قال ابن عاشور رحمه الله: «فالسجود له معنى حقيقي، وهو وضع الجبهة على الأرض ومعنى مجازي، وهو التعظيم، وقد استعمل فعل يسجد هنا في معنييه المذكورين لا محالة» 59.
ويأتي السجود والانقياد أيضًا في الآية الكريمة بمعنى الخضوع والخشوع، كما في قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] .
2 -قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) } [الرحمن: 6] .
وسجودهما يحتمل وجوهًا:
أحدها: سجود خلقة؛ قد جعل الله تعالى في خلقة كل شيء دلالة السجود له والشهادة له بالوحدانية.
والثاني: سجود هذه الأشياء الموات: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله تعالى: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] .
والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله تعالى يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وقال بعض الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} 60.
وفسر أكثر المفسرين 61 كلمة النجم بمعنى النبات المجرد عن الساق، ومنهم من فسر النجم بالكواكب لا سيما مع تأكيد الإيهام بذكر الشمس والقمر، وأما الشجر ما كان له ساق وسجودهما هو طاعتهم المطلقة وخضوعهم وانقيادهم لله عز وجل، وسيرهم مع القوانين الكونية التي خلقها الله تعالى وعدم الخروج عنها على وجه الطاعة والتعظيم والانقياد لأمر الله تعالى.
وسواء أكان النجم نجم السماء أم كان نوعًا من النبات، فسجوده ليس كسجود الإنسان بوضع الرأس على التراب، بل بمعنى التسليم والخضوع لله تعالى، وكل الكائنات خاضعة لله تعالى بالسجود له، ولكن كل بحسبه ولغته، لا ندرك كيفيتها، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) } [الرعد: 15] .
بل نؤمن بها كما جاء بها القرآن الكريم.
ثانيًا: التسبيح:
التسبيح في اللغة: هو التنزيه، تقول: سبحت الله تسبيحًا، أي: نزهته تنزيها، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف 62، ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن هذه المعاني.
ولا تقتصر عبادة التسبيح على الإنسان بل شملت جميع الموجودات ومنها الشجر، وذلك في عدد من الآيات، منها:
قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) } [الإسراء: 44] .
أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغتكم، وهذا عام في النبات والجماد والحيوانات 63.
والمراد أنها تسبح له بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تنطلق بذلك، وكأنها تنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها 64.
وعن عكرمة {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} قال: الشجرة تسبح 65، وقال قتادة رحمه الله: كل شيء فيه الروح يسبح، من شجر أو شيء فيه الروح 66.
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) } [النور: 41] .
ودلالة الآية القرآنية واضحة في تقرير حقيقة التسبيح، وأن كل شيء في الوجود يسبح لله تعالى على وجه التقديس والتعظيم، وكل يسبح بطريقته ولغته التي لا يفهمها البشر، بل نؤمن بها كما جاءت بالقرآن الكريم.
والملاحظ عدم تخصيص الشجر في هذه الآيات الكريمة إلا أنها تدخل في عموم المخلوقات والموجودات التي تسبح الله تعالى.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم بعض الآيات جاء فيها لفظ الشجر مقرونًا بأحداث كبيرة ومتنوعة ارتبطت بالابتلاء، منها قصة آدم عليه السلام مع الشجرة التي نهي أن يقرب منها، فأكل منها فصارت عليه محنة وابتلاءً، وقصة صاحب الجنتين، وأصحاب الجنة، وهذا ما سوف نبينه في النقاط الآتية:
أولًا: قصة آدم:
وهي أول قصة ابتلاء ارتبطت مع الشجر لأول إنسان خلقه الله تعالى، ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) } [الأعراف: 19 - 22] .
وملخص قصة آدم عليه السلام التي يرويها أكثر المفسرين تتمثل في أن الله تعالى أمر آدم عليه السلام وزوجته حواء أن يسكنا الجنة ويأكلا من ثمارها، ويبتعدا عن شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فأتى الشيطان إلى أدم عليه السلام وحواء، فقال لهما: هل أدلكما على شجرة إن أكلتما منها خلدتما فلم تموتا، وملكتما ملكًا لا ينقضي فيبلى، فحلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب.
فأكل آدم عليه السلام وحواء من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما، فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما، فأقبلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما، وناداهما ربهما قال لهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدو مبين، قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ذنوبنا وترحمنا وتتجاوز عنا لنكونن من الخاسرين في العقوبة.
فتاب الله عليهما، وأوحى إليهما: أن اهبطوا من الجنة آدم وحواء وإبليس، بعضكم لبعض عدو، يكون إبليس لهما عدوًا، وهما لإبليس أعداء، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين إلى منتهى آجالكم وإبليس إلى النفخة الأولى، قال الله فيها تحيون، يعني: في الأرض، وفيها تموتون عند منتهى آجالكم، ومنها تخرجون يوم القيامة 67.
والمتأمل في قصة آدم عليه السلام من خلال هذه الآيات القرآنية يجد ذكر الشجرة التي أخرجت آدم عليه السلام وزوجه من الجنة على وجه الابتلاء بعدم القرب والأكل منها.
فقوله تعالى المتكرر في سورة البقرة والأعراف: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} ، أي: اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم 68.
قال قتادة رحمه الله: «ابتلى الله آدم كما ابتلى، الملائكة قبله وكل شيء خلق مبتلى ولم يدع الله شيئا من خلقه إلا ابتلاه بالطاعة، فما زال البلاء بآدم حتى وقع فيما نهي عنه» 69.
يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية: «يعني به: ولا تأكلا من الشجرة؛ لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها، فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل؛ لأن القرب من الشيء ينشئ داعية وميلا إليه» 70.
ويأتي في هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) 71.
ولم يعرض القرآن الكريم ماهية تلك الشجرة ونوعها التي أكل منها آدم عليه السلام وزوجه، ومع ذلك فقد اختلف أهل التفسير فيها على أقوال، فقد ورد عن علي وابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي أنها الكرمة، وعن ابن عباس والحسن وجمهور المفسرين أنها الحنطة، وعن قتادة وابن جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من الصحابة أنها شجرة التين، ووقع في سفر التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها بشجرة معرفة الخير والشر.
وفي هذا يقول الإمام الطبري رحمه الله: «والصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها، فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم إذا علم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به 72.
وعلى أية حال فمهما تعددت الأقوال في بيان نوع الشجرة وتعيينها تبقى مبهمة؛ لأن الله تعالى لم يذكر عنها شيئًا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، فلا يوجد دليل على تحديد نوعها، ولا يترتب على تحديدها شيء؛ لذلك نؤمن بأنها شجرة من أشجار الجنة كان لها دور كبير في تغيير مسار حياة البشرية كافة حيث ابتلى الله تعالى سيدنا آدم عليه السلام بها حين نهي عن القرب منها، فدنا منها فصارت عليه ابتلاء ومحنة، فأخرج من تلك الجنة والنعيم لتكون تلك الشجرة سببًا لبداية حياة البشرية على وجه الأرض.
ثانيًا: قصة صاحب الجنتين:
ارتبط مفهوم الشجر مع قصة صاحب الجنتين من حيث كون الشجر أصبح ابتلاء وفتنة بعدما كان نعمة من الله تعالى على صاحبه، حيث إن صاحب الجنتين لم يشكر هذه النعمة ولم ينسبها إلى المنعم، وتمادى في غيه وظلمه، وتجرأ على الكفر بإنكاره البعث والساعة؛ لأنه يعيش في النعم الدنيوية، ويريدها أن تدوم بصورة أبدية، كما جاءت القصة في سورة الكهف في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف: 32 - 36] .
وقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا} أي: بين حالًا تكون فيها العبرة، وهي حال رجلين مختلفين طاعة وعصيانا، {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} ، أي: جعل الله لأحدهما جنتين من كروم، وأحاطهما بنخل، كفعل كبار الملاك الذين يجعلون مزارعهم ذات جنات وعيون ونخل يحوطها كأنه سور يطوف بها، فتكون مثمرة، ويكون سورها مثمرا لا يكون حديدًا ولا خشبًا، ولا بناءً، بل يكون نخلًا حيًا مثمرًا يؤتي جناه، وجعلنا بينهما زرعًا، ينتج بقولًا وقمحًا، فحيثما نظرت إلى الجنتين وجدت طعامًا طيبًا، فاكهةً وتمرًا وغيرهما مما هو غذاء ومتعة.
و {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ، أي: ثمرها كاملًا موفورًا وبانتظام لم تتخلف سنة عن أخرى، بل آتت به رتيبا تباعا، ولم تظلم منه شيئا، أي: لم تنقص منه شيئا، {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} ، أي: شققنا خلالهما نهرًا يجري والماء موفور، لا تصاب الزروع بحرمان منه، ولا الأرض بجفاف، بل كل شيء ممهد 73.
وقوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قيل: المراد به: المال، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا 74.
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} أي: دخل الجنة في هذه الحال التي استولت عليه حال الغرور، وحال التعالي الكاذب وعدم المبالاة إلا بالساعة التي هو فيها، واندفع بها إلى الشرك، وهو بذلك الغرور والكبر وغمط الناس ظالم لنفسه، فظلمه لنفسه بهذا الذي هو محيط به، وقد أداه إلى الشرك كما ذكرنا، وذلك ظلم عظيم، وقد أداه ذلك إلى أن يقول: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} ، فهو حكم بالحاضر على المستقبل، وذلك شأن المادي الذي يأسر الحاضر تفكيره، حتى لا يفكر إلا في محيطه، وقد أكد بقاءها بالنفي بـ (ما) ، وبـ (أبدا) ، وكأنه يحكم على الله، ويتحكم في المقادير وما هو بشيء، ثم يتطاول فينكر البعث، ويفتات في تقديره، فيقول: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [الكهف: 36] .
وينفي إيمانه بالساعة ويقول مستهينا غير عابئ كأن الأمر لا يوجب اهتمامه: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} ، ويفرض أنه إذا جاءت الساعة، فإنه سينال مثل ما ينال في الدنيا وأكثر منه، فيقول مغترًا: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} مرجعًا انقلب إليه، بدلا مما كنت فيه، وهو في هذا يقسم مطمئنًا، وهو بهذا يقيس الحال المقبلة على الحال الحاضرة، وكأن جنات الدنيا ممتدة إلى الآخرة، بل تزيد عليها، وأن هذا أقصى درجات الغرور، فهو يفتات على ربه أو يقسم عليه، وليس من المقربين إليه الذين عادوا بما آتاهم من خير على المحتاجين من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل 75.
والمتأمل في قراءة هذه القصة يجد عدم ذكر لفظ الشجر في هذه الآيات الكريمة إلا أنها تدخل في عموم الجنتين التي جاء ذكرها في القصة، ويجد من خلال هذه الآيات القرآنية كيف يفعل الغرور والتكبر بصاحبه حينما يتمكن منه.
ويتضح مما تقدم علاقة الشجر بقصة صاحب الجنتين في كونه ابتلاء ومحنة للذي أوتي الجنتين والذي جحد وعصى وتمرد فكفر بنعمة الله تعالى وأنكرها، فكان جزاءه أن الله تعالى قطع عنه تلك النعم، وصب عليه أنواع العذاب والحرمان.
ثالثًا: قصة أصحاب الجنة:
ذكر الله تعالى قصة أصحاب الجنة في سورة القلم حيث ضرب للمشركين مثلًا بحال أصحاب الجنة، كما ضرب مثل قريب منه في قصة صاحب الجنتين، كما مضى ذكرها في المطلب السابق، فكلتاهما امتحان للمبتلى واختبار شكره لتلك النعم أو كفره بها، فالمثل يضرب لمن كفر بنعمة الله تعالى على سبيل العظة والاعتبار.
وأما أصحاب الجنة فهم الذين ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم بجنة، وهي بستان فيها زروع وثمار وأشجار، ثم جحدوا وكفروا بتلك النعمة حين قرروا منع حق الفقير والمسكين من تلك الثمار، ولذلك أنزل الله تعالى على تلك الجنة صاعقة فأحرقتها، وتأتي القصة بسياقها من خلال الآيات الآتية:
قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) } [القلم: 17 - 32] .
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثه محمدًا صلى الله عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛ ولهذا قال: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أي: اختبرناهم، {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه» 76.
وقال ابن عاشور: «فالبلوى المذكورة هنا بلوى بالخير، فإن الله أمد أهل مكة بنعمة الأمن ونعمة الرزق وجعل الرزق يأتيهم من كل جهة، ويسر لهم سبل التجارة في الآفاق بنعمة الإيلاف برحلة الشتاء ورحلة الصيف، فلما أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى ما فيه النعيم الدائم، فدعاهم وذكرهم بنعم الله، أعرضوا وطغوا ولم يتوجهوا إلى النظر في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي أكملت لهم النعم، ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنة المذكورة هنا هو الإعراض عن طلب مرضاة الله وعن شكر نعمته، وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب» 77.
وقال ابن كثير: «وقوله: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلًا؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، {وَلَا يَسْتَثْنُونَ} أي: فيما حلفوا به» 78.
ومعنى لا يستثنون: «أنهم لا يستثنون من الثمرة شيئًا للمساكين، أي: أقسموا ليصرمن جميع الثمر ولا يتركون منه شيئا، وهذا التعميم مستفاد مما في الصرم من معنى الخزن والانتفاع بالثمرة، وإلا فإن الصرم لا ينافي إعطاء شيء من المجذوذ لمن يريدون» 79.
ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} أي: أصابتها آفة سماوية 80.
قال ابن عاشور: «ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه؛ لأن العبرة في الحاصل به» 81.
{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} ، أي: كالليل الأسود، {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجذاذ، {أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} أي: تريدون الصرام، {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدًا كلامهم، أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم، قال الله تعالى: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} أي: قوة وشدة، {قَادِرِينَ} أي: عليها فيما يزعمون ويرومون، {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله عز وجل قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق؛ ولهذا قالوا: {إِنَّا لَضَالُّونَ} أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها، ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب 82.
قال ابن عاشور: « {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} إضراب للانتقال إلى ما هو أهم بالنظر لحال تبييتهم إذ بيتوا حرمان المساكين من فضول ثمرتهم، فكانوا هم المحرومين من جميع الثمار، فالحرمان الأعظم قد اختص بهم إذ ليس حرمان المساكين بشيء في جانب حرمانهم، ويحتمل: أن يكون الضلال حقيقيًا، أي: ضلال طريق الجنة، أي: قالوا: إنا أخطأنا الطريق في السير إلى جنتنا؛ لأنهم توهموا أنهم شاهدوا جنة أخرى غير جنتهم التي عهدوها، قالوا ذلك تحيرًا في أمرهم» 83.