قال الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) } [الحج: 54] .
فقوله: {فَيُؤْمِنُوا بِهِ} أي: يصدقوه وينقادوا له، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخضع وتذل، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات 115.
فهذه بعض صفات أهل الاستقامة على الصراط المستقيم ذكرها الله تعالى في كتابه للعمل بها والسير على منهج أهلها من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ثالثًا: ثمرات الهداية إلى الصراط المستقيم:
من أعظم النعم التي امتن الله تعالى على عباده المؤمنين: نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم، وهذه النعمة لها ثمار يانعة، ولا يستطيع أحد أن يحيط بها، ولكن يكفينا هنا أن نشير إلى بعض ما تضمنته آيات الكتاب المبين والتي قد كشفت عن صنوف الثمار التي يتلقاها، ومن ذلك ما يلي:
-الهداية إلى الحق.
فالإيمان يورث أهله هداية الدلالة والبيان، وهداية التوفيق والإلهام، قال تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الحج: 54] .
فإذا أراد الله بعبده خيرا أمده بنور التحقيق، وأيده بحسن العصمة، فيميز بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظله غمام الريب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا تأثير لضباب الغداة في شعاع الشمس عند متوع النهار 116.
فهداية الدلالة والبيان تتضمن تعليم المؤمن ما لا يعلم من الحق المجمل والمفصل، قال تعالى: (واتقوا الله لعلكم ترحمون) [البقرة: 282] .
أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فهو سبحانه الذي يعلمكم ما يصلح لكم 117.
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال: 29] .
أي: فصلًا بين الحق والباطل، ليظهر به حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم 118.
أما هداية التوفيق والإلهام فتتضمن الإلهام للحق، والتوفيق لاتباعه، والثبات عليه إلى الممات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد: 17] .
والمراد أنه زادهم إيمانا وعلما وبصيرة في الدين وآتاهم تقواهم أي: ألهمهم إياها وأعانهم عليها 119.
والله تعالى يسدد عباده المؤمنين إلى الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه، فقال تعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ? وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213] .
والمعنى: «والله يسدد من يشاء من خلقه، ويرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه.
وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحق: من أن كل نعمة على العباد في دينهم آو دنياهم، فمن الله جل وعز.
فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: (( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ؟ أهداهم للحق، أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم! وإن كان هداهم للحق، فيكف قيل: (( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ؟
قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحق فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم-وهم أهل التوراة الذين بدلوها-فهدى الله مما للحق بدلوا وحرفوا، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم 120.
ويقول جل ثناؤه: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى? صِرَاطِ الْحَمِيدِ(24 ) ) [الحج: 24] .
فهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وطريقه: دينه دين الإسلام الذي شرعه لخلقه وأمرهم أن يسلكوه 121.
فتبين أن أحق الناس بالهداية هم أهل الإيمان وهذه الثمرة من أعظم وأجل الثمار التي يجنيها المؤمن في هذه الحياة.
-الحياة الطيبة.
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: 97] .
يقول ابن كثير: «هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا؛ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله،، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت» 122.
فشرط الحياة الطيبة لكل ذكر وأنثى الإيمان والعمل الصالح.
-السعة في الرزق.
قال الله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: 10 - 12] .
وقال تعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ?16?) [الجن: 16] .
وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96] .
أي: يسرنا لهم خير السماء والأرض كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها قيل: المراد بخير السماء: المطر، وخير الأرض: النبات، والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك 123.
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ? مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ? وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66 ) ) [المائدة: 66] .
-الولاية.
قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 257] .
فهو النصير والمعين للمهتدين على الصراط المستقيم، يتولاهم بعونه، ولا يكلهم إلى غيره سبحانه يقول ابن جرير في معنى الآية: «نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم بعونه وتوفيقه «124.
-النصر على الأعداء.
قال تعالى (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ?47?) [الروم: 47] .
قال الشوكاني: «هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين» 125.
-التمكين والاستخلاف في الأرض.
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ?) [النور: 55] .
فمن الثمار العظيمة التي تحصل لأهل الاستقامة على الصراط المستقيم: التمكين لهم، فالاستخلاف في الأرض والتمكين لهم وجعلهم أئمة الناس والولاة عليهم، وخضوع البلاد لهم لمن أعظم ثمار الإيمان؛ لأن به تصلح البلاد ويحصل الأمن للناس.
قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26 ) ) [الأنفال: 26] .
وهذا الوعد عام يعم جميع الأمة بشرط الإيمان والعمل الصالح.
قال الشوكاني: «وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم وهو وعد يعم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل ويمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله» 126.
فهذه جملة من ثمار الاستقامة على الصراط المستقيم في الحياة الدنيا، ومن ضعفت استقامته لم تتحقق له هذه الثمار، كما هو مشاهد اليوم في حال المسلمين، ويوم يستقيم المسلمون على الصراط المستقيم، ويجددون إيمانهم ويثبتونه سيجنون هذه الثمار العظيمة إلى جانب ما ينتظرهم من الفوز العظيم في الدار الآخرة.
-تحقيق الأمن.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(13 ) ) [الأحقاف: 13] .
قال ابن القيم رحمه الله: «فإن الطاعة حصن الله الأعظم، من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرًا بالعطب، يحسب أن كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصد إليه، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء» 127.
وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث. وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدا، وهو الواقع 128.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30 ) ) [فصلت: 30] .
والمعنى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا) بكل صدق وإخلاص: (رَبُّنَا اللَّهُ) ربنا الله تعالى وحده، لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته.
(ثُمَّ اسْتَقَامُوا) أي: ثم ثبتوا على هذا القول، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة الله تعالى في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، ومن اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله.
وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون في حياتهم عن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم، ويطمئن نفوسهم، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند بعثهم 129.
-النور الذي يكشف الطريق الموصلة إلى الجنة.
قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى? نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?12?) [الحديد: 12] .
يقول ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبدالله ابن مسعود في قوله: (يَسْعَى? نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة 130.
وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه) 131.
فهذا النور دليل لهم في طريقهم إلى الجنة، بسبب استقامتهم على صراط الله المستقيم في الحياة الدنيا.
-دخول الجنة.
أهل الصراط المستقيم يكرمهم الله تعالى بجنته، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ?175?) [النساء: 175] .
وفي الهداية المذكورة في الآية قولان:
أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن.
والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين 132.
-الدخول في معية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن دخل في معية هؤلاء وفي كنفهم نال ما نالوه من الحظ عند الله تبارك وتعالى.
قال تعالى: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] .
فلما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] 133.
وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي، إنما هي من فضل الله. فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها، إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم 134.
وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز، بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية 135.
وكان سبب نزول هذه الآية ما أخرجه الطبراني، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية:(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًاڑ) [النساء: 69] 136.
ولا شك أن هذه الميزة من أعظم ما توجهت به إرادة المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها من أعز المطالب، ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: (سل) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: (أو غير ذلك) قلت: هو ذاك. قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) 137.
فهذه نماذج من الثمار التي وعد الله بها أهل الاستقامة على الصراط المستقيم، والمقصود هنا ذكر طرف من هذا النعيم الذي ينعم به أهل الاستقامة في الحياة الآخرة.
أولًا: الصادون عن الصراط المستقيم:
لم يكتف أعداء الصراط المستقيم برفض الدعوة إليه، بل سعوا جاهدين إلى صد الناس عن اتباع ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا الصد يكون بالرفض تارة، وبالإكراه تارة أخرى، وتارة بالتهديد، وتارة بالتشويه والتحريف، ولما كان دأب هؤلاء هو التشهير بالدعاة، فقد رد الله تعالى عليهم بمثل ما فعلوا، فشهر الله بهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد، وبين أنهم معادون للحق ومعادون لأنفسهم في اعتراض دعوة الرسول عليهم الصلاة والسلام وتنفير الناس منها، ومن هؤلاء:
1.إبليس.
أخبر الله تعالى عن إبليس بتوعده وتعهده ببذل غاية جهده في إضلال بني آدم، والترصد لهم، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها، فيصدهم، ويحاول بكل وسيلة أن يصرفهم عن الصراط المستقيم، ولن يتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم.
قال تعالى: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ? وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17 ) ) [الأعراف: 16 - 17] .
أي: كما أغويتني. قال ابن عباس: كما أضللتني. وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على (صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي.
وقال بعض النحاة: الباء هاهنا قسمية، كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم.
قال مجاهد: (صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) يعني: الحق.
وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكة.
قال ابن جرير: والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك كله 138.
فالله تعالى خلق في نفس إبليس مقدرة على إغواء الناس بقوله: (إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف: 13] .
وإنه جعله باقيا متصرفا بقواه الشريرة إلى يوم البعث، فأحس إبليس أنه سيكون داعية إلى الضلال والكفر، بجبلة قلبه الله إليها قلبا وهو من المسخ النفساني، وإنه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأن ما يصدر عنه هو ضلال وفساد، فصدور ذلك منه كصدور النهش من الحية، وكتحرك الأجفان عند مرور شيء على العين، وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما.
وإضافة الصراط إلى اسم الجلالة على تقدير اللام، أي: الصراط الذي هو لك أي الذي جعلته طريقا لك، والطريق لله هو العمل الذي يحصل به ما يرضي الله بامتثال أمره، وهو فعل الخيرات، وترك السيئات، فالكلام تمثيل هيئة العازمين على فعل الخير، وعزمهم عليه، وتعرض الشيطان لهم بالمنع من فعله، بهيئة الساعي في طريق إلى مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه قاطع طريق منعه من المرور فيه 139.
وهذا الكلام يدل على أن إبليس علم أن الله خلق البشر للصلاح والنفع، وأنه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سميت أعمال الخير، في حكاية كلام إبليس، صراطا مستقيما، وأضافه إلى ضمير الجلالة، لأن الله دعا إليه وارد من الناس سلوكه، ولذلك أيضا ألزم لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم.
وبهذا الاعتبار كان إبليس عدوا لبني آدم؛ لأنه يطلب منهم ما لم يخلقوا لأجله وما هو مناف للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصلة وجبلية بين طبع الشيطان وفطرة الإنسان السالمة من التغيير 140.
وقد اتخذ إبليس مسلك التخويف من أعداء الله للصد عن صراط الله المستقيم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه النسائي عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال، فعصاه فجاهد) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن فعل ذلك كان حقًّا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقًّا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة) 141.
وذكر الله تعالى توعد إبليس وتعهده، ورد الله تعالى عليه في سورة الحجر، فقال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ?39?إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ?40?قَالَ هَ?ذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ?41?إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ?42?) [الحجر: 39 - 42] .
معنى قوله: (هَ?ذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: مرجعكم كلكم إلي، فأجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ?14?) [الفجر: 14] 142.
قال المراغي: أي: قال هذا طريق مرجعه إلي، فأجازي كل امرئ بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كما يقول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي. وأنا على طريقك: أي: لا مهرب لك مني، ونظير الآية قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ?14?) . وهذا رد لما جاء في كلام إبليس حيث قال: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ? وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: 16 - 17] 143.
فالصراط هو الذي يسلكه عباد الله المخلصون، وليس لإبليس سلطان على أحد ممن سلك هذا السبيل، واستقام على هذا الصراط؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أوجب على نفسه حراسة المستقيمين عليه، من كيد الشيطان وإغوائه 144.
فكأنه سبحانه يقول في الرد على إبليس الذي اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من عباد الله: يا إبليس، إن عدم قدرتك على إغواء عبادي المخلصين منهج قويم من مناهجي التي اقتضتها حكمتي وعدالتي ورحمتي، وسنة من سنني التي آليت على نفسي أن ألتزم بها مع خلقي. إن عبادي المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم؛ لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك. أسرعوا بالتوبة الصادقة إلي، فقبلتها منهم. وغفرت لهم زلتهم، ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم فانقادوا لك 145.
2.الكافرون.
الكفار هم ممن أغواهم الشيطان عن صراط الله المستقيم، فانتهجوا نهجه، فجعلوا من أنفسهم حواجز مانعة عن وصول الدين القويم إلى الناس.
ولقد عنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من صد هؤلاء عن صراط الله المستقيم، فهذا نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام يعظ قومه ويأمرهم بترك الصد عن صراط الله المستقيم، وعدم الاعتراض لدعوته فقال: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ? وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ? وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 86] .
قال ابن كثير: نهاهم شعيب عليه السلام، عن قطع الطريق الحسي والمعنوي 146.
والمعنى: ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بي بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون بي وأنا نبيكم التهم التي أنا بريء منها، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي: إن شعيبًا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم.
وقوله: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي: وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن به، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها، مع أنها هي الطريق المستقيم الذي هو أبعد ما يكون عن شائبة الاعوجاج 147.
فإن قيل: صراط الحق واحد، (چوَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ?) [الأنعام: 153] .
فكيف قيل بكل صراط؟.
الجواب: صراط الحق واحد ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة فكانوا إذا رأوا واحدا يشرع في شيء منه منعوه وصدوه 148.
وهذا هو نفس السلوك الذي اتخذه كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد نصبوا له العداء وحذروا منه وقعدوا بكل صراط يوعدون ويهددون من آمن به، بل بلغ بهم الأمر أن منعوا المؤمنين عن المسجد الحرام وصدوهم عنه، فكانوا يعتقدون أنهم أهل المسجد، وأولى به من المؤمنين، ولذلك كانوا يصدون عن سبيل الله، ويصدون عن المسجد الحرام أيضًا.
قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) [الفتح: 25] .