فهرس الكتاب

الصفحة 2220 من 2431

«وليس معنى أن الواجبات على المرأة مساوية للحقوق التي لها على الرجل أن المرأة مساوية للرجل من كل الوجوه، فإن الإسلام قرر فقط تساوى الحقوق والواجبات بالنسبة لها، وليس لذلك علاقة بشأن المساواة بينها وبين الرجل في نوع الحقوق والواجبات.

ولكي لا يفهم أحد هذا المعنى قال الله سبحانه وتعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فالرجل ليس مساويًا للمرأة، وليست المرأة مساوية الرجل؟

لأن قانون المساواة يوجب أولًا تحقق المماثلة، ومن البداهة أنه لا مماثلة بينهما، فهما وإن كانا من جنس واحد إلا أنهما نوعان متقابلان غير متماثلين، وإن كان كلاهما متممًا للآخر، ومن ازدواجهما يتكامل النوع الإنساني ويسير في مدارج الكمال. وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين، وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه، فجعل له الرياسة» 50.

أما المساواة المزعومة التي ينادي بها أعداء الإسلام فليست مساواة، بل هي الظلم كل الظلم للمرأة.

يقول الشيخ الشعراوي: «وعجيب أن يرى البعض أن الذكورة نقيض الأنوثة، ويثيرون بينهما الخلاف المفتعل الذي لا معنى له، فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار، وهما آيتان يستقبلهما الناس جميعًا، هل نجري مقارنة بين الليل والنهار، وهما آيتان يستقبلهما الناس جميعًا؟ هل نجري مقارنة بين الليل والنهار أيهما أفضل؟ لذلك تأمل دقة الأداء القرآني حينما جمع بين الليل والنهار، وبين الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } [الليل:1 - 4] .

أي: مختلف، فلكلٍّ منكما مهمته، كما أن الليل للراحة والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكامل سعيكما ينشأ التكامل الأعلى.

فلا داعي إذن لأن أطلب المساواة بالمرأة، ولا أن تطلب المرأة المساواة بالرجل، لقد صدعت رؤوسنا من هؤلاء المنادين بهذه المساواة المزعومة، والتي لا معنى لها بعد قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } [الليل:4] ، أي: مختلف، فلكلٍّ منكما مهمته، كما أن الليل للراحة والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكامل سعيكما ينشأ التكامل الأعلى» 51.

خلاصة الأمر أن الإسلام الحنيف ساوى بين الرجل والمرأة مساواة حقيقة لا جور فيه لأحدهما على الآخر، هذه المساواة لها مظاهر متعددة، منها:

-ساوى بينهما في الثواب والعقاب، فلا يفرق بينهما في الثواب والعقاب بسبب ذكورة أو أنوثة. «وقد بين الله تعالى علة هذه المساواة بقوله (? ? ?) فالرجل مولودٌ من المرأة، والمرأة مولودةٌ من الرجل، فلا فرق في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي: وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق» 52.

-ساوى بينهما في أصل الخلقة، فكلاهما مخلوق لله، وينتهي أصلهما لآدم عليه السلام وآدم مخلوق من تراب.

-ساوى بينهما بأن شرع لكل منهما ما يناسب طبيعته التي خلقه عليها، فلم يكلف واحدًا منهما ما يتناقض وطبيعته أو يعجز عن القيام به. «فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد» 53.

-ساوى بينهما في الحقوق والواجبات، فإذا نظرنا إلى حقوق كلٍ منهما نجدها مساوية للواجبات المفروضة عليه للطرف الآخر.

ثانيًا: حقوق المرأة:

ومن مظاهر تكريم الله تعالى للمرأة أن أوجب لها حقوقًا كثيرة لم يقررها لها أي تشريعٍ آخر، هذه الحقوق منها حقوق مادية ومنها حقوق معنوية، نذكر بعضها:

الحقوق المادية:

1.أن يدفع لها مهرًا للزواج بها.

وهذا المهر واجب، «وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق. ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا طيبًا» 54.

يقول تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ?) [النساء:4] .

هذا الصداق إنما هو ملك خالص لها لا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئًا إلا بطيب نفسٍ منها.

قال تعالى: فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء:4] .

أو يكون عن طريق الخلع (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّ) [البقرة:229] .

أما لو أراد الزوج من تلقاء نفسه أن يطلقها ليتزوج بغيرها فهذا لا يحل له أن يأخذ منها شيئًا (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ? أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ?20?وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى? بَعْضُكُمْ إِلَى? بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ?21?) [النساء:20 - 21] .

هذا الصداق واجب حتى ولو كانت الزوجة كتابية (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ?) [المائدة:5] .

بل «قال المالكية: شروط صحة النكاح أن يكون بصداقٍ، ولو لم يذكر حال العقد فلا بد من ذكره عند الدخول، أو تقرر صداق المثل» 55.

2.النفقة عليها في حدود المعروف.

ومن حقوقها أيضًا النفقة عليها، يقول تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى? يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق:6] .

نفقة المرأة على زوجها واجبة، ولا تسقط لشيء غير النشوز 56، بل إنه إذا لم يعطها ما يكفيها وولدها فلها أن تأخذ من ماله بدون علمه بالمعروف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) 57.

والنفقة لا تقتصر على الزوجة، بل يلزم الرجل أن ينفق على أمه وأخته وبنته، فـ «نفقة الأم تجب على ولدها في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون والده عاجزًا عن الإنفاق عليها. الحالة الثانية: أن يكون والده متوفى، وهي خلية من الزوج 58.

يقول تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ? قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [البقرة:215] .

«استدل بهذه الآية على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الواجد، وحمل بعضهم الآية على أنها في الوالدين إذا كانا فقيرين وهو غني» 59.

أما نفقة البنت فهي واجبة مثلها مثل الابن في ذلك، ولا خلاف في ذلك.

3.السكنى والكسوة والإطعام.

سكنى الزوجة واجبة على زوجها اتفاقًا؛ لأن الله تعالى جعل للمطلقة الرجعية السكنى على زوجها {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق:6] ؛ فوجوب السكنى لغير المطلقة أولى. ولأن الله تعالى أوجب المعاشرة بين الأزواج بالمعروف {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] ، ومن المعروف المأمور به أن يسكنها في مسكنٍ تأمن فيه على نفسها ومالها، كما أن الزوجة لا تستغني عن المسكن؛ للاستتار عن العيون والاستمتاع وحفظ المتاع. فلذلك كانت السكنى حقًا لها على زوجها، وهو حقٌ ثابتٌ بإجماع أهل العلم 60.

والكسوة واجبة أيضًا، قال الماوردي «أما كسوة الزوجة فمستحقةٌ على الزوج؛ لقول الله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233] .

ولأن اللباس مما لا تقوم الأبدان في دفع الحر والبرد إلا به، فجرى في استحقاقه على الزوج مجرى القوت» 61.

عن معاوية القشيرى قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت -أو اكتسبت- ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) 62.

وهناك اختلافات بين الفقهاء في بعض تفاصيل تطلب من مظانها في كتب الفروع.

الحقوق المعنوية:

1.القوامة.

قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ?) [النساء:34] .

قد يلفت الانتباه جعل القوامة حقًّا من حقوق المرأة مع أن المتبادر إلى أذهان كثير من الناس أن القوامة حق للرجل، ولكن يمكن القول: إن القوامة حق للمرأة، وذلك أن «القوام: المبالغ في القيام» 63.

فكأنه مأمور بالمبالغة في القيام على شؤون المرأة، لذلك كانت الآية الكريمة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ?) [النساء:34] .

فالقوام: «الذي يقوم على شأن شيءٍ ويليه ويصلحه، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيام بعلاقة اللزوم، أو شبه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل ... وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي» 64.

فـ «ليست القوامة مطلق الرياسة، بل إن الرياسة تسمى قوامة إذا كان الرئيس يقوم على رعاية المرؤوس والمحافظة على حقوقه وواجباته.

