فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 2431

قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرأون: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) [آل عمران: 173] . (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ?13?) [الكهف: 13] . في غير موضع، قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص 115.

وقال ابن بطال رحمه الله: «مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، .. ثم قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص» 116.

وخلاصة القول: أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.

وتجدر الإشارة إلى أن نقصان الإيمان غير الإيمان القليل التي ذكره القرآن وصفًا لليهود، قال تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ? وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَ?كِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلً) [النساء: 46] . «أي: إلا إيمانًا قليلًا، وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض» 117.

«قيل: أي: إلا إيمانًا قليلًا لا يعبأ به، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل، أو إلا زمانًا قليلًا وهو زمان الاحتضار فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان» 118.

وقال ابن الجوزي رحمه الله: «قوله تعالى: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلً) فيه قولان:

أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس.

والثاني: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، قاله قتادة، والزجاج. قال مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم» 119.

والمعنى يسع هذه الأقوال؛ لأنها من باب التفسير بالمثال.

••للإيمان تأثير بليغ في النفوس، فيحدث فيها تغيرًا كبيرًا.

وفي القرآن الكريم بعض النماذج التي تظهر تأثر النفس وتغييرها بعد الإيمان.

ومن تلك النماذج: سحرة فرعون.

فقد أخبرنا الله في القرآن الكريم عن قصة إيمان سحرة فرعون وأثر هذا الإيمان في ثباتهم واسترخاص أنفسهم في سبيل الله تعالى.

ويظهر هذا التأثير في النقاط الآتية:

أولًا: سحرة فرعون وتعلقهم بعطايا فرعون:

قال تعالى: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ?113?قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ?114?) [الأعراف: 113 - 114] . أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني، وسألوا استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم وبالحاجة إليهم، إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين، وخافوا أن يسخرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه بوعده» 120.

وهذا دأب المستبدين، تسخير العباد بمختلف طاقاتهم ومهاراتهم لحساب ذواتهم، دون أن يعطوهم من الأجر ما يستحقونه.

ثانيًا: سحرة فرعون وتعلقهم بعظمة فرعون:

قال تعالى (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) [الشعراء: 44] .

ثالثًا: أثر الإيمان في نفوسهم:

وعندما من الله عليهم بالإيمان واليقين قالوا: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى? مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ? فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ? إِنَّمَا تَقْضِي هَ?ذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72] .

قال ابن عاشور رحمه الله: «أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرفت عليهم أنوار الرسالة، فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته» 121.

وتعليقًا على هذا التحول العجيب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء» 122.

••جعل الله تعالى للإيمان ثمرات في الدنيا والآخرة؛ لتحفيز العباد على الثبات عليه، وتجديده باستمرار وزيادته بالطاعات، وسوف نتناول هذه الثمرات في المطالب الآتية:

أولًا: جزاء الإيمان في الدنيا:

1.الاستخلاف والتمكين في الأرض.

أخبر سبحانه وتعالى أنه وعد بالنصر الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، بأن يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور: 55] .

عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نكون آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} إلى {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} يعني بالنعمة {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 123.

هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة 124، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح 125.

قال سيد قطب رحمه الله: «أن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض-كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم-ليحققوا النهج الذي أراده الله، ويقرروا العدل الذي أراده الله، ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله .. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان .. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض؛ إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله .. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها» 126.

«وإن الله تعالى إذا نبه عباده إلى أن الأرض يرثها عباده الصالحون، فإن معنى ذلك الصلاح أوسع من ركعات تؤدى، أو أيام تصام، إنه علم رحب الآفاق بكل شيء في مقدور البشر، وعدل محدود الرواق، لا يشقى معه ضعيف، ولا يقهر معه مظلوم، وأمان ضد الجوع والقلق، وطوارق اليوم والغد، وكفالة لحرية العقل والضمير، تنمو فيها المواهب وتتضح الملكات، وتكمل الشخصية، وتصان المرافق العامة والخاصة» 127.

2.الخيرية بين البشرية.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) } [البينة: 7] .

يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى، يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية 128، حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال، ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال: إنه الإيمان، لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام، أو في بيت يقول: إنه من المسلمين، ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشيء آثاره في واقع الحياة، وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله، فمن كانوا كذلك فهم خير البرية 129.

3.البركات من السماء و الأرض.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] .

«أي: لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب» 130. وفي هذا دلالة على أن الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش.

«والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها، وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان، فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال.

والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة، وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله سبحانه وكفى بالله شهيدًا، ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس 131.

وهنا يثار تساؤل: لماذا نرى أممًا مسلمة مضيق عليهم في الرزق، ونرى أممًا لا يؤمنون موسعًا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ؟

قال سيد قطب رحمه الله: إن أولئك الذين يقولون: إنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله، إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم - سواء القوانين أو القيم والتقاليد - وما أولئك بالمؤمنين، فالمؤمن لا يدع عبدًا من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبدًا من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره، ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقًا. دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله، فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] .فهو الابتلاء بالنعمة، وهو أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون، فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح، وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال، فهي قوة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة بلا صلاح، وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل نكد، وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال.

إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها في آن وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال» 132.

4.الحياة الطيبة.

أخبر سبحانه وتعالى أنه من عمل عملًا صالحًا ذكرًا كان أم أنثى، وهو مؤمن بالله ورسوله، فلنحيينه في الدنيا حياة سعيدة مطمئنة، ولو كان قليل المال، ولنجزينهم في الآخرة ثوابهم بأحسن ما عملوا في الدنيا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل: 97] .

هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحًا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى، من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها هي السعادة.

وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة.

وقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضًا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله 133.

فالعمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة .. وليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله 134.

وقال ابن القيم رحمه الله: «وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار» 135.

وفي الآية دليل على أن الجنسين: الذكر والأنثى متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله، و أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء عدا ما خصصه الدين بأحد الصنفين.

5.عدم الحرمان من ثواب العمل.

أخبر سبحانه وتعالى أنه يجازي أهل الإيمان والعمل الصالح بالأجر الجزيل غير المقطوع، وهذا الأجر يكون بأحسن ما عملوا، ويكون وافيًا تامًّا.

قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] .

«هذا هو قانون العمل والجزاء، لا جحود ولا كفران للعمل الصالح متى قام على قاعدة الإيمان، وهو مكتوب عند الله لا يضيع منه شيء ولا يغيب» 136.

ووعد الله أهل الإيمان والعمل الصلاح بالثواب غير المقطوع، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) } [فصلت: 8] .

قال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى، إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون 137.

بل وعدهم سبحانه بتوفية أجورهم والزيادة من فضله، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173] .

يعني جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون المقرون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك أن يردوا على ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيًا تامًا، ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده، غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه من العشر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حد لقدره يوقف عليه 138.

ويستفاد من الآية: أن أجر أهل الإيمان والعمل الصالح مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات، ودخل في ذلك كل ما في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح، والمناظر والسرور، ونعيم القلب والروح، ونعيم البدن، بل يدخل في ذلك كل خير ديني ودنيوي رتب على الإيمان والعمل الصالح.

6.الأمن من الخوف والحزن.

أخبر سبحانه وتعالى أن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، وأدوا الصلاة كما أمر الله ورسوله، وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم من حظوظ دنياهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] . وعد سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر .. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون 139.

من هدايات الآية: أنه سبحانه وتعالى خص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنهما عمل الصالحات تشريفًا لهما، وتنبيهًا على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال، الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.

7.الأمان من الظلم.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) } [طه: 112] .

لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته، ولا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره، ولا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، ولا يخاف أن لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من حقه 140.

8.المحبة في قلوب العباد.

قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم: 96] . أي سيحدث لهم في القلوب مودةً من غير تعرضٍ منهم لأسبابها سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح 141.

روى مسلم بسنده عن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) 142.

9.الهداية إلى الصراط المستقيم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } [يونس: 9] ، أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم؛ ولهذا قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} 143.

10.صلاح البال.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) } [محمد: 2] .

يقول تعالى ذكره: والذين صدقوا الله وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهيه، وصدقوا بالكتاب الذي أنزل الله على محمد، محا الله عنهم بفعلهم ذلك سيئ ما عملوا من الأعمال، فلم يؤاخذهم به، ولم يعاقبهم عليه، وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم في جنانه 144.

«وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر. والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام، ومتى صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام» 145.

ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل الصالح أصل صلاح بال المؤمن، فلا يفكر إلا صالحًا، ولا يتدبر إلا ناجحًا، و لا يعمل إلا نافعًا.

11.النجاة من الخسران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت