التقدير: إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم، وفائدته إن الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، ثم بيّن أن مشيئة الاستقامة متوقفة على مشيئة الله، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين 84.
كل هذا واضح وضوحًا لا يشك فيه أحد يريد الحق، أن مشيئة الإنسان أطلق لها العنان في الاختيار، ثم هي التي تتحمل مسئولية هذا الاختيار بلا جبر ولا إكراه، بل هي حرية تامة، وهذا من عظيم رحمة الله، فعلى الإنسان أن يطلب الحق والنجاة؛ كي يوفّقه الله سبحانه وتعالى على الاختيار السليم، ويترك العناد، وطلب الشهوات؛ لئلا يخذله الله، إن الله على كل شيء قدير.
ولا إكراه في الدين، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 256] .
فعموم الإكراه بشتى أنواعه منهي عنه في الإسلام «فالنفي في (? ?) بمعنى: النهي» 85.
واختلف في سبب نزول هذه الآية، فروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المرأة تكون مقلاةً 86، فتجعل نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) 87.
وقيل: «إنها نزلت في رجل من الأنصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية، فتنصّرا، وخرجا إلى الشام قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة في نفر من الأنصار يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فلزمهما، وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟! فأنزل الله: (? ? ? ?) فخلى سبيلهما» 88.
وأيًّا كان سبب النزول فالآية تفيد فائدة لا مرية فيها أن الدين الإسلامي لا يعتمد على الإكراه والجبر، وخصصنا الدين الإسلامي بذلك «لأن اللام في الدين للعهد، وهو الإسلام، أو أن اللام بدل من الإضافة، والمراد دين الله، كما قال بعض المفسرين» 89.
والإكراه هو الحمل على فعل مكروه «والعاقل لا يحتاج للإكراه على الدين، بل يختار تلقائيًّا الدين الحق» 90.
ورغم هذا فنرى الآيات الكريمة تخاطب أصحاب العقول، وتثير حفيظتهم لكي ينتبهوا إلى هذا الخطاب الإلهي وهذه الشريعة السمحاء، فيتبعون النبي الكريم.
وهناك سبب آخر يجعل القرآن يقر حرية الاعتقاد، ويجعله يأمر أتباعه بعدم إكراه الغير ألا وهو «أن الدين سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها سلسلة أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه ولا الإجبار» 91.
وكذلك فقد علّلت نهاية الآية هذا الحكم بقوله تعالى: (? ? ? ? ?) فقد ظهر الهدى والرشد، وظهر الضلال والكفر، والرشد هو «إصابة وجه الأمر ومحجة الطريق، والهدى إصابة الثاني، فهو أخص من الرشد» 92.
ولكن القرآن عبر بالأعم وهو الرشد؛ ليشمل الهدى وغيره، وهذا هو أسلوب القرآن الحكيم، وبلاغته العالية: ومن ثمّ دعت الآية المسلمين بالاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها «أي: لا انقطاع» 93، ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم.
وهو ما طبّقه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، وهي «تمثّل قاعدة كبرى من قواعد الإسلام، وركنًا عظيمًا من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه» 94.
وقد اختلف المفسرون في حكم هذه الآية هل هو منسوخ أم باقٍ؟ أم مخصوص بأهل الكتاب؟ أم ناسخ لغيره؟ يجدر بنا أن نعرض هذه الآراء بشكل مختصر مع تأييد ما يرجّحه الدليل، ويطمئن إليه القلب:
قيل: إن هذه الآية نسخها أمر الحرب، في قوله تعالى: (? ? ? ? ?) [التوبة: 73] .
وقيل: نزلت بسبب أهل الكتاب في أن لا يكرهوا بعد أن يؤدّوا الجزية، أما مشركو العرب فلا يقبل منهم جزية، وليس في أمرهم إلا القتل أو الإسلام، وهو الذي رجحه النحاس 95، والطبري 96.
وقيل: معنى: (? ? ? ?) «أي: لا تقولوا فيه لمن دخل بعد حرب أنه دخل مكرهًا؛ لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره» 97.
وقال الرازي: «إن أمر الدين لم يبن على الإجبار والقسر، وإنما بني على التمكين والاختيار» 98.
ويقول ابن عاشور: «وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدم من آيات القتال، مثل قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژژڑ ڑ) [التحريم: 9] .
على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة:
أحدها: آيات أمرت بقتال الدفاع، كقوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [التوبة: 36] .
وقوله: (? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [البقرة: 194] .
وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام، بل هو لدفع غائلة المشركين.
النوع الثاني: آيات أمرت بقتال المشركين والكفار، ولم تغيّ بغاية، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيدًا بغاية آية: (گ گگ) [التوبة: 29] .
فلا تعارضه آيتنا هذه (? ? ? ?) .
النوع الثالث: ما غُيِّيَ بغاية، كقوله تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ) [البقرة: 193] .
فيتعين أن يكون منسوخًا بهذه الآية وآية: (گ گگ) كما نسخ حديث: (أمرت أن أقاتل الناس) 99 هذا ما يظهر لنا في معنى الآية، والله أعلم» 100.
والقول الثاني هو الذي يؤيده فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ الجزية من اليهود، وألزم المشركين الإسلام أو القتال، وليس إلزام المشركين الإسلام أو القتال بسبب الإكراه؛ لأننا بيّنا أن من ضوابط الحرية عدم التعارض مع الفطرة، والشرك معارض للفطرة بدون أدنى شك، وكذلك لم يقبل منهم إلا الإسلام بسبب معاندتهم وحربهم للإسلام والمسلمين، ومحاولتهم تدمير دولة المسلمين، فدمّر الله دولتهم، وأزال ملكهم، وكذلك من أسباب قتال المشركين هو شرط توفر المستوى الحضاري للإنسان الذي يميز بين الإسلام والشرك، وهو غير متوفر في مشركي العرب، وأما القول بأن هذه الآية منسوخة فهو لا يؤيده فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك لا يمكننا أن نبطل حكم آية بمجرد أننا لم نستطع تأويلها، فإن الآية التي يمكن حملها على غير النسخ فهو أجدر بها؛ إذ إبقاء الآية على حكمها أفضل من تعطيلها، وكذلك عدم الإكراه هو قاعدة كبيرة تحلى بها الإسلام، وهذه الآية من أوضح الآيات التي تدل على هذه القاعدة.
أما القول الثالث فهو ينبني على تكلف وتفسير بعيد لا يؤيده سبب نزول هذه الآية، وإن كنا لا نقول بخصوص السبب مع عموم اللفظ 101.
وأما القول الرابع فهو قول فلسفي في حقيقته، صحيح لا شك فيه، ولكن هذه الآية عملية وليست مجرد اعتقاد، وأما القول الخامس: فهو الذي ذهب إليه ابن عاشور، ويردّ عليه بأن سبب الآية يذكر بأنها نزلت بعد غزوة بني النضير، كما تقدم، وقوله هذا يدل على أنها تأخر نزولها حتى فتحت شبه الجزيرة العربية، ودخل العرب في الإسلام، ثم جاءت هذه القاعدة، وهذا لا دليل له.
وذكر المفسرون في قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 99] .
«أي: أنه لن يؤمن بك، ويقر برسالتك إلا من شاء الله، وإنك لن تستطيع أن تكره أحدًا على اتباعك، ولو حاولت بكل سبيل» 102؛ لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت خلق هذا الكائن البشري مستعدًّا للخير والشر، ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذلك «فالإيمان إذن متروك للاختبار، لا يكره الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا» 103.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک) [الأنعام: 148 - 149] .
هذه الآية تحاور المشركين الذين يدّعون بأنهم مجبورون على الكفر والشرك، ويقولون: إن الله لا يريد إيماننا وإلا لآمنا، فهم ادعوا القسر والإكراه، ولكن الله تعالى يرد شبهتهم هذه، ويقول لهم: إنه لا جبر ولا إكراه، والدليل على ذلك «أن الله عاقب المشركين السابقين لسوء فعلهم، ولو أن أعمالهم السيئة كانت بمشيئة الله لما عاقبهم عليها، وأن الاعتذار بالمشيئة نوع من الكذب على الله، ثم بعد ذلك طالب الله المشركين بدليل على زعمهم: (? ? ? چ چ چ چ) [الأنعام: 148] .
ولو شاء الله أن يجبر الناس لأجبرهم على الهدى، ولن يجبرهم على الكفر؛ لأن الله لا يحب الكفر لعباده، ولكن الناس لهم الحرية في سلوك طريق معين» 104.
وقد أرسل الله سبحانه الرسل، وأيدهم بالدليل والحجة، وحذّر وأنذر، وبشّر المؤمنين، كل ذلك لكي يختار الناس الخير والإيمان، ولو شاء أن يجبرهم على الهدى لما عجز عن ذلك، ولكن حكمة الله اقتضت أن يعطي الناس الحرية في الاختيار.
الفرع الثاني: المفارقة القرآنية في الدين:
قد أمر الله رسوله بأن يدعو الناس إلى عبادة الله، وهذه الآيات القرآنية الكثيرة التي تحث على ذلك، والمبيّنة لهم الهدى والضلال، والمبشرة المهتدين بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، والمنذرة الضالين المضلين بالويل والثبور، والعذاب الأليم يوم القيامة، وبعد ذلك أتت آيات المفارقة، فهذا هو الحق فإن اتبعتموه رشدتم، وإن توليتم فلي ديني، ولكم دين، أنا بريء منكم، وأنتم بريئون مني.
قال تعالى: (? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [الكافرون: 1 - 6] .
هذه السورة مكية 105، «نزلت في أفراد متعنتين من كفار قريش، أرادوا مساومة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قالوا له: يا محمد اتبع ديننا، ونتبع دينك، نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا ما في يدك قد شركت في أمرنا، وأخذت بحظك، فقال: (معاذ الله أن أشرك به غيره) فأنزل الله هذه السورة، فغدا رسول الله إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا عند ذلك 106.
ولا يهمنا من هؤلاء النفر؟ هل الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف؟ 107 أو معهم كذلك أبي بن خلف، وأبو جهل، وابنا الحجاج الذين قتلوا في بدر إلا أن ما يهمنا في هذه السورة هذه المفاصلة في العقيدة، وشدة التمسك بالحق، فهو ليس تجارة دنيوية تتأثر بقضية العرض والطلب إذا دفعوا أكثر فيوافق وإلا فلا، وليس الدين يؤخذ بالهوى، يطاع عامًا، ويرفض عامًا، بل من أراد الدين فليأخذه كاملًا في كل وقت، وإن رفض فإن الله غني عن العالمين «وهذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل الذي يستحيل معه اللقاء؛ لأن الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، فالتوحيد منهج، والشرك منهج آخر، وهذه المفاصلة ضرورية للداعية، وضرورية للمدعوين» 108.
ونظرًا لأهمية هذه السورة فقد ذكر بعض العلماء «أنها تعدل ثلث القرآن، وقيل: ربعه» 109، وكذلك تعددت أوصاف هذه السورة، فوصفت بأنها سورة المنابذة، ووصفت بسورة الإخلاص 110 وإذا نظرنا إلى تركيبة هذه السورة اللغوية نجد أنها تعبّر تعبيرًا لا يجعل مطلق الشك لأحد بمدى حزم القرآن في أن يفاصل المشركين، فقد كرر نفي أن يعبد ما يعبدون مرتين، ونفى أن يعبدوا ما يعبد مرتين، ثم ختم السورة بقوله: (? ? ? ?) [الكافرون: 6] .
إمعانًا في هذا المعنى، وقطعًا لكل من تسوّل له نفسه أن يساوم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أحد الدعاة في عقيدته؛ لذا ذكر في سبب النزول بعد أن أورد السبب «فأيسوا عند ذلك» 111 وقد تعددت آراء المفسرين في فوائد هذا التكرار، ولا بأس أن نذكر هذه الآراء مختصرة:
قال الطبري: «لا أعبد ما تعبدون من الآلهة والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون ما أعبد الآن، ولا أنا عابد فيما استقبل ما عبدتم فيما مضى، ولا أنتم عابدون فيما تستقبلون أبدًا ما أعبد أنا الآن وفيما أستقبل» 112.
وقال أبو حيان ناقلًا عن الزمخشري ومؤيدًا ذلك: «أن الأول للمستقبل، والثانية للماضي» ، ثم علق أبو حيان بقوله: «وهذا أبلغ؛ لأن (لا) في الغالب تنفي المستقبل على سبيل المقابلة، والثانية نفيًا للحال؛ لأن اسم الفاعل العامل الحقيقة فيه دلالته على الحال» 113 وهذا أبلغ لقطع أطماع الكافرين أن تنفي في المستقبل، ثم في الوقت الحاضر.
وقيل: «للتأكيد، وفائدة التوكيد قطع أطماع الكافرين» 114.
وقيل: «لمقابلة قولهم إذ قالوا: تعبد آلهتنا، ونعبد إلهك ... ، فنفى كلا القولين» 115.
وعلى العموم فإن الآيات نفي قاطع بقبول ترك الدين الحق، واتباع الأوثان، وتعليم للدعاة؛ لئلا يرضوا بالمساومة في دين الله، وإن كان الأبلغ ما قاله أبو حيان، ونقله عن الزمخشري: بأن الأول للمستقبل، والثاني للماضي والحاضر؛ لأنه تؤيده الأدلة اللغوية؛ وللمبالغة في قطع أطماع الكافرين.
ولقد ختم هذه السورة بقوله تعالى: (? ? ? ?) [الكافرون: 6] .
ولهذه فوائد عظيمة تؤيد المفاصلة، منها كما ذكره المفسرون:
••معنى التهديد: ومعناه: إن رضيتم بدينكم فقد رضينا بديننا.
••معنى الآية يقول: «إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني، ولم تتبعوني فاتركوني، ولا تدعوني إلى الشرك» 116.
••لكم دينكم فكونوا عليه إن كان الهلاك خيرًا لكم، ولي ديني لأني لا أرفضه 117. وهناك آراء أخرى تدور حول هذا المعنى.
تقرر فيما قبل أن الحرية في المفهوم الشرعي هي: التصرف عن محض إرادة واختيار، دون إكراه، وهذا يشمل القول والفعل.
وقد تعرضت كثير من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لهذا النوع من النشاط الإنساني، أعني: (التعبير) أو (القول والكلام) ، وجاء التوجيه القرآني الكريم بالتزام القول الحسن، وترك ما عداه مما لا فائدة منه، أو مما فيه مضرة في الدين، أو في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم.
وقد حدّد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ضوابط الكلام وآدابه تحديدًا دقيقًا وواضحًا، نجمل شيئًا منه فيما يلي:
الأول: حسن اختيار الألفاظ.
ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 104] .
وقوله: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?) [البقرة: 154] .
الثاني: مراعاة مضمون الكلام.
ومنه قوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 33] .
وقوله: (? ? ?) [البقرة: 83] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک) [الإسراء: 53] .
وقوله عز وجل: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [الأحزاب: 70] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف» 118.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) 119.
وفي الحديث الآخر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) 120.
الثالث: حسن اختيار التوقيت والتثبت من المعلومة.
قال الله سبحانه وتعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [النساء: 83] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها، ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) 121.
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن قيل وقال) 122، أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبيّن.
وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بئس مطية الرجل زعموا) 123.
وفي الصحيح 124: (من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) » 125.
وقد حرّم الله ورسوله الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والشتم والقذف في أدلة ظاهرة معلومة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ويستفاد من هذه الأدلة وأمثالها أن ممارسة الإنسان للتعبير ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بضوابط ومعايير، كما اتضح في العرض السابق، بل إن مما توحي به تلك النصوص في دلالاتها أن الأصل هو القيد، كما في صدر الآية من قوله سبحانه: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 148] .
وكما في الحديث السابق: (فليقل خيرًا أو ليصمت) ففي حال القول فهو مطالب بقول الخير، فإن لم يكن ذلك فهو مطالب حينئذٍ بالتزام الصمت والسكوت، وهو في كل حال خاضع لرقابة الله عز وجل له: (? ? ? ? ? ? ? ?) [ق: 18] .
ومن خلال ما سبق نخلص إلى القول: بأن حرية الكلام في الإسلام مقيدة وليست مطلقة، وقد يكون القيد فعلًا، أو تركًا، خاصة في حال ما إذا كان الأمر متعلقًا بحماية الدين والدفاع عنه، أو كان متعلقًا بمصلحة الأمة ومقوماتها العلمية والعملية، أو بالمجتمع في عقيدته وأخلاقه ومثله ومصالحه، أو كان متعلقًا بالغير وحقوقهم، ما دام الإنسان قادرًا مستطيعًا.
وما أحوج الإعلامي المسلم لتفهّم مثل هذه المعاني، وهو يتعامل مع المادة الإعلامية التي يقدّمها لجمهوره، وما أحوجه إليها وهو يوازن بين ما ينبغي أن يقال، ومتى يقال، وكيف يقال، وبين ما ينبغي أن يترك، ومتى يترك، وكيفية ذلك؛ حتى لا يضيع الحق العام، وتنتهك حرمات الله والناس بحجة المحافظة على الحقوق الشخصية، ولا يتعدى على حقوق الأفراد بدافع الأنانية والذاتية.
والناظر في واقع المسلمين اليوم يجد خللًا مدمّرًا في النظر إلى حجم حرية التعبير، والتعامل معها، ويجد تعسفًا في فهمها وتجنيًا باسمها على الثوابت والمسلمات، كما يجد خللًا أكبر في حجم وطبيعة القدر المتاح في الدفاع عن الحرية وأهله بحجة المحافظة على الحريات، ولا مخرج من ذلك إلا بالفهم الحقيقي لدين الله عز وجل، والعمل بمقتضى ذلك الفهم عن إيمان ورضا 126.
ثالثًا: مجال السلوك:
اختلف الباحثون في تصوير مفهوم الحرية الشخصية؛ وذلك نظرًا لتنوع المجالات التي يتعلق بها هذا النوع من الحرية، واختلاف الاختصاصات التي تهتم بها.
يقول عبد الوهاب خلاف في بيان مفهومها: «أن يكون الشخص قادرًا على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمنًا من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى، أو أي حق من حقوقه، على ألا يكون تصرفه عدوانًا على غيره» 127.
والحريات الشخصية من أهم أنواع الحريات التي اهتمت بها المواثيق الدولية عن حقوق الإنسان، وكذلك الشريعة الإسلامية، وهي أساس الحريات ولبّها وقاعدتها التي ترتكز عليها، وبتوفر هذه الحرية للإنسان يتوفر لديه الإحساس بآدميته، والشعور بكرامته، وبدونها تفقد الحياة حيويتها ومضمونها الإنساني الكريم.
وقد قيّدت الشريعة الإسلامية الحرية الشخصية، ولم تجعلها مطلقة.
ففي حرية المأكل والمشرب منعت الشريعة من أصناف كثيرة؛ وذلك تحقيقًا لمصلحة الدين؛ كالنهي عن شرب الخمر، وإما تحقيقًا لمصلحة الجسد في صحته أو في طبعه، كالنهي عن أكل النجاسات والمستقذرات، وذوات السموم، وذوات الأنياب والمخالب 128.
وكذلك الحال في كل الأبواب والمجالات التي أتاحت فيها الشريعة الحرية الشخصية للإنسان، فإنها لم تجعل ذلك مطلقًا، وإنما قامت بتشريع تقييدات تساعد على استمتاع الإنسان بتلك المباحات على الوجه الأكمل، دون الإضرار بالآخرين.
والشريعة حين شرعت تلك القيود على الحرية لم يكن القصد منها التضييق على الإنسان، ولا إنزال المشقة به، ولا مجرد التحكم في حياته من غير مبرر، وإنما قصدت بها تحقيق المصلحة له ولغيره، وإزالة المفاسد أو تقليلها.
ومن يتأمل في كل التقييدات التي قامت بها الشريعة في مجال الحرية الشخصية يجد القاسم المشترك بينها هو الحرص على عدم وقوع الضرر الديني بالفرد والمجتمع، فإن من حكمة الشارع كما يقول ابن القيم: «رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يكن رفعه إلا بضرر أعظم منه أبقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به» 129.
وهناك شواهد كثيرة في النصوص تدل على أن حرية التصرف تنتهي عند إلحاق الضرر بالآخرين.