ومن هذا المعنى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) فإن المعنى: أن الرجال يقومون على شؤون النساء بالحفظ والرعاية والكلاءة والحماية، فيقوم الآباء على رعاية بناتهم والمحافظة على أنفسهن وأخلاقهن ودينهن، والأزواج يقومون على شؤون زوجاتهم بالحفظ والرعاية والحماية والصيانة، ومن هنا تجيء الرياسة، بل إن قيام الرجل على شؤون الزوجة ليس فيه رياسة، إنما فيه حماية ورعاية وهو من قبيل توزيع التكليفات، فإذا كان للرجل رياسة عامة فللمرأة أيضا رياسة نوعية، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) » 65.

وهذا المعنى هو الذي يفهم من السياق، وذلك أن الآية قبلها تتحدث عن الميراث (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ? وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) [النساء:33] .

فلما تكلم النساء «في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث بين في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث؛ لأن الرجال قوامون على النساء، فهم وإن اشتركوا في استمتاع كل واحدٍ منهم بالآخر فالله أمر الرجال بالقيام عليهن والنفقة ودفع المهر إليهن» 66.

فكأنها مسوقة لبيان السبب في استحقاق الرجال أكثر من النساء من الميراث.

2.المعاشرة بالمعروف.

التعامل بالمعروف مأمور به في حياة المسلم كلها وفي تعامله مع كل الناس، وأولى الناس بهذا المعروف أقرباؤه، وأولى الأقرباء النساء عامة، لضعفهن، والزوجات خاصة.

يقول تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:19] .

«فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش، وهذا واجبٌ على الزوج» 67.

والمراد بالمعروف: «ما تألفه الطباع السليمة ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة» 68.

بل حتى في حالة حدوث طلاق بين الزوجين يأمر الله تعالى الرجل أن يتعامل معها بالمعروف، سواء أراد أن يردها إلى عصمته أو أراد أن يفارقها، فقال: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ?) [البقرة:231] .

وقال: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [الطلاق:2] .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاشرتهن بالمعروف، ففي حجة الوداع قال: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) 69.

وهناك أمور تتنافى مع المعاشرة بالمعروف، «فالتضييق في النفقة، والإيذاء بالقول، أو الفعل، وكثرة عبوس الوجه، وتقطيبه عند اللقاء، كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف» 70.

3.الإحسان إلى المرأة.

من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة أنه أمر بالرفق بها والإحسان إليها أمًّا وأختًا وبنتًا وزوجة، على ما يأتي بيانه.

أمر بالإحسان إلى الأم ضمن الأمر بالإحسان إلى الوالدين، بل جعل الإحسان إليهما حقًّا تاليًا لعبادة الله تعالى في قوله سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء:36] .

وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام:151] .

وخصها النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد فضل عندما سأله رجل قائلًا: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) 71.

وأمر في الإعطاء أن يبدأ بها، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على المنبر: (يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك وأدناك) 72.

وصلتها حتى ولو كانت غير مسلمة، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: (نعم صلي أمك) 73.

ولكن لا يجوز طاعتهما في معصية الله تعالى لقوله سبحانه {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8] .

أمر بالإحسان إلى البنات، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان العرب يقتلون البنات خشية العار وخشية الفقر، فنهى الله تعالى عن ذلك {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151] .

{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء:31] .

والولد يشمل الذكر والأنثى، بدليل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء:11] .

وذم من قتلها أشد الذم، فقال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) } [التكوير:8 - 9] .

وقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أن الإحسان إلى البنات من أسباب النجاة من النار، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: (من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترًا من النار) 74.

وأمر بالإحسان إلى الأخوات، فإنهن داخلات ضمن القرابة المأمور بالإحسان إليهم في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء:36] .

والإحسان إليهن يكون بصلتهن، ورعايتهن، والنفقة عليهن إن لم يكن متزوجات أو كان بهن فاقة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة) 75.

وقد «كان طاووس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله» 76.

وأمر بالإحسان إلى الزوجات: وقد تقدم طرف من الحديث في هذا الأمر عند بيان حقوق النساء، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم بالزوجات خيرًا، فقال: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرحٍ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) 77.

ومن مظاهر إكرامهن والإحسان إليهن أنه جعل المهر حقًّا للمرأة على زوجها، ونهاه أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذنها، فقال سبحانه: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) } [النساء:4] .

والنحلة: العطية بلا قصد عوض، وسمي المهر نحلة إبعادًا له عن أنواع الأعواض، وتقريبًا به إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضًا عن منافع المرأة عند التحقيق، فإن النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة، وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان عوضها جزيلًا ومتجددًا بتجدد المنافع وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلها، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكرامًا لزوجاتهم 78.

وقريب من هذه الآية قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) } [النساء:20 - 21]

القرآن الكريم ذكر كثيرًا من القصص للعظة والعبرة، وعندما ذكر هذه القصص لم يتخير قصة لسبب أن أصحابها ذكور أو إناث، بل يذكر من القصص ما يؤدي الغرض منها، وبالتالي فإن من هذه القصص ما هو لرجال، ومنها ما هو لنساء، ومنها ما هو لمؤمن، ومنها ما هو لكافر، فلنذكر هنا بعض قصص ذكرت في القرآن الكريم لنساء مؤمنات، وأخرى لنساءٍ كوافر، ولم يصرح في القرآن الكريم باسم امرأة إلا السيدة مريم رضي الله عنها لقصد الستر على النساء، ولأن ذكر الاسم لا يتعلق به كبير فائدة. أما التصريح باسم السيدة مريم رضي الله عنها فلما سيأتي بعد.

أولًا: نساء آدم وإبراهيم عليهما السلام:

1.حواء رضي الله عنها.

الأم الأولى للبشرية، فهي المقدمة وجودًا على كل نساء العالمين، وسميت بهذا الاسم «لأنها خلقت من حي» 79 ولم تفرد لها قصة مستقلة، بل ذكرت تبعًا في قصة آدم عليه السلام، فبعد أن خلقه الله تعالى خلقها منه لتكون زوجًا له، كما قال سبحانه (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [الزمر:6] .

وقد خلقها الله تعالى من ضلع آدم عليه السلام اليسرى، ففي الصحيح: (إن المرأة خلقت من ضلعٍ لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوجٌ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها) 80.

فلما خلقها وأصبحت زوجًا له جامعها فحملت، كما قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ? فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ? فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف:189] .

ثم إن الله تعالى رزقهما ذرية ذكورًا وإناثًا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا) [النساء:1] .

ثم إنه سبحانه أمرهما بسكنى الجنة (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة:35] .

(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَہ) [الأعراف:19] .

ثم حذرهما من اللعين إبليس (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَ?ذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى? [طه:117] .

فأمرهما الله أن يسكنا الجنة ويأكلا من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة نهاهما عنها (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَ?ذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة:35] .

فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَ?ذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19] .

وضمن لهما المولى عز وجل في هذه الجنة الشبع والري والكساء والظل، فقال سبحانه: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى? ?118?وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى? ?119?) [طه:118 - 119] .

ولكن اللعين ظل يوسوس لهما مستخدمًا حيله الخبيثة لإقناعهما، (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى? [طه:120] .

وحلف لهما كذبًا وفجورًا (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21] .

فانطلت عليهما حيلته وانخدعا به (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) [البقرة:36] .

لأنهما لم يخطر ببالهما أن أحدًا يمكن أن يحلف بالله كاذبًا، فأكلا من الشجرة وأخرجا من الجنة إلى الأرض ليعمراها، ثم إنه تعالى ذكر توبتهما بقوله: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23] .

ثم إن الله تعالى حذر أولادهما من هذا العدو اللدود الذي يتربص بهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ? إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ?27? [الأعراف:27] .

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أن السيدة حواء ظلمت عندما نسب إليها بعض الناس أنها كانت السبب في إغواء آدم عليه السلام وإخراجه من الجنة، وهذا فيه تجنٍّ عليها، فالقرآن الكريم نسب الأكل من الشجرة إليهما (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ? [طه:121] .

ونسب العصيان لآدم عليه السلام (وَعَصَى? آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? [طه:121] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت