فهرس الكتاب

الصفحة 1727 من 2431

وعن عمر بن سلمة الهمداني؛ قال: «كنا جلوسًا في حلقة ابن مسعودٍ في المسجد وهو بطحاء قبل أن يحصب، فقال له عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وكان أتى غازيًا: ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة.

ثم حلف على ذلك ثلاث أيمانٍ ولاءً، ثم خط في البطحاء خطًا بيده، وخط بجنبيه خطوطًا، وقال: ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه، وطرفه الآخر في الجنة، فمن ثبت عليه، دخل الجنة، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك.

وفي روايةٍ: «يا أبا عبد الرحمن! ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌ وعن يساره جوادٌ، وعليها رجالٌ يدعون من مر بهم: هلم لك! هلم لك! فمن أخذ منهم في تلك الطرق؛ انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم؛ انتهى به إلى الجنة، ثم تلا ابن مسعودٍ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} الآية كلها.

وعن مجاهدٍ في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} ، قال: البدع والشبهات.

وعن عبد الرحمن بن مهدي: قد سئل مالك بن أنسٍ عن السنة؟ قال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .

قال بكر بن العلاء: يريد إن شاء الله حديث ابن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم خط له خطًا»، وذكر الحديث.

فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعةٍ دون أخرى.

ومن الآيات قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) } [النحل:9] .

فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائرٌ عن الحق؛ أي: عادلٌ عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله، وكفى بالجائر أن يحذر منه، فالمساق يدل على التحذير والنهي.

وذكر ابن وضاحٍ؛ قال: «سئل عاصم بن بهدلة، وقيل له: أبا بكرٍ!، هل رأيت قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) } [النحل:9] ؟ قال: حدثنا أبو وائلٍ عن عبد الله بن مسعودٍ؛ قال: (خط عبد الله خطًا مستقيمًا، وخط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا عن شماله، فقال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، فقال للخط المستقيم: هذا سبيل الله، وللخطوط التي عن يمينه وشماله: هذه سبلٌ متفرقةٌ، على كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه؛ والسبيل مشتركةٌ؛ قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} إلى آخرها) .

عن التستري: {قَصْدُ السَّبِيلِ} : طريق السنة، {وَمِنْهَا جَائِرٌ} ؛يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع».

وعن مجاهدٍ: {قَصْدُ السَّبِيلِ} ؛ أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع 37.

وكلام الشاطبي هنا فيما قرره واضح في أن أهل البدع هم أهل الغلو والجور والانحراف عن قصد السبيل، وقد أيد ذلك بما نقله عن الصحابة والتابعين من أهل العلم، قال: «وعن عليٍ رضي الله عنه أنه كان يقرؤها أي {وَمِنْهَا جَائِرٌ} : (فمنكم جائرٌ) ؛ قالوا: يعني هذه الأمة، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنًى واحدٍ.

ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) } [الأنعام:159] .

هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها، قالت:

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هم أصحاب الأهواء، وأصحاب البدع، وأصحاب الضلالة؛ من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل ذنبٍ توبةً، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع، ليس لهم توبةٌ، وأنا بريءٌ منهم وهم مني برآءٌ.) 38.

قال الشاطبي: «قال ابن عطية: هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها عرضةٌ للزلل ومظنةٌ لسوء المعتقد.

ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم الرأي من «كتاب العلم» له» 39.

وحاصل الأمر أن المبتدع يغالي فيشق على نفسه ويلزمها ما رفعه الله تعالى عنه من الحرج والتكليف بما فيه مشقة زائدة؛ قال الشاطبي: «وحاصله أن الشارع طالبه برفع الحرج، وهو يطالب نفسه بوضعه وإدخاله على نفسه وتكليفها ما لا يستطاع، مع زيادة الإخلال بكثيرٍ من الواجبات والسنن التي هي أولى مما دخل فيه، ومعلومٌ أن هذه بدعةٌ مذمومةٌ» 40.

ثالثًا: الاعتداء على الناس وأموالهم:

فهم يعتدون على جميع الناس، غلوا منهم وتشددا ورغبة في الانتقام منهم، وتعجيل عقوبتهم بدلا من الصبر على دعوتهم والترفق بهم لهدايتهم، وحالهم في ذلك حال من قال الله تعالى فيهم: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) } [البقرة:205] .

وإذا كانوا كذلك مع الناس جميعا فإنهم لشططهم وغلوهم تجدهم مع أهل الإسلام أشد غلوا وعداوة، منا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ) 41.

رابعًا: ادعاء العلم والتدين:

المبتدعة يدعون لأنفسهم علما لدنيا باطنيا يتميزون به عن الأمة؛ وذلك حتى لا يكون لأحد عليهم حجة؛ لأن العلم الظاهر الذي أنزله الله على رسوله وجعل فيه الحجة - لا يشهد لهم في شيء مما هم عليه من الباطل، وهم لا يستجيبون لما جاء به الله ورسوله فيما لا يوافق أهواءهم؛ وأخبر تعالى أنه لا يمنع من اتباع الهدى إلا اتباع الهوى، وأن عدم الاستجابة للهدى دليل على اتباع الهوى.

قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص:50] .

لذا لجئوا - كذبا وزورا منهم وافتراء على الله ورسوله - إلى ادعاء علم مؤداه أن الله تعالى قد اختصهم به دون خلقه جميعا بما في ذلك أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول أحد محققيهم 42: «لقد فنى الصوفيه في حب مولاهم وتخلقوا بأخلاقه وتأدبوا بآدابه وتربوا في محاربيه وعاشوا في ذكره ومناجاته فعلمهم وطهرهم وزكاهم واصطفاهم واجتباهم وأحبهم ورضى عنهم ففتح لقلوبهم ملكوت السموات والأرض يريهم عجائب كونه وبدائع قدرته وبدائع قدرته وأسرار خليقته وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوما وأذواقا أو كما يقول الصوفيه أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت.

ومن هذا الفناء جاءهم الخلود وبهذا التخلق أصبحوا ائمة يهدون إلى الله بأمره ويقفون حراسا على آياته ومشاهده مبشرين بكلماته متحدثين عن حضراته داعين إلى محبته ومناجاته مترنمين في آفاقه وجدا وشوقا بتسبيحه وذكره.

يقول العلامة الإمام الكلاباذي واصفًا لمقاماتهم وأحوالهم سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة وخلصت علها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثه وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم أنارت أعلامهم فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش ابصارهم فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق ربانيون» 43.

وهذا الذي ذكرناه قطرة من بحر ما ورد عن الصوفية من ادعاء باطل للعلم لا ينازعون فيه أهل العلم وحدهم؛ بل ينازعون في ذلك رب العرش العظيم في صفة علام الغيوب.

ولا يقصر أهل التشيع عن هذا الغلو الصوفي بل يزيدون عليه ويتجاوزونه بمراحل كبيرة تطفح بها كتبهم المعتمدة لديهم، وليس المجال مجال النقل عنهم في ذلك 44.

وكذلك بقية الفرق من الخوارج والمرجئة وغيرهم ممن اختص ببدعة في دين الله تعالى إنما يدعون جهلا واتباعا للهوى علما تميزوا به عن سائر الخلق.

خامسًا: الغلو في المحبة:

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) } [البقرة:165] .

«من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا أي: أمثالا. مع أن الآيات منعت من أن يكون له ند واحد فضلا عن جماعتها يسوون بينهم وبين الله إذ يحبونهم كحب الله أي: يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله والخضوع له.

والأنداد: إما الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا منها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور وقربوا لها القرابين. وإما رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لا سيما في الأوامر والنواهي. ورجح هذا، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة:166] .

وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى والذين آمنوا أشد حبًا لله من المشركين لأندادهم، لأن أولئك أشركوا في المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلها لله، ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ومنه، ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف المشركين فكانوا يعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه، كما أكلت باهلة إلهها من حيس، عام المجاعة» 45.

ومثل هذا الذي ذكره القاسمي ما يفعله العامة الذين قصدوا قبور الأولياء من ألوان الغلو فيهم؛ حيث رجوا منها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور وقربوا لها القرابين، وغير ذلك مما دعاهم إليه مغالاتهم في محبتهم باعتقاد ما لا يجوز فيهم ووصفهم بما لا يصح إلا لله تعالى؛ فدعاهم هذا الغلو الاعتقادي إلى غلو في السلوك ينافي ما أمرهم الله تعالى به من توحيده وعدم الإشراك به.

وفي هذه الآيات بين الله تعالى أن الغلو في محبة المتبوعين يفضي إلى الاتباع بغير هدى من الله، وهو يفضي بصاحبه إلى الشرك بالله؛ لأن مرجعه إلى الإشراك في محبة الله تعالى؛ بله الغلو في محبة المتبوعين أكثر من محبته سبحانه، وبين ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من تبرؤ المتبوعين من أتباعهم، وما آل إليه أمرهم من العذاب والحسرات التي لا تنقضي، والأمنيات الباطلة بأن يعودوا إلى الدنيا فيتبرئوا من هؤلاء المتبوعين كما تبرئوا منهم، ثم بين حالهم في الدنيا، وكيف أنهم كانوا يتركون اتباع ما انزل الله تعالى لاتباع ما وجدوا عليه آباءهم بغير دليل ولا بينة معرضين عن هدي الله تعالى تقليدا لآبائهم وأوليائهم.

التجرد في طلب الحق أصل مكين من أصول الهداية، وذلك أن الهوى هو الميل النفسي إلى الشيء؛ فإن وافق الهدى، وإلا هوى بصاحبه.

قال الراغب: «الهوى: ميل النفس إلى الشهوة. وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوي: سقوط من علو إلى سفل» 46.

ولذا نهى الله تعالى في كتابه في نصوص كثيرة عن اتباع الهوى.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) } [النساء:135] .

وقال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) } [ص:21] الآيات إلى قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) } [ص:26] .

فهذا حوار جرى بين نبي الله داود عليه السلام وهذين الخصمين، وعاتبه الله تعالى فيه لميله لأحد الخصمين مأخوذا بقوة حجته فسارع إلى الحكم له بقوله {لَقَدْ ظَلَمَكَ} دون استماع للخصم الآخر، «والقضية كما عرضها أحد الخصمين تحمل ظلمًا صارخًا مثيرًا لا يحتمل التأويل.

ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة؛ ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثًا، ولم يطلب إليه بيانًا، ولم يسمع له حجة. ولكنه مضى يحكم: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ} (أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض) {لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} .

ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان: فقد كانا ملكين جاءا للامتحان! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس، ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم» 47.

فيمكن أن يقال: إن الله عد تسرع داود عليه السلام بالحكم دون سماع حجة الآخر من الهوى - وهو وإن كان ميلا غير مقصود بتأثير عارض سحر بيان الخصم - فإنه مما لا يتسامح فيه في حق الأنبياء والمصطفين الأخيار؛ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين 48؛ فحذر الله تعالى نبيه من اتباع الهوى لما يفضي إليه من الضلال عن الحق.

وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) } [الجاثية:23] .

وأخبر تعالى أنه لا يمنع من اتباع الهدى إلا اتباع الهوى، وأن عدم الاستجابة للهدى دليل على اتباع الهوى.

قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص:50] .

وترك اتباع الهوى يقتضي الإخلاص والتجرد لله في طلب الحق والانصياع له، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) } [سبأ:46] .

«والقيام في قوله: {وَأَنْ تَقُومُوا} مراد به المعنى المجازي وهو التأهب للعمل والاجتهاد فيه كقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء:127] .

واللام للتعليل، أي لأجل الله ولذاته، أي جاعلين عملكم لله لا لمرضاة صاحب ولا عشيرة، وهذا عكس قوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت:25] .

أولأجل معرفة الله والتدبر في صفاته» 49.

ترك التقليد بغير بينة أصل مكين كذلك من أصول الهداية في القرآن الكريم؛ ومن أجل ذلك نعى الله على أولئك الغلاة الذين يتبعون آباءهم أو علماءهم أو أحبارهم ورهبانهم أو سادتهم ورؤساءهم دون هدى من الله.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) } [البقرة:165 - 166] .

وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) } [لقمان:21] .

فبين الله تعالى في هذه الآيات أن الاتباع بغير هدى من الله يفضي بصاحبه إلى الشرك بالله؛ لأن مرجعه إلى الإشراك في محبة الله تعالى.

من وسائل الهداية كذلك لترك الغلو: ترك التكلم بغير علم، قال تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) } [الأنعام:50] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى أن يخبر محاوريه بذلك، ويبين لهم أنه لا يتكلم بشيء من قبل نفسه بل يتبع ما يوحى إليه.

قال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143 - 144] .

وقال تعالى: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) } [الأنعام:144 - 145] .

فعظم سبحانه إثم من يحل أو يحرم من قبل نفسه فيضل الناس بغير علم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه أن يعلم محاوريه بوقوفه صلى الله عليه وسلم عند حدود ما أنزل الله إليه فلا يحرم إلا ما حرم الله تعالى.

ولذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحاج محاوريه بسؤالهم عن دليل قولهم فقال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) } [الأنعام:148 - 150] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت