«قال الكلبي: كان عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بيا حي يا قيوم أحيا عازر وكان صديقًا له فعاش وولد له، ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره حيًا، ورجع إلى أهله وبقي وولد له، وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك، فقالوا إنك تحيي من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابهتهم سكتة، فأحي لنا سام بن نوحٍ، فقال: دلوني على قبره، ففعلوا فقام على قبره، فدعا الله عز وجل، فقام من قبره وقد شاب رأسه، فقال عليه السلام: كيف شبت ولم يكن في زمانكم شيبٌ؟ قال: يا روح الله، لما دعوتني سمعت صوتًا يقول أجب روح الله، فظننت أن الساعة قد قامت، فمن هول ذلك شبت، فسأله عن النزع، قال: يا روح الله، إن مرارته لم تذهب من حنجرتي، وكان بينه وبين موته أكثر من أربعة آلاف سنةٍ، وقال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا هذا سحرٌ» 59.
«وروي في إحيائه الموتى أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة، فيحيي الإنسان ويكلمه، وروي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام، وروي أن الذي كان يحييه كانت تدوم حياته، وروي أنه كان يعود لموته سريعا، وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها، وإحياء الموتى هي آيته المعجزة المعرضة للتحدي، وهي بالمعنى متحدى بها وإن كان لم ينص على التحدي بها، وآيات عيسى عليه السلام إنما تجري فيما يعارض الطب لأن علم الطب كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم وحينئذ أثيرت فيه العجائب، فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة وأصول الطب، وذلك إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه القوة من عند الله، وهذا كأمر السحرة مع موسى، والفصحاء مع محمد عليه السلام» 60.
6.قصة أصحاب الكهف.
ومن الوقائع التي تشهد على إمكان البعث بعد الموت قصة أولئك الفتية الذين آووا إلى الكهف وكان من أمرهم ما جاء في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) } [الكهف: 9 - 12] .
قال ابن كثير: «هذا إخبار عن قصة أصحاب الكهف والرقيم على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: {أَمْ حَسِبْتَ} يعني: يا محمد {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} أي: ليس أمرهم عجيبا في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف والرقيم كما قال ابن جريج عن مجاهد: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك» 61.
وقال الطبري: «وأما الكهف، فإنه كهف الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قص الله شأنهم في هذه السورة، وأما الرقيم، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني به، فقال بعضهم: هو اسم قرية، أو واد على اختلاف بينهم في ذلك» 62.
«ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ} أي: الشباب، {إِلَى الْكَهْفِ} يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم، قال: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ} أي أنمناهم {سِنِينَ عَدَدًا} وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة، {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} أي: من نومهم {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف:19] .
وفي العلم بمقدار لبثهم، ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم، لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم» 63.
وقال القرطبي: « {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} عبارةٌ عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله، قال الزجاج: أي منعناهم عن أن يسمعوا، لأن النائم إذا سمع انتبه، وقال ابن عباسٍ: ضربنا على آذانهم بالنوم، أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها، وقيل: المعنى» فضربنا على آذانهم» أي فاستجبنا دعاءهم، وصرفنا عنهم شر قومهم، وأنمناهم، والمعنى كله متقاربٌ» 64.
وقد ذكر ابن الجوزي سبب بعثهم فقال: «فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم، فقال عكرمة: جاءت أمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد. وقال قائل: يبعث الروح وحده، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئًا، فشق اختلافهم على الملك، فانطلق فلبس المسوح، وقعد على الرماد، ودعا الله أن يبعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف» 65.
ويستفاد من ذلك أن الله ضرب على آذان هؤلاء الفتية في كهفهم حتى لا يفزعهم شيء ولا يوقظهم من سباتهم صوت إلى ما شاء الله، ثم بعثهم سبحانه بقدرته أي أيقظهم من نومهم لحكم عظيمة منها أن يعرف الناس قصتهم فيدركوا قدرته تعالى على البعث وليكون لهم في ذلك آية عليه، وأن من قدر على بعثهم بعد كل هذه السنين من نومهم مع حفظ أجسادهم من التلف والفساد قادر على أن يحييهم بعد موتهم وتحلل أجسادهم، فالنوم هو صورة صغرى للموت، إذ يتوفى الله فيه الأنفس كما في الموت، وقد صرح القرآن بذلك، وسيأتي تفصيله.
وكل هذه براهين واقعية وأدلة مشاهدة حسية على إمكان البعث بعد الموت ووقوعه بقدرة الله عز وجل على يد من شاء من عباده إظهارا لقدرته سبحانه، ودليلا على وقوع البعث يوم القيامة.
من أعظم وأظهر الأدلة الحسية المشاهدة على إمكان البعث بعد الموت، تلك الحقيقة التي تقع لكل إنسان مرة على الأقل كل يوم وهي النوم واليقظة بعده، فالنوم ما هو إلا صورة مصغرة وحالة مؤقتة من الموت، ولهذا قالوا النوم موت أصغر، وقد بين الله في كتابه أن يقظة الإنسان بعد نومه وما يحدث في هذا النوم من تعطل الحواس جميعا بحيث يصبح النائم في حالة تشبه الميت في بعض الأمور دليل على بعثه بعد موته الموتة الكبرى، وسمى النوم وفاة كما سمى الاستيقاظ منه بعثا، وقد جاء هذا الاستدلال في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى، من ذلك قوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) } [الأنعام: 60] .
قال أبو حيان في معنى الآية: «ذكر شيئًا محسوسًا قاهرًا للأنام وهو التوفي بالليل والبعث بالنهار وكلاهما ليس للإنسان فيه قدرةٌ، بل هو أمرٌ يوقعه الله تعالى بالإنسان والتوفي عبارةٌ في العرف عن الموت وهنا المعنى به النوم على سبيل المجاز للعلاقة التي بينه وبين الموت وهي زوال إحساسه ومعرفته وفكره، ولما كان التوفي المراد به النوم سببًا للراحة أسنده تعالى إليه» 66.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: «وأطلق التوفي على الموت؛ لأن الأرواح تقبض وتؤخذ أخذًا تامًا حتى لا يبقى لها تصرفٌ في الأبدان، وأطلق على النوم في هذه الآية وفي آية الزمر التي نذكرها قريبًا، فقال العلماء: إنه إطلاقٌ مجازيٌ مبنيٌ على تشبيه النوم بالموت لما بينهما من المشاركة في زوال إحساس الحواس والتمييز، وإنما جعلوه استعارةً عن النوم بناءً على جعله حقيقةً في الموت، وهو كذلك في العرف العام لا في أصل اللغة؛ يقولون توفي فلانٌ - بالبناء للمفعول - بمعنى مات، وتوفاه الله بمعنى أماته، وما أعلم أن العرب استعملت التوفي في الموت، وإنما هو استعمالٌ إسلاميٌ مبنيٌ على الموت، يحصل بقبض الأنفس التي تحيا بها الناس» 67.
وقال ابن الجوزي: « {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} يريد به النوم، لأنه يقبض الأرواح عن التصرف، كما يقبض بالموت، وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم. و {جَرَحْتُمْ} : بمعنى كسبتم، {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} أي: يوقظكم فيه، أي: في النهار، {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} أي: لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم، فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت» 68.
وقال الرازي: «بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادرًا على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة» 69.
« {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} ثم إليه وحده يكون رجوعكم إذا انتهت آجالكم ومتم، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} إذ يبعثكم من مراقد الموت كما كان يبعثكم من مضاجع النوم؛ لأنه عالمٌ بتلك الأعمال كلها فيذكركم بها، ويحاسبكم عليها، ويجزيكم بها، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌ، وفيه تنبيهٌ على أن القادر على البعث من توفي النوم قادرٌ على البعث من توفي الموت» 70.
وكذلك قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) } [الزمر: 42] .
قال ابن كثير: «قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) } [الأنعام:60 - 61] .
فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى» 71.
وقال القرطبي: «وقال ابن زيدٍ: النوم وفاةٌ والموت وفاةٌ .. وقال عمر: النوم أخو الموت» 72.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله قيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: (النوم أخو الموت و لا ينام أهل الجنة) 73.
قال ابن العربي: «خلق الله للعبد النوم، ليعلم به كيفية الانتقال من حال إلى حال، وصفة الخروج من دار إلى دار، فإنه موت أصغر، وقد يقال بنظر آخر أنه يقظةٌ صغرى، فإن نظرنا إليه من حيث عدم الحركة والحس والتصرف بالأفعال معه، قلنا هو موت لعدم ذلك كله به، وقد قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] .
وإن نظرنا إليه من حيث إنه انقطاع عن عالم التصرف الأدنى مع الآدميين والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين، وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال، واطلاع على ما يكون غدًا، رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلًا عن موت مفقد، ونوم مفسد» 74.
وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} أي: يقبض الأرواح حين موت أجسادها {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ} أي: ويتوفى التي لم تمت في منامها. فيمسك أي: عن الجسد والنفس {الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى} إلى الجسد إلى أجلٍ مسمًى وهو انقضاء العمر {إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون} في أمر البعث» 75.
وقال الطبري: «وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يقول تعالى ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعد نفس هذا ترجع إلى جسمها، وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبر، وبيانا له أن الله يحيي من يشاء من خلقه إذا شاء، ويميت من شاء إذا شاء» 76.
«وقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني أن توفي نفسٍ النائم وإرسالها بعد التوفي دليلٌ على البعث» 77.
تأكيد مبدأ البعث بالقسم الرباني:
يأتي القسم لتأكيد الخبر لمنكريه، وقد أمر الصادق صلى الله عليه وسلم أن يقسم على قضية البعث تأكيدا لها في وجه من كذبوه وأنكروها، وهو الذي لم يجربوا عليه كذبا قط باعترافهم، وقسمه عليها رغم أنها من الغيب، حيث لم يعاين أمر البعث لأن إخبار الله له به أشد يقينا في قلبه مما يشاهده بعينه.
قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) } [التغابن: 7] .
«يخبر تعالى عن عناد الكافرين، وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق، {وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فإنه وإن كان عسيرًا بل متعذرًا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم كلهم، لو اجتمعت على إحياء ميت واحد، ما قدروا على ذلك» 78.
«والمراد بالذين كفروا هنا المشركون من أهل مكة ومن على دينهم، واجتلاب حرف لن لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء البعث، ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكدًا بالقسم لينقض نفيهم بأشد منه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم عن الله أن البعث واقعٌ وخاطبهم بذلك تسجيلًا عليهم أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك، وجملة {قُلْ بَلَى} معترضةٌ بين جملة {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وجملة {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وحرف بلى حرف جوابٍ للإبطال خاصٌ بجواب الكلام المنفي لإبطاله» 79.
قال الرازي: « {بَلَى} إثباتٌ لما بعد أن وهو البعث وقيل: قوله تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي} يحتمل أن يكون تعليمًا للرسول صلى الله عليه وسلم، أي يعلمه القسم تأكيدًا لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن» 80.
«أي زعموا أن الشأن لن يبعثوا بعد موتهم {قُلْ} ردا عليهم وإظهارا لبطلان زعمهم بإثبات ما نفوه بلى تبعثون، وأكد ذلك بالجملة القسمية فهي داخلة في حيز الأمر، وكذا قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، وزيد ذلك لبيان تحقق أمر آخر متفرع على البعث منوط به ففيه أيضا تأكيد له {وَذَلِكَ} أي ما ذكر من البعث والجزاء {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} لتحقق القدرة التامة وقبول المادة» 81.
«وجواب القسم لتبعثن، أي: لتخرجن من قبوركم لتنبؤن بما عملتم أي: لتخبرن بذلك إقامةً للحجة عليكم، ثم تجزون به وذلك البعث والجزاء على الله يسيرٌ إذ الإعادة أيسر من الابتداء» 82.
ومثله قوله تعالى تأكيدا لأمر البعث بالقسم ردا على قولهم بإنكارها: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) } [سبأ: 3] .
« {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبةً لا أنفسهم أو معاصريهم فقط كما أرادوا بنفي إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع تحققها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، ولأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور، وقيل هو استبطاءٌ لإتيانها الموعود بطريق الهزء والسخرية كقولهم متى هذا الوعد، {قُلْ بَلَى} ردٌ لكلامهم وإثباتٌ لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا إتيانها، وقوله تعالى: {وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} تأكيدٌ له على أتم الوجوه وأكملها، وقرئ (ليأتينكم) على تأويل الساعة باليوم أو الوقت، وقوله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ} الخ إمداد للتأكيد وتسديدٌ له إثر تسديدٍ وكسر لسورة نكيرهم واستبعادهم، فإن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسم به على الإطلاق يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه وقوة ثباته وصحته لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر، ولا ريب في أن المستشهد به كلما كان أجل وأعلا كانت الشهادة آكد وأقوى، والمستشهد عليه أحق بالثبوت وأولى، لا سيما إذا خص بالذكر من النعوت ماله تعلقٌ خاصٌ بالمقسم عليه كما نحن فيه، فإن وصفه بعلم الغيب الذي أشهر أفراده وأدخلها في الخفاء هو المقسم عليه تنبيه لهم على علة الحكم، وكونه مما لا يحوم حوله شائبة ريبٍ ما، وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين عذرٌ ما أصلًا، فإنهم كانوا يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة الكذب فضلًا عن اليمين الفاجرة، وإنما لم يصدقوه مكابرة» 83.
ومن القسم على وقوع البعث قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) } [القيامة: 1 - 4] .
«وصيغة لا أقسم صيغة قسمٍ، أدخل حرف النفي على فعل أقسم لقصد المبالغة في تحقيق حرمة المقسم به بحيث يوهم للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول: لا أقسم به، أي ولا أقسم بأعز منه عندي، وذلك كنايةٌ عن تأكيد القسم» 84.
«قوله عز وجل: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال الحسن: أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وقال قتادة: حكمها حكم الأولى، وفي «النفس اللوامة» ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس. فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين لا ينفعها اللوم.
والثاني: أنها النفس المؤمنة، قاله الحسن. قال: لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال.
والثالث: أنها جميع النفوس. قال الفراء: ليس من نفس برةٍ ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت: هلا زدت. وإن كانت عملت سوءا قالت: ليتني لم أفعل» 85.
والأظهر هو القول الثاني، لأن الله تعالى أقسم بها، والقسم من الله تعظيم لشأن المقسم به وتنبيه على مكانته، وهذا يليق بالنفس المؤمنة بخلاف النفس الفاجرة أو المذمومة، والله أعلم.
«وجواب القسم ما دل عليه قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ، وهو: لتبعثن. انتهى، وهو تقدير النحاس. وقول من قال جواب القسم هو: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} . وما روي عن الحسن أن الجواب: {بَلَى قَادِرِينَ} ، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما، أي لا أقسم على شيءٍ، وأن التقدير: أسألك أيحسب الإنسان؟ أقوالٌ لا تصلح أن يرد بها، بل تطرح ولا يسود بها الورق، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها، والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث» 86.