أي: وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون! وهم مفزعون: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] .
إن الحركة التي تغمر المشهد كله من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة التي تقف عند ما يخيم الظلام، إن هذه الحركة في المشهد لترسم -عن طريق التأثر الإيحائي- حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة، ثم ينكصون عنه فجأة، بين ما يطلبونه من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية، ويجسم صورة شعورية.
وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس، وعندما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة، وأمرًا للبشرية جمعاء أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة، الصورة النقية الخالصة، الصورة العاملة النافعة، الصورة المهتدية المفلحة» 38.
وفي الآية: أن لضرب الأمثال شأنًا في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتّى تريك المتخيّل في صورة المحقّق، والمتوهّم في معرض المتيقّن، والغائب كالمشاهد، فليكثر منه العلماء والمربون.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] .
أي: مثلهم في جهلهم، وقلّة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصمّ، وهو الّذي لا يسمع، أبكم وهو الّذي لا يتكلّم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق؟ أو يخرج مما هو فيه؟ 39.
«إن الذين كذّبوا بآيات الله هذه المبثوثة في صفحات الوجود، وآياته الأخرى المسجلة في صفحات هذا القرآن إنما كذبوا؛ لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطّلة، إنهم صُمٌّ لا يسمعون، بُكْمٌ لا يتكلمون، غارقون في الظلمات لا يبصرون! إنهم كذلك لا من ناحية التكوين الجثماني المادي، فإن لهم عيونًا وآذانًا وأفواهًا، ولكن إدراكهم معطل، فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل! وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها، لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك! وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته، فلم يعد صالحًا لحياة الهدى، ولم يعد أهلًا لذلك المستوى الراقي من الحياة» 40.
بيّن القرآن وسائل النجاة من الظلمات الحسية، وسوف نتناولها بالشرح فيما يأتي:
أولًا: ضوء النهار:
أقسم سبحانه وتعالى بالشمس ونهارها، وإشراقها ضحى، وهي أروق ما تكون في هذه الفترة وأحلى، في الشتاء يكون وقت الدفء المستحب الناعش، وفي الصيف يكون وقت الإشراق الرائق قبل وقدة الظهيرة وقيظها، فالشمس في الضحى في أروق أوقاتها وأصفاها، قال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] .
وابتدئ بالشّمس لمناسبة المقام إيماءً للتّنويه بالإسلام؛ لأنّ هديه كنور الشّمس لا يترك للضّلال مسلكًا، وفيه إشارةٌ إلى الوعد بانتشاره في العالم كانتشار نور الشّمس في الأفق 41.
وقد أخبر سبحانه أنه جعل الشمس مصباحًا مضيئًا يستضيء به أهل الأرض، قال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 16] .
وأخبر سبحانه على نفوذ مشيئته، وكمال قدرته في إزالة الضياء الذي طبّق الأرض فيبدله ظلامًا، وكذلك يزيل الظلمة التي عمتهم وشملتهم فتطلع الشمس فتضيء الأقطار، وينتشر الخلق لمعاشهم ومصالحهم، فقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 37 - 40] .
وفي الآيات تنبيه على عظم خلق الشمس، وكثرة منافعها الدالة على رحمته وسعة إحسانه، فالعظيم الرحيم يستحق أن يعظّم ويحب ويعبد ويخاف ويرجى.
وأخبر سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس مضيئة نهارًا، والقمر منيرًا ليلًا.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] .
قال العلماء: «عند مرور ضوء الشمس في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض يتعرض للعديد من عمليات الامتصاص والتشتت والانعكاس على كل من هباءات الغبار، وقطيرات الماء وبخاره، وجزيئات الهواء الموجودة بتركيز عالٍ نسبيًا في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض، فيظهر بهذا اللون الأبيض المبهج الذي يميز فترة النهار، كذلك يتعرض ضوء الشمس للعديد من عمليات التشتت والانعكاس عندما يسقط على سطح القمر المكسو بالعديد من الطبقات الزجاجية الرقيقة والناتجة عن ارتطام النيازك بهذا السطح، والانصهار الجزئي للصخور على سطح القمر، بفعل ذلك الارتطام، فالقمر-غيره من أجرام مجموعتنا الشمسية- هي أجسام معتمة باردة لا ضوء لها، ولكنها يمكن أن ترى لقدرتها على عكس أشعة الشمس فيبدو منيرًا 42.
ثانيًا: النجوم:
أخبر سبحانه أنه جعل للناس النجوم علامات، يعرفون بها الطرق ليلًا إذا ضلوا بسبب الظلمة الشديدة في البر والبحر، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] .
قال بعض السّلف رحمه الله: «من اعتقد في هذه النّجوم غير ثلاثٍ فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أنّ اللّه جعلها زينةً للسّماء، ورجومًا للشّياطين، ويهتدى بها في الظلمات البرّ والبحر» 43.
روى البغوي في سننه عن عمر رضي الله عنه أنّه قال: «تعلّموا من النّجوم ما تعرفون به القبلة والطّريق، ثمّ أمسكوا» 44.
قال ابن رجب رحمه الله: «والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرّم، قليله وكثيره» 45.
وروى أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما اقتبس رجلٌ علمًا من النّجوم، إلا اقتبس بها شعبةً من السّحر، ما زاد زاد) 46.
«فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها، كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم، فالاهتداء هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية، وفي ظلمات العقل والضمير، والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى، وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم» 47.
ودلت الآية على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالّها الذي يسمى علم التسيير، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن إلا بذلك.
وأخبر سبحانه أنه خلق للإنسان النجوم؛ ليهتدي بها بالليل في البراري أو في البحار، قال تبارك وتعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] .
قال العلماء: «يقع النجم القطبي على امتداد محور دوران الأرض حول نفسها تمامًا، وبذلك يحدد لنا اتجاه الشمال الحقيقي، ويتعامد على هذا الاتجاه يمينًا شرق الأرض ويسارًا غربها، أي: اتجاه الشرق الحقيقي والغرب الحقيقي بالنسبة للأرض ككوكب، ويتضح من ذلك جانب من جوانب الحكمة الإلهية المبدعة بخلق هذه العلاقة حتى يبقى النجم القطبي بمثابة البوصلة الكونية المعلقة في السماء الدنيا؛ لإرشاد أهل الأرض إلى الاتجاهات الأربعة الأصلية» 48.
ثالثًا: الدعاء والالتجاء إلى الله:
بيّن سبحانه وتعالى للناس في كتابه أنهم إذا ادلهمت بهم الخطوب في البر والبحر لجأوا إليه مخلصين في الدعاء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] .
عن قتادة رحمه الله قال: «إذا مسّهم الضّرّ في البحر أخلصوا له الدّعاء» 49. ومعنى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ممحضين له العبادة في دعائهم 50.
وكان صلى الله عليه وسلم يعلّم الصحابة اللجأ إلى ربهم؛ ليخرجهم من الظلمات بأنواعها، روى أبو داود في سننه بسنده عن عبد الله رضي الله عنه قال: «وكان يعلّمنا كلماتٍ ولم يكن يعلّمناهنّ كما يعلّمنا التّشهّد: (اللّهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السّلام، ونجّنا من الظّلمات إلى النّور) » 51.
وأخبر سبحانه أنه يرحم عباده المؤمنين، ويثني عليهم، وتدعو لهم ملائكته؛ ليخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والهداية.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .
قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: «لمّا نزل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] .
قال المهاجرون والأنصار: هذا لك يا رسول الله خاصة، وليس لنا فيه شيء، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية».
وهذه نعمةٌ من اللّه تعالى على هذه الأمّة من أكبر النّعم، ودليلٌ على فضلها على سائر الأمم، والصّلاة من اللّه على العبد: هي رحمته له وبركته لديه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم، كما قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] 52.
ونور الله واحد متصل شامل وما عداه ظلمات تتعدد وتختلف، وما يخرج الناس من نور الله إلا ليعيشوا في ظلمة من الظلمات، أو في الظلمات مجتمعة، وما ينقذهم من الظلام إلا نور الله الذي يشرق في قلوبهم، ويغمر أرواحهم، ويهديهم إلى فطرتهم، وهي فطرة هذا الوجود، ورحمة الله بهم، وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم، هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور حين تتفتح قلوبهم للإيمان 53.
بيّن القرآن الكريم وسائل النجاة من الظلمات المعنوية، وسوف نتحدث عنها فيما يأتي:
أولًا: الإيمان بالله عز وجل وطاعته:
قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .
هذا مثلٌ ضربه اللّه تعالى للمؤمن الّذي كان ميتًا، أي: في الضّلالة هالكًا حائرًا، فأحياه اللّه، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له، ووفّقه لاتّباع رسله، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} أي: يهتدي كيف يسلك! وكيف يتصرّف به!
