أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: « (بيت) الباء والياء والتاء أصل واحد، وهو المأوى والمآب ومجمع الشمل، يقال: بيت وبيوت وأبيات 1» .
والبيت سمي بيتًا؛ لأنه يبات فيه ليلًا 2.
قال الراغب: «أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: إذا أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار، ثم قد يقال للمسكن: بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه: أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه ابن العربي بقوله: «كل ما علاك فأظلك فهو سقف، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت» 4.
وقال القرطبي: «البيت سمي بذلك؛ لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية، وإن لم يكن بها ساكن» 5.
وعرفه إسماعيل حقي بقوله هي: «اسم مبنى مسقف مدخله من جانب واحد، بنى للبيتوتة سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثة» 6.
وعرفه ابن عاشور بقوله: «البيت: اسم جنس للمكان المتخذ مسكنًا لواحد، أو عدد من الناس في غرض من الأغراض، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلًّا به لنفسه، ولمن يتبعه فيكون مستقرًّا له، وكنًّا يكنّه من البرد، وساترًا يستتر فيه عن الناس، ومحطًّا لأثاثه وشؤونه» 7.
ورد (البيت) في القرآن الكريم (63) مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
مفرد ... 26 ... {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة:125]
جمع ... 37 ... {أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور:61]
وجاءت البيوت في القرآن على ثلاثة أوجه 9:
الأول: المكان المعد للمبيت، ويشمل المنزل والخيمة وغيرها، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور:61] . أي: منازل.
الثاني: المسجد: ومنه قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36] . أي: مساجد.
الثالث: الكعبة: ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة:125] .
أي: جعلنا الكعبة.
المنزل:
المنزل لغة:
موضع النزول، وهو الحلول، تقول: نزلت نزولًا ومنزلًا؛ ويطلق المنزل على المنهل والدار 10، ومنه قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) } [المؤمنون:29] .
المنزل اصطلاحًا هو:
اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مسقف ومطبخ ليسكنه الرجل بعياله 11، وهو عند الفقهاء دون الدار وفوق البيت، وأقله بيتان أو ثلاثة 12.
الصلة بين البيت والمنزل:
أن البيت أخص من المنزل، والمنزل أعم من البيت.
الدار:
الدار لغة:
المحل الذي يجمع البناء والعرصة، وهو من دار يدور؛ لكثرة حركات الناس فيها 13، ومنه قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) } [الأعراف:91] .
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) } [يونس:25] .
الدار اصطلاحًا:
هو اسم لما اشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقف 14.
الصلة بين البيت والدار:
أن الدار أشمل من البيت والمنزل لاشتمالها عليهما 15.
المسكن:
المسكن لغة:
مكان السكنى، والموضع الذي يسكن فيه 16، كما يطلق المسكن: على المنزل والبيت 17، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سبأ:15] .
المسكن اصطلاحًا:
هو البيت سواء كان بناء، أم خيمة، أم غير ذلك 18.
الصلة بين البيت والمسكن:
أن المسكن هو البيت الذي يسكن فيه الإنسان إلا أن المسكن فيه معنى الإقامة والاستيطان والاستقرار بالمكان 19.
المأوى:
المأوى لغة:
المكان 20، قال الجوهري: «المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا» 21، ومنه قوله تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) } [النجم:15] .
وقوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) } [النازعات:39] .
المأوى اصطلاحًا:
هو كل مكان يأوي إليه شيء، ويكون ملجأ للشخص ومستراحًا يستريح إليه
من الحر والبرد 22.
الصلة بين البيت والمأوى:
أن البيت هو محل المأوى الذي يأوي إليه الإنسان ويجتمع شمله بمن أوى إليهم.
العمارة:
العمارة لغة:
نقيض الخراب: يقال: عمر أرضه: يعمرها عمارة، قال تعالى: {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة:19] .
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة:18] .
إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا، أي: أقمت به 23.
وعمر المنزل بأهله عمرًا، وعمره أهله: إذا سكنوه، وأقاموا به، وعمرت الدار عمرًا أيضًا: بنيتها، والاسم العمارة بالكسر، والعمران: اسم للبنيان 24.
العمارة اصطلاحًا:
هي اسم للبيت المؤلف من طبقات وشقق 25.
الصلة بين البيت والعمارة:
أن العمارة اسم للبيت الواسع المكون من طوابق وشقق إلا أن فيه معنى حفظ البناء والإقامة فيه.
الخراب:
الخراب لغة:
ضد العمارة، قال تعالى: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة:114] 26.
قال ابن فارس: « (خرب) الخاء والراء والباء أصل يدل على التثلم والتثقب، فالخربة: الثقبة، ومن الباب، وهو الأصل، الخراب: ضد العمارة» 27.
الخراب اصطلاحًا:
هو ذهاب العمارة 28.
الصلة بين البيوت والخراب:
أن الخراب هو نقيض البيوت وعمارتها والسكن فيها.
الخواء:
الخواء في اللغة:
قال ابن فارس: « (خوى) الخاء والواو والياء أصل واحد يدل على الخلو والسقوط» 29، وخوت الدار: تهدمت وسقطت؛ ومنه قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) } [النمل:52] .
أي: خالية، كما قال تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) } [الحج:45] ؛ أي: خالية، وقيل: ساقطة على سقوفها، وأرض خاوية: خالية من أهلها 30.
الخواء اصطلاحًا:
سقوط البيوت وتهدمها بعد خلوها من سكانها الذين كانوا يعمرونها 31.
الصلة بين البيوت والخواء:
أن الخواء صفة للبيوت الخالية من سكانها بسبب ما حل بها من عذاب، كما يلاحظ ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظ: (خاوية) ، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة:259] .
وقال تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) } [الحج:45] .
وقال سبحانه: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) } [النمل:52] .
من نعم الله تعالى على عباده أن جعل البيوت مكانًا للعبادة، ومكانًا للأمن ومكانًا للستر، وللراحة والاستقرار، ومكانًا للأكل والإدخار، وبيان ذلك في الفقرات الآتية:
أولًا: مكان للعبادة:
إن البيوت التي جعلها الله للعبادة على ثلاثة أنواع:
1.البيت الحرام.
وهو مكان للعبادة حيث يجب على المسلم استقبال البيت الحرام في كل صلاة، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) } [آل عمران:96] .
قال أبو جعفر الطبري: «ومعنى ذلك: إن أول بيت وضع للناس لعبادة الله فيه» 32.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} قال: «كانت البيوت قبلة، ولكن كان أول بيت وضع لعبادة الله» 33.
وقد أمر الله تعالى باستقبال البيت الحرام بقوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] .
والمعنى: «من أي مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شطره، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده» 34.
كما أنه مكان لعبادة الحج قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] .
أي: ويجب الحج على المستطيع من هذه الأمة، واستطاعة السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، واختلاف البعد عن البيت والقرب منه 35.
والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، أي: فرض واجب لله تعالى على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام 36.
2.المساجد.
إن المساجد بيوت ومكان للعبادة، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) } [النور:36] 37.
والبيوت المذكور في الآية هي: المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وقوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} ، أي: أذن الله أن تبنى، فيصلى فيها الصلاة المفروضة بالغدو والآصال بالبكر والعشايا 38.
3.بيوت المؤمنين.
إن بيوت المؤمنين مكان للعبادة كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) } [يونس:87] يقول: واجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها 39، وقيل: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف؛ لأنهم آمنوا على خوف من فرعون 40، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي: في بيوتكم، وفي ذلك دلالة على جواز كتم الصلاة عند الخوف، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي: بالنصرة في الدنيا، والجنة في العقبى 41.
كما أن الله تعالى أخبر عن حال عباده في بيوتهم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) } [الفرقان:64] .
أي: والذين يبيتون ساجدين قائمين لربهم، أي: يحيون الليل كله أو بعضه بالصلاة، وخص العبادة بالبيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أخص وأبعد عن الرياء، وقال ابن عباس رضي الله عنه: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا قائمًا، ونحو الآية قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) } [السجدة:16] .
وقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) } [الذاريات:17 - 18] .
وقوله عز وجل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] 42.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الرجل من صلاته غير المفروضة في بيته شيئًا، فقد روى ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا) 43.
وروى زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة قال: حسبت أنه قال من حصير- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: (قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) 44.
وفي هذه الأحاديث بيان بأن بيوت المؤمنين مكان للصلاة، وفيها أيضًا حث للصلاة في البيوت فيما عدا الفروض، فإنها تكون في المساجد من أجل الجماعة.
ثانيًا: مكان للأمن:
جعل الله تعالى البيوت مكانًا يأمن فيه الإنسان على نفسه وأهله وماله، وجعل لهذه البيوت حرمة لا يجوز دخولها إلا بإذن من صاحبها فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .
وشرع الاستئذان لمن يزور أحدًا في بيته؛ لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار مما يؤذي الأبدان من حرٍّ وقرٍّ ومطرٍ، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه، فإذا كان في بيته وجاءه أحد فهو لا يدخله حتى يصلح ما في بيته وليستر ما يحب أن يستره، ثم يأذن له أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب 45.
وحكمة الاستئذان هي: توفير حرمة المسكن وحرية السكان، لذا قال الله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: أن الاستئذان خير وأفضل للطرفين، المستأذن وأهل البيت، فهو خير من الدخول فجأة، والمعنى: قد أنزل الله عليكم هذا الأدب، وأرشدكم إليه، لتتذكروا وتتعظوا، وتعملوا بالأصلح لكم، {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) } [النور:28] أي: فإن لم تجدوا في بيوت غيركم أحدًا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى يأذن لكم صاحب الدار، فلا يحل الدخول في هذه الحالة؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه؛ ولأن للبيوت حرمة، وهي محل السكن الخاص والطمأنينة الشخصية، والراحة والوداعة 46.
وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم حرمة من تطلع في بيوت الغير بغير إذن، وأهدر كل جناية تقع عليه؛ لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح) 47، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم، حل لهم أن يفقؤوا عينه) 48.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن البيوت مكان للأمن حيث يأمن فيها الإنسان على نفسه وحرمه وأهله، ولهذا فقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الجناح عن من تطلع في بيت غيره بغير إذن بأن يفقأ عين من يفعل ذلك، وأن ذلك هدر لا قصاص فيه، ولا دية.
والأمن في البيوت نعمة تستوجب الشكر؛ لما رواه سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) ، وحِيزَت: جُمِعَت 49.
وقد جعل الله تعالى بيته الحرام مكانًا للأمن العام، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) } [البقرة:125] .
فقد استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) } [البقرة:126] .
فجعل الله مكة المكرمة بلدًا آمنًا من الظلم والإغارات الواقعة على غيره، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه 50.
وقال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] .
أي: وأمن من دخله، والعرب جميعًا قد اتفقوا على احترامه وتعظيمه، فمن دخله أمن على نفسه من الاعتداء والإيذاء، ومن أن يسفك دمه أو تستباح حرماته ما دام فيه، وقد مضوا على ذلك الأجيال الطوال في الجاهلية على كثرة ما بينهم من الأحقاد والضغائن، واختلاف المنازع والأهواء، وقد أقر الإسلام هذا، وكل ذلك بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة:126] » 51.
والمعنى: ومن دخله كان آمنًا يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه.
وقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67] .
وقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) } [قريش:3 - 4] .
وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها 52.
ثالثًا: مكان للستر:
جعل الله تعالى البيوت مكانًا لستر العورات والحرمات، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل:80] .
أي: جعل لكم موضعًا تسكنون فيه أيام مقامكم، وقيل: معناه: جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة والحرم، فتهدأ فيه جوارحكم 53.
وقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} موضعًا تسكنون فيه، قال ابن عباس، ومجاهد: يعني: المساكن من الحجر والمدر يستر عوراتكم وحرمكم، وذلك أن الله خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن تسقيف البيوت وبناؤها، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا} يعني: الأنطاع والأدم، بيوتًا يعني: القباب والخيام، {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} يخف عليكم حملها في أسفاركم، ومعنى الظعن: سير أهل البوادي لنجعة، أو حضور ماء، أو طلب مرتع، {وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} قال مقاتل: لا تثقل عليكم في الحالتين 54.
رابعًا: الراحة والاستقرار:
جعل الله تعالى البيوت مكانًا للراحة والاستقرار، وهذا ما يفيده معنى السكن الذي جعله الله تعالى في البيوت.
قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) } [النحل:80] .
يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا، أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: {تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} بما يحقق لهم الراحة والاستقرار فيها في كلا الحالين 55.
قال سيد قطب: «والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشردون الذين