من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في ألوانهم وصورهم وألسنتهم، وكذلك أيضًا جعلهم مختلفين في عقائدهم وأفكارهم وتصوراتهم، وعن هذا النوع الأخير من الاختلاف سيكون حديثنا في النقاط الآتية:
لقد خلق الله تعالى البشر مختلفين في الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، متفاوتين في العقول، مختلفين في التفكير تتصادم مصالحهم وتتنازع رغباتهم، وهذا الاختلاف بين في المشارب والأهواء، سنة من سنن الله في الخلق والتكوين.
قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119] .
قال ابن كثير في هذه الآية: «يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان أو كفران، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99] ، وقوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} ، أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم» 43.
وقال السعدي: «يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، كل يرى الحق، فيما قاله، والضلال في قول غيره، وقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة؛ ليتبين للعباد، عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء» 44.
وقد بين الله سبحانه وتعالى الحكمة من ذلك، حيث قال جل شأنه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة: 48] .
قال الخازن في هذه الآية: « {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعني: جماعة متفقة على شريعة واحدة ودين واحد لا اختلاف فيه {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ} يعني: ولكن أراد أن يختبركم {فِي مَا آتَاكُمْ} يعني: من الشرائع المختلفة هل تعملون بها أم لا؟ فيتبين بذلك المطيع من العاصي والموافق من المخالف» 45، وقد سلى الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما كان يناله من قومه، حيث كان حريصًا على هداهم، فبين الله تعالى له الحكمة في ذلك، حيث قال جل شأنه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8] .
قال المراغي في هذه الآية: «ثم سلى رسوله على ما كان يناله من الغم والهم بتولي قومه عنه، وعدم استجابة دعوته، وأعلمه أن أمور عباده بيده، وأنه الهادي إلى الحق من يشاء، والمضل من أراد فقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} أي: ولو شاء الله لجعل الجميع مؤمنين كما تريد وتحرص عليه.
ولكن حكمته اقتضت أن يكون بعضهم مؤمنين كما تحب، وبعضهم كفارًا وهم الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ لأنه سبحانه شاء أن يكون الإيمان مبنيًا على التكليف والاختيار ...
ولو شاء لجعل الإيمان بالقسر والإلجاء، فكان الناس جميعًا أمة واحدة، ولكن له الحجة البالغة، والمثل الأعلى، لم يشأ ذلك، فلا تأس على عدم إيمان قومك ...
وقد جاء هذا المعنى في غير آية ... منها كقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35] ، وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] » 46.