والنّور: هو القرآن، كما رواه العوفيّ، وابن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه، وقال السّدّيّ: «الإسلام» ، والكلّ صحيحٌ. {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} أي: الجهالات والأهواء والضّلالات المتفرّقة. {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} أي: لا يهتدي إلى منفذٍ، ولا مخلصٍ ممّا هو فيه 54.
وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} يتضمن أمورًا:
أحدها: أنه يمشي في الناس بالنور، وهم في الظلمة، فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل، فضلوا ولم يهتدوا للطريق، وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها، ويرى ما يحذره فيها.
وثانيها: أنه يمشي بنوره، فهم يقتبسون فيه لحاجتهم إلى النور.
وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم 55.
«فالأول: هو المؤمن، استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر: هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته، والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في فواته.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعل النور في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، حتى يقول: (واجعلني نورًا) 56، فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نورًا» 57.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده فيما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: (اللهمّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا) أو قال: (واجعلني نورًا) 58.
وقد ضرب سبحانه وتعالى النور في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون، فقال سبحانه وتعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35] .
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: «مثل هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزّيت الصّافي يضيء قبل أن تمسّه النّار، فإذا مسّته النّار ازداد ضوءًا على ضوءٍ، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدًى على هدًى» 59.
«وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر.
فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا» 60.
وفي هذا المعنى ورد عن عبد اللّه رضي الله عنه: «فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، قال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتّى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرّةً، ويطفئ مرّةً، فإذا أضاء قدمه، وإذا طفئ قام، فيمرّ ويمرّون على الصّراط، والصّراط كحدّ السّيف، دحض مزلّةٍ، فيقال: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرّ كالطّرف، ومنهم من يمرّ كالرّيح، ومنهم من يمرّ كشدّ الرّجل، ويرمل رملًا، فيمرّون على قدر أعمالهم حتّى يمرّ الّذي نوره على إبهام قدمه» 61.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نور فقراء المهاجرين يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، كنّا عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يومًا آخر حين طلعت الشّمس، فقال: (سيأتي ناسٌ من أمّتي يوم القيامة، نورهم كضوء الشّمس) قلنا: ومن أولئك يا رسول اللّه؟ قال: (فقراء المهاجرين الّذين يتّقى بهم المكاره، يموت أحدهم، وحاجته في صدره، يحشرون من أقطار الأرض) 62.
«إن هذه العقيدة تنشيء في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نورًا بعد الظلمات، حياة يعيد بها تذوّق كل شيء، وتصوّر كل شيء، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة، ونورًا يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديدًا كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان، إن الإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة، فهو حياة، وإن الإيمان تَفَتُّحٌ ورؤية، وإدراك واستقامة، فهو نور بكل مقومات النور، وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة، وظل ممدود، ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس.
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد الوضوح في كل شأن، وفي كل أمر، وفي كل حدث، يجد الوضوح في نفسه، وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته، ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه!
ويجد الراحة في باله وحاله ومآله!
ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها!
ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة، وفي كل حين!» 63.
ثانيًا: اتباع الرسول وطاعة أمره:
قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15] .
يعني بالنور: محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيّن الحق 64.
وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم ويطيعونه هم المفلحون، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
أي: آمنوا بمحمّدٍ صلى الله عليه وسلم واتّبعوه فيما جاء به من الشّرائع، وعظّموه ووقّروه، ومنعوه من عدوّه، وقاموا بنصره على من يعاديه، واتّبعوا القرآن المنزّل إليه مع اتّباعه بالعمل بسنّته ممّا يأمر به، وينهى عنه، أولئك هم الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم 65.
قال ابن القيم رحمه الله: «إن الخارجين عن طاعة الرسل يتقلّبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.
وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلّبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم من النور ما ليس لأمة غيرها، ولنبيّها صلى الله عليه وسلم من النور ما ليس لنبي غيره» 66.
ثالثًا: اتباع شرع الله وكتابه المنزل:
سمّى سبحانه وتعالى وحيه وأمره الذي أنزله على رسوله روحًا؛ لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسمّاه نورًا لما يحصل به من الهدى، واستنارة القلوب والفرقان بين الحقّ والباطل، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] .
وقال جل وعلا: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .
فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الّذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورًا يمشي به بين أهل الظّلمة كما يمشي الرّجل بالسّراج المضيء في الظّلمة.