ومع هذه المعجزة العظيمة التي حصلت في حضورهم ووجودهم إلا أنهم أعرضوا عن الإيمان بالله وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم وكذبوا وقالوا: سحرٌ شديدٌ يعلو كل سحرٍ 71.
وفي موضع آخر بيَن الله جل ثناؤه كثرة الآيات وتجددها على هؤلاء الكفار، ومع ذلك يعرضوا عنها ولم يلتفتوا لها. قال الله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) } [يس:46] فـ «ما» هنا في هذه الآية نافية، وأتت مع صيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد. و {مِنْ آيَةٍ} فـ {مِنْ} هنا؛ للتوكيد، و {مِنْ آيَاتِ} فـ {مِنْ} هنا تفيد التبعيض. والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} وظاهره يشمل الآيات التنزيلية والتكوينية، والمراد ب عدم الالتفات إليها وترك النظر الصحيح فيها 72.
وجملة {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) } واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحوال ما يبلغونه من القرآن، فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، و دأبهم في كل ما يقال لهم.
والمراد بالآيات: آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإتيان، ووصفها بأنها من آيات ربهم؛ للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم ب عن كلام ربهم كفرًا بنعمة خلقه إياهم 73.
فيخبر الله جل وعلا عن أهل الكفر والشرك، أنهم يلجؤون إليه سبحانه في الشدائد، ويوحدونه ويفردونه بالعبادة، ثم لما ينجيهم من الكرب والشدة، إذا هم يعرضون ويتركون ماكانوا عليه وقت الشدة من إفراده سبحانه بالعبادة، ثم يعودون لما كانوا عليه من الشرك والكفر.
قال الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) } [الإسراء:67] .
فهذا إعراض جديد من أهل الكفر، وهو إن الكفار إذا مسهم الضر في البحر؛ أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك، ضل عنهم؛ أي: غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر» 74.
ثم يخبر سبحانه أنهم بعد مانجاهم الله تعالى من الكرب، كان حالهم عن توحيده، فقال تعالى: {أَعْرَضْتُمْ} أي: عن الإخلاص لله وتوحيده، ورجعتم إلى دعاء أصنامكم والاستغاثة بها. {وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} أي: كثير الكفران لنعمة الله، وهو تعليلٌ لما تقدمه، والمعنى: أنهم عند الشدائد يتمسكون برحمة الله، وفي الرخاء يعرضون عنه 75.
فيخبر الله تعالى في مواضع متعددة من كتابه عن من يعرض عن شكر نعمته سبحانه وتعالى، ويكفر بها بعدما أنعم الله عليه بها، ومن هؤلاء قوم سبأ، حيث قال الله تعالى عنهم: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) } [سبأ:16] .