فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 2431

ودمه)، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يمسح عينيه، وقال: (إن عادوا لك فعد لهم بما قلت) ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» 41.

ويلاحظ من هذا أن عمار بن ياسر رضي الله عنه كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من شدة الضرب والأذى، لكن قلبه يأبى ويرفض ما قاله بلسانه، فقلبه مطمئنٌ بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

وعليه فإن الإنسان إذا أكره على التلفظ بألفاظ الكفر، فهو في حالة اضطرار، فيجوز له التلفظ بالكفر؛ لأنه لو فعل ما أراده المكره لأدى ذلك إلى قتله وهلاكه، والحفاظ على النفس من الهلاك مقصدٌ من مقاصد الشريعة.

ويخلص من هذا إلى أن إباحة ما كان محرمًا من الأطعمة والأشربة والأدوية، وقتل النفس، والتلفظ بالكفر هي صورٌ لحالة الاضطرار التي ترخص للإنسان المضطر وتبيح له أن يأخذ بها، ويزيل عنه الضرر الحال الذي ألم به.

1.كما أن للاضطرار حقيقةً وحدًا، فكذلك له شروط وضوابط محددة ليكون العمل بحكم الضرورة شرعيًا، وتفصيل هذه الضوابط فيما يأتي:

أولًا: اليقين أو غلبة الظن بوقوع الضرر:

إن من شروط العمل بهذه الرخصة التي أباح الله عز وجل الأخذ بها للإنسان المضطر أن يكون متيقنًا من وقوع الضرر ولحوقه به، فاليقين هو إدراك الشيء من غير احتماليته لشيء آخر، أما غلبة الظن فهي تحتمل أمرين أحدهما أرجح في نفس المضطر بحسب النظر فيما يظهر له.

قال أبو هلال العسكري: «إن الظن ضرب من أفعال القلوب يحدث عند بعض الأمارات، وهو رجحان أحد طرفي التجوز، وإذا حدث عند أمارات غلبت وزادت بعض الزيادة فظن صاحبه بعض ما تقتضيه تلك الأمارات سمي ذلك غلبة الظن. ويستعمل الظن فيما يدرك وفيما لا يدرك» 42.

وهذا الظن يجب أن يكون مبنيًا على النظر في الأدلة الشرعية، والحجج والبراهين والقرائن واستقراء الأحوال، لا ظنًا مبنيًا على الهوى والشهوة ومخالفة النصوص الصحيحة الصريحة، فهذا ظن مذموم لا يجوز الاعتماد عليه، ولهذا الضابط أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

ومنها -على سبيل المثال لا الحصر-: قوله جل جلاله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .

وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] .

وغيرهما الكثير.

ووجه دلالة مثل هذه الآيات تفيد لو أن الإنسان كلف بالوصول إلى درجة اليقين لكلف ما لا يطيق، فيكون هذا من التعسير والوقوع في الحرج، وليس من التيسير.

أما من السنة النبوية المطهرة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم، كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) 43، وقد ورد عن أبي واقدٍ الليثي قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرضٍ تصيبنا بها مخمصةٌ، فما يحل لنا من الميتة؟ قال: (إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلًا 44، فشأنكم بها) 45.

ووجه دلالة مثل هذه الأحاديث أننا مأمورون بمجموعة من الأوامر، وعلينا تنفيذها بقدر استطاعتنا، فما لا يدخل في استطاعتنا فإننا لسنا مطالبين بتنفيذه، فالحصول على درجة اليقين ليس مستطاعًا في كل أمر، فإنه يتعذر، وحيث تعذر فإنه يصار إلى ما هو أخف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت