فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 2431

{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ} أي: من عندك {وَلِيًّا} أي: ولدًا من صلبي، هذا الولد يرثني في العلم والنبوة ويرث أيضًا من آل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة والصفات الحميدة، واجعله يا رب رضيًّا.

وفي قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} اعتراف عميق بقدرة الله تعالى؛ لأن مثل هذا العطاء لا يرجى إلا منه عز وجل، بعد أن تقدمت بزكريا السن، وبعد أن عهد من زوجه العقم وعدم الولادة 40.

3.عطاء المؤمنين في الآخرة.

قال تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ: 36] .

بعد أن سرد الله عز وجل ما أعده لعباده المتقين من نعيم، يبين أن هؤلاء المتقين كوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل العطاء، أي: الإحسان والتفضل، حتى شبعوا واكتفوا، فقوله: {حِسَابًا} صفة للعطاء وهو بمعنى كاف، فهو مصدر أقيم مقام الوصف، من قولهم: أحسبه الشيء، إذا كفاه حتى قال حسبي، أى: كافينى 41.

قال الزمخشري: «و {حِسَابًا} صفة بمعنى كافيًا، من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي، ويصح أن يكون قوله حسابًا معناه محسوبًا، أي: كافأهم الله تعالى على أعمالهم الحسنة في الدنيا مكافأة محسوبة، على قدر أعمالهم الطيبة» 42

تتنوع المجالات التي يشملها العطاء، ففي هذا المبحث سنتطرق إلى أهم المجالات التي يدخل فيها العطاء في النقاط الآتية:

أولًا: النفس:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] .

تدل على أن هناك صفقة- عملية شراء وبيع- و?ان كان هذا ملكا لله، فالله هو المشتري، والله هو البائع، فلابد أن لهذا الأمر رمزية، وهذه الرمزية يلحظها الإنسان في الولي على اليتيم أو السفيه، فقد يصح أن يكون عندي شيء وأنا ولي على يتيم، فأشتري هذا الشيء بصفتي، ثم أبيعه بصفتي الأخرى، فالشخص الواحد يكون هو الشاري وهو البائع.

فكأن الله يضرب لنا بهذا المثل: «إنكم بدون منهج الله سفهاء، فدعوا الله يبيع ودعوا الله يشتري» ، وما الثمن؟: يأتي التحديد من الحق {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} هذا هو الثمن الذي لا يفنى ولا يبلى، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات الله التي لا نهاية لها، أما نعيمك في حياتك فهو على قدر إمكانياتك أنت في أسباب الله، وهكذا يكون الثمن غاليًا 43.

قال أبو السعود: «الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع - الذي هو العمدة والمقصد في العقد - أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن - الذي هو الوسيلة في الصفقة - الجنة.

ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها، إيذانا بتعليق كمال العناية بهم وبأموالهم، ثم إنه لم يقل «بالجنة» بل قال: {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم، فكأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم 44.

ومن الأمور العظيمة في هذا المجال من العطاء هو إيثار الغير على نفسك مصداقًا لقول الحق تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

والإيثار معناه: أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه، على سبيل الإكرام والنفع. والخصاصة: شدة الحاجة، وأصلها من خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات، أى: إن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون في النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، ولو كانوا في حاجة ماسة، وفقر واضح إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين 45.

ثانيًا: العلم:

المعطاء في هذا المجال هو الذي لا يدخر عنده علمًا ولا معرفة عمن يحسن الانتفاع بذلك، والبخيل هو الذي يحتفظ بمعارفه وعلومه لنفسه، فلا ينفق منها لمستحقيها، ضَنًّا بها ورغبة بالاستئثار.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] .

وبعض البخلاء بعطاء العلم إذا بذلوا منه شيئا فإنما يبذلون منه بقدر، كأنهم يخشون النفاد، مع أن المعارف والعلوم تربو بالعطاء، فهي تزيد ولا تنقص؛ إلا أن دافع البخل في نفوسهم يجعلهم يضنون حتى في الأمور التي تزيد ولا تنقص، فسوابق أوهام نفوسهم - التي سيطر عليها أن العطاء ينقص من الأشياء التي يمتلكونها - هي التي جعلت نفوسهم تمتنع عن عطاء العلم وتبخل به، دون أن تنير أجواء نفوسهم المظلمة بصيرة واعية، أو تخفف من غواء أنانيتهم الضيقة أخلاق كريمة فاضلة 46.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] .

أي: إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية ما أنزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق، ومن علم نافع يهدى إلى الرشد، من بعد ما شرحناه وأظهرناه للناس في كتاب يتلى، أولئك الذين فعلوا ذلك {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} بأن يبعدهم عن رحمته {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} أى: ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة- كالملائكة والمؤمنين- بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره 47.

ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كامل الخلق، ومن كمال خلقه أنه جواد بعطاء ما يختصه الله به من معارف غيبية لم يأمره بكتمها، وصفه الله بخلق الجود في هذا المجال، فقال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 19 - 24] .

ففي وصف الله لرسوله بأنه ليس بضنين على الغيب، أي: ليس بشحيح ولا بخيل بعطاء المعارف والعلوم الغيبية التي يصطفيه الله بها، وإثبات لصفة جوده صلى الله عليه وسلم بعطاء العلم الذي يملك معرفته، ويسمح له ببذله 48.

ثالثًا: المال:

المال هو كل ما يمتلك الإنسان من أشياء ينتفع بها، كالذهب والفضة، والخيل، والأنعام، والحرث، وكل مأكول، أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو مسكون، إلى غير ذلك من أشياء يصعب إحصاؤها.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .

فالعطاء من المال في سبيل الله من أعظم القربات إلى الله عز وجل، ولقد امتدح الله تعالى الذين يجودون بأموالهم في سبيل الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم.

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .

مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة، أصابها الغيث، فخرجت الحبة على هيئة زرع قوي جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فهنا نرى أن الله عز وجل قد شبه حال الصدقة التي يبذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم، بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودًا مستويًا قائمًا قد تشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، وفي كل سنبلة مائة حبة.

وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على العطاء في وجوه الخير، ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله 49.

وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 - 7] .

فأما من أعطى حق الله تعالى، بأن أنفق من ماله في وجوه الخير: كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين واتقى المحارم والمعاصي، وأيقن بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، أو أيقن بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى السعادة 50.

الأمور التي تبطل العطاء كثيرة في هذا المبحث، سنتعرف على أهم الأشياء التي تبطل العطاء كالمن والأذى والرياء وغيرها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم عن المن والأذى، لأنهما يؤديان إلى ذهاب الأجر من الله تعالى وإلى عدم الشكر من الناس، ثم أكد سبحانه هذا النهي عن المن والأذى بذكر مثلين فقال في أولهما: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} .

والمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها، وتمحقوا ثمارها، بسبب المن والأذى، فيكون مثلكم في هذا الإبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم من آثام، كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغي به رضاء الله ولا ثواب الآخرة؛ لأنه كفر بالله، وكفر بحساب الآخرة.

وفي هذا التشبيه تنفير شديد من المن والأذى؛ لأنه سبحانه شبه حال المتصدق المتصف بهما في إبطال عمله بسببهما بحال هذا المنافق المرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر 51.

وأما المثال الثاني فقال سبحانه: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} .

والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبًّا للظهور كمثل حجر أملس لا ينبت شيئا، ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته، وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا يصلح لإنبات أي شيء عليه.

فالتشبيه في الآية الكريمة بين الذي ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله، ثم ينزل المطر فيزيل التراب وتنكشف حقيقته ويراه الرائي عاريًا من أي شيء يستره، وكذلك المنافق المرائي في إنفاقه يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف أمره؛ لأن ثوب الرياء يشف دائما عما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه 52.

ومن المفسرين من يرى أن التشبيه في الآية الكريمة بين المنفق الذي يبطل صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس، وأن الضمير في قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} يعود إلى هذا المبطل لصدقته بالمن والأذى. فيكون المعنى: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منبتا للزرع فنزل المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه، فالمن والأذى يبطلان الصدقات ويزيلان أثرها النافع، كما يزيل المطر التراب الذي يؤمل منه الإنبات من فوق الحجر الأملس 53.

ثم قال تعالى: {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} أي: إن الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، والذين يتصدقون رياءً ومفاخرة لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا؛ لأن ما صاحب أعمالهم من رياء ومن أذى محق بركتها، وأذهب ثمرتها، وأزال ثوابها.

والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة يرى أن الله تعالى قد حذر المنفقين من المن والأذى في ثلاث آيات متواليات، كما حذرهم من الرياء، وساق أكثر من تشبيه لتقبيح الصدقات التي لا تكون خالصة لوجه الله، فلماذا كل هذا التشديد في النهى؟ والجواب عن ذلك: أن المن والأذى في الإنفاق كثيرًا ما يحصلان بسبب استعلاء كاذب، أو رغبة في إذلال المحتاج وإظهاره بمظهر الضعيف: وكلا الأمرين لا يليق بالنفس المؤمنة المخلصة، ولا يتلاقى مطلقًا مع الحكم التي من أجلها شرعت الصدقات.

بل إنه ليتنافر معها تنافرًا تامًّا؛ لأن الصدقات شرعها الله لتهذيب النفوس وتطهير القلوب، ولتربط بين الأغنياء والفقراء برباط المحبة والمودة والإخاء، فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض ما شرعت له، لأنها تثير في نفس المعطي بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من الصفات الذميمة، وتثير في نفس الآخذ شعورًا بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه وبذلك تنقطع الروابط، ويتمزق المجتمع، وتتحول المحبة إلى عداوة 54.

ولقد تحدث الإمام الرازي عن الآثار السيئة للمن والأذى فقال: «وإنما كان المن مذموما لوجوه:

الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار الإنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه.

والثاني: أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريق ذلك.

الثالث: أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه- وأن يعتقد أن لله عليه نعمًا عظيمة حيث وفقه لهذا العمل، ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن يجعل ما ينفقه منة على الغير.

الرابع: أن المعطي في الحقيقة هو الله، ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه، أما إذا اعتقد غير ذلك فإنه يكون في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول، وعن الآثار إلى المؤثر وأما الأذى فيتناول كل ذلك وغيره مما يسيء إلى الفقير بأن يقول له: فرج الله عنى منك، وأنت أبدا تأتى إلي بما يؤلم. إلخ» 55

وجاء في الحديث عن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرارا قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) 56.

والمنان: هو الذي لا يعطي شيئا إلا منه كما في رواية، وقيل: أي يمن بما يعطيه لغيره بأنه يذكر ولو لواحد، فالمبالغة غير شرط كأعطيت فلانا كذا وفلان يكره ذلك القول، فهي من المنة التي هي الاعتداد بالصنيعة، وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت المثوبة، وإن وقعت في المعروف كدرت الصنيعة 57.

للعطاء فوائد وثمرات فردية واجتماعية عظيمة، ذكر الباحث أهمها:

1.تطهير النفس وتزكيتها من الأنانية.

قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] .

أي: أفلح من طهر نفسه من أدناس الرذائل الخلقية والسلوكية، وخاب من غمسها في هذه الأدناس، ومن هذه الرذائل المدنسة للنفس الإنسانية الشح والأنانية المفرطة المقيتة، ولذلك سميت الزكاة بهذا الاسم، فهي مطهرة للنفوس من دنس الشح والبخل والأنانية المفرطة، وهي أيضًا مطهرة للمال من الحقوق المتعلقة به للفقراء والمساكين 58.

ولما في العطاء من تزكية للنفس، قال تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 14 - 18] .

وهذه التزكية لا تكون إلا بمخالفة أهواء النفس وشهواتها، وقضية مخالفة أهواء النفوس يمكن أن تكون بتحويل ذكي فيه ارتقاء وشيء من المشقة عند الصعود، ولكن في هذا الارتقاء الشاق لذات لا يظفر بها من اتبعوا أهواء نفوسهم، المنحدرين إلى أدناس الأخلاق وقبائح السلوك، مما يجدون فيه بعض متع زائلة منغصة بالأكدار والآلام 59.

2.يعود الفرد على الإيثار.

ويتضح ذلك من خلال قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

إن تربية النفوس على حب العطاء إقامة سد واق يمنع الأنفس عن الجنوح الخطير في مجال حب التملك والأثرة، فإنه متى جنحت النفس هذا الجنوح الخطير كان حب التملك غاية بنفسه، وليس مجرد وسيلة لتحقيق منافع الحياة ومصالحها، وعندئذ يستأثر بالإنسان داء الجمع والمنع، حتى يعيش حياته كلها جَمَّاعًا للمال، دون أن ينتفع بما يجمع منه، ثم تأخذ يد المنون فتعزله عن وظيفة حارس صندوق أو خازن مال، ليلقى حسابه العسير على ما جمع ومنع، فلا هو انتفع ولا هو نفع 60.

3.التعاون على البر والتقوى.

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] .

قال القرطبي: «ندب الله تعالى إلى التعاون بالبر، وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته» 61، فالعطاء هو أحد أنواع البر بين الناس.

إن اكتساب العطاء يولد في الفرد شعورًا بأنه جزء من الجماعة وحب التعاون، وليس فردًا منعزلًا عنهم إلا في حدود مصالحه ومسئولياته الشخصية، فهو بهذا الشعور النبيل يجد نفسه مدفوعًا إلى مشاركتهم في عواطفهم مشاركة وجدانية ومشاركة مادية، فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم عندما يتألمون، وينشرح صدره إذا وجدهم منشرحين، ويساهم معهم في الأعمال العامة، ويعين منهم ذا الحاجة بجسمه، أو ماله، أو شفاعته في الحق، أو عواطفه ومشاعره وتعبيراتها 62.

ومتى كان هذا المعنى متبادلًا بين أفراد الجماعة استطاعت أن تمثل في واقعها معنى الجسدية الواحدة للجماعة، التي إذا اشتكى عضو منها تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث الصحيح من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيءٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 63

أبرز النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عنصرين رئيسين، وهما:

الأول: التواد، أي: التحابب، وهذا العنصر بمثابة الروح التي تسري في الأجساد المادية، فتعقد الصلة التامة بين أعضاء الجسد السارية فيه، حتى يشعر كل عضو بأنه جزء لا يتجزأ من وحدة كلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت