لقد تحدى القرآن الكريم الخلق جميعًا على معارضة القرآن أو الإتيان بمثله أو بعضه فعجزوا، وهذا التحدي المستمر والباقي هو أحد أساليب القرآن في الرد على الملحدين في كل زمان وفي أي مكان.
ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 13 - 14] .
أي: «لقد تحداهم بأن يأتوا أولًا بمثل القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحداهم بأن يأتوا بسورة، ثم تحدى أن يأتوا ولو بحديث مثله، فلم يستطيعوا، وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أن يأتوا بعشر سور» 94.
ومثاله قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] .
هذا مثل؛ لبيان عجزهم عن خلق الذباب، والامتناع عما يفعل بهم وعجزهم إن أخذ الذباب منهم شيئًا {لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} مع غاية ضعفه، ولقد جهلوا في إشراكهم بالله القادر على جميع المقدورات المنفرد بإيجاد كافة الموجودات، والتماثيل هي أعجز الأشياء قدرة على الخلق، وتعجز عن ذب الذباب عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه منها 95.
عجز الخلق عن التحدي القرآني لهم، من أهم صور إبطال الإلحاد، واستمرارية هذا التحدي، وهذا الإعجاز يرد كيد الملحدين إلى نحورهم.
الدعوة إلى الله من أهم أساليب القرآن في هداية الخلق إلى ربهم وإبعادهم عن الإلحاد، لما في الدعوة إلى الله من إنارة الطريق أمام المدعوين للدخول في رياض الإيمان، ومنهج القرآن هو دعوة المشركين عمومًا إلى التوحيد والعبادة، وتجديد الدعوة إلى الإيمان لأهل الكتاب.
ومثاله قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران: 64] .
فالدعوة إلى الله منهج قرآني أصيل في إبطال الإلحاد، وسبيل سار عليه الأنبياء في هداية أتباعهم وإقامة الحجة عليهم يوم القيامة.
خامسًا: ضرب الأمثال:
تعتبر الأمثال من أبرز صور التقريب للأذهان التي سلكها وانتهجها القرآن الكريم في إقناع الخلق، والرد على الملحدين في شبهاتهم وانحرافهم عن الطريق المستقيم.
ومثال ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } [النور: 39 - 40] .