن هؤلاء الفقراء الذين تزدري أعينهم، وأنه إذا كان ألف صحبة هؤلاء الفقراء، وأنس بهم قبل أن يتلقى أمر ربه بشأنهم، فإنه الآن وقد جاءه من ربه هذا النهي الذي يلبس صورة الأمر بالحفاظ على تلك الجماعة الفقيرة المؤمنة، وملء يده منها، وإعطائها وجهه كله، إنه لن يتخلّى أبدًا عن تلك الجماعة، ولو وقعت السماء على الأرض، إنه لن يعصي أمر ربه، ولن يخرج عنه بحال أبدًا، هذا ما تعرفه قريش فيما عرفت من محمد، وأخذه بكل كلمة جاءته من ربه، أو يقول إنها جاءته من ربه، كما تزعم قريش، إذن فهذا النهي هو كبتٌ لقريش ولزعمائها خاصة، واستخفاف بهم، وأنهم أقلّ شأنًا، وأخفّ ميزانًا عند الله الذي يدعوهم محمد إليه، وأن حساب الناس في هذا الدين الذي يدعو إليه ليس بجاههم وسلطانهم وأنسابهم وأحسابهم، وإنما هو مائدة ممدودة من الله لعباد الله، فمن أخذ مكانه منها لم يكن لأحد أن يزحزحه عنه 98.

ومن كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم مع الضعفة والمساكين: أن الأمة من إماء أهل المدينة كانت تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به إلى حيث شاءت 99. وفي رواية الإمام أحمد: «إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به في حاجتها» 100. وفي رواية أخرى له: «إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت» 101.

ومن مظاهر التواضع: عدم المباهاة باللباس، ولبس المتوسط منه، وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحكمة من اللباس، فهو من أجل أن يقي من الحر والبرد، ويستر العورة، لا للفخر والمباهاة {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] .

قال قتادة: من القطن والكتان والصوف، وقد قال في أول السورة: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل: 5] من البرد 102.

وقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] .

فقد امتن الله على الخلق بأن جعل لهم لباسًا وريشًا، والرياش: جمع ريش: وهو اللباس، قال الفراء: ريش ورياش كما يقال: لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به، وقيل المراد بالريش هنا: الخصب ورفاهية العيش، قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة، وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبت له دابة وريشها، أي: وما عليها من اللباس، وقيل المراد بالريش هنا: لباس الزينة؛ لذكره بعد قوله: {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} وعطفه عليه 103.

ولما كان هذا هو المقصود من اللباس، وهو الوقاية والستر، عقب بعده بقوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} أي: ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه، خير لكم يا بني آدم، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم، هكذا فالبسوه 104.

والحاصل: أن من علامات التواضع التوسط في اللباس، وعدم المبالغة فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البذاذة من الإيمان) 105.

والبذاذة: رثاثة الهيئة، يقال: بذّ الهيئة، وباذّ الهيئة، أي: رثّ اللبسة، والمراد: التواضع في اللباس، وترك التبجّح به 106.

وقوله: (من الإيمان) أي: من كمال أهله، والمراد من الحديث: أن التواضع في اللباس، والتوقي عن الفائق في الزينة من أخلاق أهل الإيمان، والإيمان هو الباعث عليه 107.

ولا يمنع هذا من التجمل، فخير الهدي -في قضية اللباس- هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هديه في اللباس أجمل الهدي وأحسنه، فقد كان صلى الله عليه وسلم متواضعًا في لباسه، ومع ذلك كان يتجمل للوفود، وفي يوم الجمعة، ويحث أمته على إظهار نعمة الله عليهم، فقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل، يحبّ الجمال) 108.

فكان صلى الله عليه وسلم يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن، وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين، فيلبس جبّة من صوف أحيانًا، وأحيانًا يتّزر بعباءة ويهيئ إبل الصدقة، يعني: أنه يطلبها بيده ويصلحها، كما يفعل أرباب الإبل بها 109.

والمقصود: أن ترك اللباس الفاخر والثياب الغالية -وإن كانت حلالًا- تواضعًا لله ليس بخلًا على النفس ولا شهرة؛ علامة على التواضع، فالتوجيه الشرعي في أمر اللباس أنه يستحب للناس أن يتوسطوا ويعتدلوا فيه، من غير إسراف ولا مخيلة، ومن غير رداءة ولا رثاثة، فالاعتدال مندوب في جميع الأمور، ومنها اللباس الذي يقي الإنسان من الحر أو البرد، ويتزين به للناس.

1.التواضع للحق وللخلق من صفات الأنبياء والمرسلين، الذين عرفوا الحق فاتبعوه، والباطل فاجتنبوه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة، وهو كذلك من صفات أتباعهم الصالحين، كما سيأتي بيانه في الآتي:

أولًا: تواضع الأنبياء والرسل:

أشار القرآن في غير موضع إلى تواضعه صلى الله عليه وسلم فقال له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

والمعنى: من رحمة الله عليك أن عاملت أصحابك باللين والرفق، وهذا شيء خصّك الله به، فقد حباك بآداب القرآن العالية، وحكمه السامية، فهانت عليك المصائب، هذا مع أنّ كثيرًا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف؛ إذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها.

وتنوين {رَحْمَةٍ} للتعظيم. أي: فبرحمةٍ عظيمة لهم كائنةٍ من الله تعالى، وهي ربطه على جأشه، وتخصيصه بمكارم الأخلاق، كنت ليّن الجانب لهم، وعاملتهم بالرفق، والتلطّف بهم ... ، ولو {كُنْتَ فَظًّا} جافيًا في المعاشرة قولًا وفعلًا، والفظّ: هو الكريه الخلق، أو هو الغليظ الجانب، السيئ الخلق {غَلِيظَ الْقَلْبِ} قاسيه {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} لتفرّقوا من عندك، ولم يسكنوا إليك، وتردّوا في مهاوي الردى 110.

والفظاظة والشراسة والخشونة في المعاشرة، والقسوة والغلظة والتكبر من الأخلاق المنفّرة للناس، لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرّقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وإذًا لفاتهم هدايتك، ولم يبلغ قلوبهم دعوتك.

وتقديم المجرور {فَبِمَا رَحْمَةٍ} مفيد للحصر الإضافي، أي: برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأن أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألان خلق رسوله؛ رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمة 111.

ودل الفعل الماضي في قوله: {لِنْتَ} على أن ذلك وصف تقرر وعرف من خلقه، وأن فطرته على ذلك برحمة من الله؛ إذ خلقه كذلك، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فخلق الرسول مناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله؛ لأن الرسول يجيء بشريعة يبلغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعين لا مصانعة فيه، ولا يتأثر بخلق الرسول، وهو أيضًا مأمور بسياسة أمته بتلك الشريعة، وتنفيذها فيهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خلق الرسول لطباع أمته؛ حتى يلائم خلقه الوسائل المتوسل بها لحمل أمته على الشريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم 112.

وهذه الآية: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومن عجيب أمره صلى الله عليه وسلم أنه كان أجمع الناس لدواعي العظمة، ثم كان -مع ذلك- أدناهم إلى التواضع، فكان أشرف الناس نسبًا، وأوفرهم حسبًا، وأزكاهم عملًا، وأسخاهم كرمًا، وأفصحهم بيانًا، وكلها من دواعي العظمة، ثم كان من تواضعه عليه السلام أنه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويجيب دعوة العبد المملوك، فصلوات الله وسلامه على السراج المنير بحر المكارم والفضائل 113.

ويبيّن السعدي رحمه الله ما للأخلاق الحسنة في الرئيس من أثر على عامة الناس، فيقول: «والأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغّبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفّر الناس عن الدين، وتبغّضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم من اللين وحسن الخلق والتأليف؛ امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله» 114.

والمقصود: أن هذه الآية وما أشبهها من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، ومن جملة هذه الأخلاق التواضع، ولين الجانب لأصحابه، فهو سيد المتواضعين صلى الله عليه وسلم، فليس هناك خلق تجلّى في سيرة سيد المتواضعين، وسيد الخلق أجمعين -صلوات الله وسلامه عليه- كما تجلّى خلق التواضع، وإنك لتجد هذا الخلق سجيّة في شخصه الكريم، في سائر أحواله، في بيته، وبين أصحابه، في سفره وإقامته، في لباسه ومركبه، ومأكله ومشربه، ويقظته ومنامه، وفي سائر حياته، يسلّم على الغلمان ويداعبهم، ويذهب مع الفقير والجارية وسائر أصحاب الحاجات ليقضي لهم حاجاتهم، وكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وكان لا يشرب حتى يفرغ أصحابه فيشرب فضلتهم، وكان ينام على الحصير فيؤثر في جنبه.

فتواضعه ظاهر في كل أخلاقه، ركب الحمار، وأردف عليه، والعرب في كبرياء نفوسهم لا يرون ذلك لذوي الزعامة والشأن منهم، أجاب دعوة الداعي الذي دعاه إلى إهالة سنخة وخبز من شعير فأجاب، يغشى الأنصار في بيوتهم فيسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، -صلوات الله وسلامه عليه-، توقظه الأمة حتى يقضي حاجتها، كلّمه رجل يوم فتح مكة فلما كلّمه أصاب ذلك الرجل رعدة احترامًا وتقديرًا لرسول الله، فقال: (هوّن عليك! إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) 115.

سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) 116

وقالت: (كان يخصف نعله، ويرقّع ثوبه) 117.

والمقصود: أن التواضع خلقه وصفته في حضره وسفره، والتواضع خلقه مع أصحابه ومع أعدائه، والتواضع خلقه مع الأغنياء والفقراء، مع الصغار والكبار، رقيق القلب، رءوفًا بأمته، حريصًا عليهم، ساعٍ في تأليفهم، فأحبّوه المحبة الصادقة فوق محبة المال والأهل والولد، يقول له أحد أصحابه: يا رسول الله! إني أحبك، فكلما ذكرتك لم تقر عيني حتى أنظر إليك، ولكنني أفكر بعد موتي وعلو منزلتك ماذا سأفعل؟ فأنزل الله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] 118.

من تواضعه عليه السلام: أنه خدم أضيافه بنفسه، قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} [الذاريات: 26 - 27] .

قوله: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} الروغان: هو الذهاب في اختفاء بحيث يكاد لا يشعر به، وهذا من كرم رب المنزل المضيّف، أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه 119.

والمقصود أنه ذبحه، فشواه في الرضف، وأتاهم به، قال تعالى: {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} يدل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف 120.

وقوله: {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} أخذ العلماء فقهًا آخر من فقه الضيافة، ألا وهو أن صاحب البيت نفسه يستحب له أن يباشر خدمة الأضياف بنفسه، ولا يجعل الخدم فقط هم الذين يتولون تقديم الطعام، فإن مباشرة صاحب البيت تقديم الطعام بنفسه للأضياف تفهمهم مدى حفاوته واهتمامه بهم، وإن كان المؤدى واحد، لكن حسن الاستقبال مع القيام على الخدمة كل ذلك يشعر الأضياف باهتمام صاحب البيت بهم، وهذا ينعكس بمودة ومحبة في قلب الضيف؛ لأن المضيف جمع له بين الحسنيين: حسن الضيافة، وحسن البشاشة والاستقبال.

ومن أوجه تسميتهم مكرمين، قيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته بنفسه إياهم 121.

والمقصود أن من تواضعه عليه السلام أنه ذهب إلى أهله، وأحضر العجل، وذبحه بنفسه، وقرّبه إليهم، مع الإمكان أن يقوم غيره بهذه المهمة.

وهذا موسى كليم الرحمن، أحد أولي العزم من الرسل، يذكر الله عنه قصته مع الخضر العبد الصالح، التي تعلّمنا كيف يتعلم الأكبر والأعلم من الأصغر، والأقل منه رتبة، فإن موسى عليه السلام كليم الله، مع كثرة علمه وعمله أمره الله أن يصحب العبد الصالح وهو الخضر، في رحلة استطلاعية، وجولة ميدانية، تدل على أن التواضع خير من العجب والكبر، قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] .

فموسى وهو نبيٌّ عظيم، ورسول كريم عزم على الذهاب إلى الخضر، والتفتيش عنه، ولو أنّه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، ثمّ لما اجتمع به، تواضع له، وعظّمه، واتبعه في صورة مستفيد منه.

قال الزجاج: وفيما فعل موسى عليه السلام، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه 122.

قال الرازي: «اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر.

فأحدها: أنه جعل نفسه تبعًا له؛ لأنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ}

وثانيها: أن استأذن في إثبات هذا التبعية، فإنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع.

وثالثها: أنه قال: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} وهذا إقرار له على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.

ورابعها: أنه قال: {مِمَّا عُلِّمْتَ} وصيغة (من) للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله، وهذا أيضًا مشعر بالتواضع؛ كأنه يقول له: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزًءا من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءًا من أجزاء ماله.

وخامسها: أن قوله: {مِمَّا عُلِّمْتَ} اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم.

وسادسها: أن قوله: {رُشْدًا} طلب منه للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال.

وسابعها: أن قوله: {تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} معناه: أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهًا بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم.

وثامنها: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلًا لذلك الغير، فإنا إذا قلنا: لا إله إلا الله، فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة، فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة، لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها، بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها؛ لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ثبت هذا فنقول قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيًا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض.

وتاسعها: أن قوله: {أَتَّبِعُكَ} يدل على طلب متابعته مطلقًا في جميع الأمور، غير مقيد بشيء دون شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت