فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 2431

أهل الكتاب

أولًا: المعنى اللغوي:.

الأهل لغة: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام: من يدين به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل: زوجه وأخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره 1.

الكتاب لغة: كتبه كتبًا وكتابًا، أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة والفرض والحكم والقدر 2.

ويراد به أيضًا: الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي {أَهْلِ الْكِتَابِ} فإنما أريد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي {أُوتُوا الْكِتَابَ} أو {آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} 3.

وأهل الكتاب: «من يجتمعون حوله، والمراد: اليهود والنصارى» 4.

ومن هذه المعاني اللغوية يفهم منه معانٍ أخرى حسب ما يراد به المضاف إليه كما تقدم.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

أهل الكتاب اصطلاحًا: هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) } [الأنعام: 156] 5.

قال الشهرستاني: «الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية، ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق، مثل التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل: المجوس» 6.

ورد لفظ (أهل الكتاب) كمركب إضافي تكرر في الاستعمال القرآني (31) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

أهل الكتاب ... 31 ... {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (64) } [آل عمران: 64]

وجاء مركب (أهل الكتاب) في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 8:

الأول: اليهود، ومنه قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] .

الثاني: النصارى، ومنه قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) } [النساء: 171] .

الثالث: اليهود والنصارى، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) } [البينة: 6] .

اليهود:

اليهود لغة:

هو مشتقٌ من هاد يهود بمعنى تاب، مأخوذ من قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] .

وهي على لسان موسى عليه السلام والسبعين الذين اختارهم من خيار قومه للقاء ربه، والاعتذار عما فعله سفهاء قومهم من عبادة العجل، ومعنى قوله: {هُدْنَا إِلَيْكَ} «أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك 9» .

قال ابن فارس: «سموا به (أي: باليهود) لأنهم تابوا عن عبادة العجل ... وفي التوبة هوادة حال وسلامة» 10، وقال الراغب: «قال بعضهم: يهود في الأصل من قولهم: {هُدْنَا إِلَيْكَ} ، وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن النصارى في الأصل من قوله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [الصف: 14] .

ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم. ويقال: هاد فلان: إذا تحرى طريقة اليهود في الدين» 11.

اليهود اصطلاحًا:

اليهود لقب عرف به بني إسرائيل 12.

ولفظة اليهود لم تستعمل في التوراة إلا بعد عهد موسى عليه السلام، في سفر الملوك الثاني، ويوافق ذلك القرآن الكريم في تسميته لمن عاصر موسى من قومه ببني إسرائيل أو قوم موسى، ولم ترد التسمية باليهود -والتي جاءت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم- إلا في مراحل متأخرة عن عهد موسى عليه السلام 13.

وقد جاءت في جميع ورودها في معرض الذم وبيان انحرافات القوم والرد عليهم 14، كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] .

وكقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] .

وكأن في تلك التسمية إشارة إلى بدء انحرافهم، وما حدث لهم بعد وفاة سليمان عليه السلام، من الفساد وانتشار السحر وغير ذلك.

الصلة بين أهل الكتاب واليهود:

أهل الكتاب أعم من اليهود؛ فاليهود إحدى الطائفتين التي أنزل عليها كتاب، وهم: اليهود والنصارى.

بنو إسرائيل:

بنو إسرائيل لغة:

إسرائيل: لقب نبي الله يعقوب عليه السلام، «لإشعاره بالمدح بالمعنى المنقول منه، إذ معناه صفوة الله أو عبد الله بالعبرانية» 15.

بنو إسرائيل اصطلاحًا:

إسرائيل اصطلاحًا: لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.

قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] .

وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام وكانوا اثني عشر سبطًا، قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211] 16.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله) ، لأن إسرا بمعنى: عبد، وإيل: اسم الله، أي: أنه مركب من كلمتين: إسرا، وإيل، كما يقولون: بيت إيل 17.

قال الكفوي: «قال بعضهم: لم يخاطب اليهود في القرآن إلا بـ (يا بني إسرائيل) دون (يا بني يعقوب) لنكتة هي لأنهم خوطبوا بعبادة الله، وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيهًا من غفلتهم فسموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله» 18.

الصلة بين أهل الكتاب وبني إسرائيل:

أهل الكتاب أعم من بني إسرائيل، فبنو إسرائيل يخاطب به اليهود غالبًا، وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى.

النصارى:

النصارى لغة:

مفردها نصراني، يقال: نصرته على عدوه ونصرته منه نصرًا: أعنته وقويته، والفاعل ناصر ونصير وجمعه أنصار، والنصرة بالضم اسم منه، وتناصر القوم مناصرة: نصر بعضهم بعضًا، وانتصرت من زيد انتقمت منه، واستنصرته طلبت نصرته، ونصارى: هم من يتبع دين المسيح، فيقال: رجلٌ نصراني، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين، وربما قيل: نصران ونصرانة، ونصرى وناصرة، ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها، والتنصر: الدخول في النصرانية، ونصره: جعله نصرانيًا 19.

قال الراغب الاصفهاني رحمه الله: «والنصارى قيل: سموا بذلك لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف: 14] .

وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصرانيٌ، وجمعه نصارى، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى} [البقرة: 113] » 20.

النصارى اصطلاحًا:

لا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، فالمقصود بالنصارى اصطلاحًا: هم أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته عليه الصلاة والسلام 21.

الصلة بين أهل الكتاب والنصارى:

أهل الكتاب أعم من النصارى؛ فالنصارى إحدى الطائفتين التي أنزل عليها كتاب، وهم: اليهود والنصارى.

من أهم الموضوعات التي ركز القرآن الكريم على بيانها وكشفها كشفًا تفصيليًا موضوع أهل الكتاب وما يتصل به، لما في ذلك من حكم عظيمة ومصالح كبيرة، ولما لهذا الموضوع من أثر بالغ على الواقع.

لقد أولى القرآن الكريم هذا الموضوع عنايته، وأكثر من الحديث عن أهل الكتاب وذكر أنبيائهم، وكتبهم وما أدخلوه عليها من التحريف والتبديل، وما نسوه أو كتموه منها - وخصوصًا ما يتعلق بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم -، كما ذكر ما انتهى إليه حالهم بعد تطاول الزمان عليهم من قسوة القلوب، والضلال، والكفر، والبعد عما أنزله الله من الشرع، حتى نسبوا لله تعالى الولد، والفقر، وغير ذلك مما حكاه القرآن الكريم عنهم من أقوالهم القبيحة.

لقد ذكر القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام - نبي بني إسرائيل-، وهو الذي أنزلت عليه التوراة، في مواضع كثيرة، حتى إنها أكثر القصص ورودًا فيه، وذكر قصة مولده، ورضاعته، وشبابه، وقصته مع فرعون والسامري عليهما لعنة الله، ومع الخضر عليه السلام، وذكر قصة قارون ذلك الكافر المغرور بماله، وهو من قوم موسى عليه السلام، وذكر مناجاة موسى عليه السلام لربه، وطلبه الرؤيا منه، وغير ذلك من تفاصيل حياته.

كما ذكر القرآن الكريم قصة عيسى عليه السلام - نبي بني إسرائيل -، وهو الذي أنزل عليه الإنجيل، وتحدث عن ميلاده ومعجزاته، ودعوته لقومه، في عدة مواضع من آياته.

كما سمى القرآن الكريم بعض سوره بأسماء لها صلة واضحة بأهل الكتاب، كسورة البقرة، إشارة إلى بقرة بني إسرائيل التي أمروا بذبحها، وسورة آل عمران وهو اسم تلك العائلة الكريمة التي خرجت منها مريم ابنت عمران أم عيسى عليهم السلام، وسورة المائدة نسبة إلى المائدة التي طلب بنو إسرائيل، إنزالها من السماء، وسألوا عن قدرة الله على ذلك، وسورة يوسف عليه السلام وهو من أنبياء بني إسرائيل، وسورة بني إسرائيل وهي سورة الإسراء، وسورة مريم أم المسيح عيسى عليه السلام، وغير ذلك.

كما ذكر القرآن الكريم كثيرًا من أحوال أهل الكتاب، وتحدث عن انحرافاتهم ودعاويهم الباطلة ورد عليها وفندها، وحذر من عداوتهم للمسلمين ونقمتهم عليهم، كما تكلم عن اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وغزوات النبي معهم، كغزوة بني النضير والتي ذكرت في سورة الحشر، وبالجملة فقد قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) } [النمل: 76] .

ولقد ذكر القرآن الكريم كل ذلك وغيره مما له صلة بموضوع أهل الكتاب لحكم عظيمة، منها: استمالة أهل الكتاب إلى الدخول في الإسلام، والإيمان بالقرآن الكريم، وأنه مصدق لما معهم من الكتاب، وأنها جميعًا جاءت من رب واحد، هو رب السموات والأرض، المحيط علمه بكل شيء، ونلحظ هذه الحكمة واضحة في تسمية بعض السور القرآنية بتلك الأسماء التي لها رمزية عند أهل الكتاب، كما ذكرنا.

واهتمام القرآن الكريم بدعوة أهل الكتاب يعود إلى كونه كتاب هداية لجميع الثقلين بالمقام الأول، ولأن في هداية أهل الكتاب للإسلام هداية لغيرهم من أهل الشرك الذين سيقتدون بهم، ويقولون: ما دام أهل الكتاب وما عندهم من العلم والبينات اتبعوا هذا النبي صلى الله عليه وسلم، إذا فإنه على الحق، والعكس بالعكس، ولذلك قال الراغب الأصفهاني في قوله تعالى لأهل الكتاب: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] .

«أي: لا تكونوا ممن يقتدى بكم في الكفر.» 22

وقد استشهد القرآن الكريم على صحة النبوة المحمدية والوحي القرآني بمن آمن من أهل الكتاب، وأخبروا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، وكونه موافقًا للوصف الوارد له في كتبهم، وما له من علامات ودلائل، وأسلوب الاستشهاد بهم يلهم أن شهادتهم في جانب النبي صلى الله عليه وسلم هي المنتظرة، قال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء: 107 - 109] .

23، قال ابن كثير: «أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله؛ ولهذا قال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من صالح أهل الكتاب الذين يمسكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرفوه، {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} هذا القرآن، {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} جمع ذقن، وهو أسفل الوجه، {سُجَّدًا} أي: لله عز وجل، شكرًا على ما أنعم به عليهم، من جعله إياهم أهلًا إن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب؛ ولهذا يقولون: {سُبْحَانَ رَبِّنَا} أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} ، وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} ، أي: خضوعًا لله عز وجل وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله، {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} ، أي: إيمانًا وتسليمًا كما قال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [محمد: 17] .

وقوله: {وَيَخِرُّونَ} عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود» 24

إن حديث القرآن الكريم عن أهل الكتاب وبيان انحرافاتهم فيه تحصين للمسلمين، من الانخداع بما هم عليه من الباطل، وما يثيرونه من شبهات على المسلمين بغرض تشكيكهم في دينهم، فبين القرآن الكريم أنه كتاب من عند الله مصدق لما قبله من الكتب، ومهيمن عليها، وأنه لا تفريق بين رسل الله وكتبه في الإيمان بهما، وبهذا الإيمان الكامل تتضح الصورة في ذهن المسلم، دون تشويش أو اشتباه.

كما أن في بيان القرآن الكريم لأخطاء الأمم السابقة - خاصة أهل الكتاب منهم - تحذيرًا لهذه الأمة المحمدية من الوقوع فيها، وسلوك مسلكها، فالله تعالى ذكر قصص بني إسرائيل وتجاربهم وما فيها من خير أو انحراف - وهو الغالب - كنموذج للأمة الكتابية، حتى تتعلم هذه الأمة من ذلك ولا تقع في أخطائهم، ولا تصل إلى ما وصلت إليه حالهم من الضلال، ويقرأ المسلمون كل يوم قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6 - 7] .

سبع عشرة مرة في صلواتهم المفروضة، يسألون الله تعالى أن يهديهم الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو طريق الإسلام، وطريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود ونحوهم ممن عرف الحق وترك العمل به، وغير طريق الضالين الذين يعملون بلا علم، فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة، يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون 25.

فأراد الله تعالى أن يكون هذا الدعاء من سورة الفاتحة يردده المسلمون في يومهم كل هذه المرات، ليستعيذوا به تعالى من سلوك سبل الأمم السالفة في الانحراف عن دينه تعالى، وتضييع كتبه والتفريط فيها.

ومع أن الله تعالى قد حذرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله، مما سبق في علمه، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍ لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود، والنصارى؟ قال: فمن) 26.

قال النووي: «السنن بفتح السين والنون وهو الطريق، والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وقع ما أخبربه» 27.

وفي هذا الحديث دلالة على ما لأهل الكتاب من الدور الكبير والبارز في صد المسلمين عن دينهم، وفتنتهم، ولذلك كثر حديث القرآن الكريم عن أهل الكتاب، لما له من أثر بالغ على الواقع، فقد استحوذ الحسد والبغي على قلوبهم، وناصبوا أمة محمد العداء، فهم ألد أعداء هذه الأمة، وما أكثر تخطيطهم وكيدهم لهذا الدين وأتباعه؟!، وذلك منذ بزغ فجر الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) } [التوبة: 32] .

وهي في أهل الكتاب، قال أبو السعود: «أي: يريد أهل الكتابين أن يردوا القرآن ويكذبوه فيما نطق به من التوحيد والتنزه عن الشركاء والأولاد والشرائع التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحل والحرمة» 28.

وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) } [الصف: 8 - 9] .

وهي أيضًا في أهل الكتاب كما يشهد لذلك سياق الآيات.

إن القرآن الكريم له أسلوبه الحكيم في مخاطبة الناس ودعوتهم، وقد قال تعالى فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل: 125] .

ومن ذلك أنه خاطب المؤمنين بنداء الإيمان (يا أيها الذين آمنوا) ، ليستحث فيهم عنصر الإيمان وقوته، وليذكرهم بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، حين دخلوا في هذا الدين، أي: يا من صدقتم بي وبكلامي، كما ضرب القرآن الكريم من خلال عرضه للقصص المختلفة أمثلة عدة في استخدام هذا الأسلوب الحكيم.

وقد استخدم القرآن الكريم في مخاطبة اليهود والنصارى عدة أساليب، مثل: (يا أهل الكتاب) ، و (يا بني إسرائيل) ، و (الذين أوتوا الكتاب) وكل هذه الأساليب لها هدفها في التأثير على المخاطب واستنهاض الهمم، وهز المشاعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت