فيجيب عن هذا الرازي فيقول: «الأصل في الإنسان البخل؛ لأنه خلق محتاجًا، والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل.
ثم إن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد، وللخروج عن عهدة الواجب! فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض، فهو في الحقيقة بخيل» 43.
إذًا ففي نفس كل إنسان قدر من الشح، ولكن مع هذا فكل إنسان مأمور أن يقاوم هذا الشح، يقول الله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) } [الحشر: 9] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه-: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) 44.
فقد أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم المسلم بالابتعاد عن الشح، ولو لم يوجد في نفس الإنسان شح لما أمراه بأن يتوقاه، إذ كيف يأمراه بأن يتوقى شيئًا ليس موجودًا فيه أصلًا، فالله عز وجل له الحكمة البالغة والعلم الكامل، وهو الحكيم العليم سبحانه.
وإذا أمر الله العبد بشيء لم يأمره إلا بما فيه مصلحة ومنفعة له سواء كانت هذه المنفعة دنيوية أو أخروية، وإذا نهاه عن الشيء لم ينهه إلا عن شيء فيه مضرة عليه في الدنيا وفي الآخرة.
فالشريعة أتت لتهذيب نفس هذا الإنسان، والاهتمام بأخلاقه، فلا بد على كل إنسان أن يتعرف على طرق الوقاية من داء البخل والشح وطرق العلاج؛ لكي يعمل بما أمره الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما سنتكلم عليه في مبحث قادم، إن شاء الله تعالى.
1.قال الله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) [آل عمران: 180] .
لا شك أن البخل لا خير فيه؛ بل هو شر كله، وهو من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها، وحذر منها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة، فالبخل داء فتاك، كم فرق بين أحباب، ودمر بيوتًا ومجتمعات، وزرع الحسد والحقد بين قلوب البشر.
ولا شك أن البخل مذموم كله، وظلمات بعضها فوق بعض؛ لكنه كما قيل: بعض الشر أهون من بعض! فلذلك سنتكلم عن أنواع البخل في القرآن الكريم، فلقد ذكر القرآن الكريم نوعين للبخل:
النوع الأول: بخل المرء بما يملك: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} .
النوع الثاني: بخل المرء بما يملك غيره: {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} .
قال الرغب رحمه الله تعالى: «والبخل ضربان: بخل بقنيات نفسه، وبخل بقنيات غيره، وهو أكثرها ذمًا، دليلنا على ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الحديد: 24] » 45.
ونحن إن شاء الله تعالى سنتكلم في هذا المبحث عن النوعين، كل نوع في مطلب، فسنتكلم في المطلب الأول عن النوع الأول من أنواع البخل، ثم في المطلب الثاني نتكلم إن شاء الله عن النوع الثاني.
أولًا: بخل المرء بما يملك:
هذا هو النوع الأول من أنواع البخل، وهو: بخل الإنسان بمقتنيات نفسه مما يملك مما آتاه الله سواء كان مالًا أو علمًا أو جاهًا أو غير ذلك.
وهذا النوع قد أكثر القرآن الكريم من ذمه، من ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37] .
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) } [الليل: 8 - 11] .
ولقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من البخل، فقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) 46.
والبخل قد يحمل صاحبه على الامتناع عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه في هذه الحياة، فترى البعض يبخل بنفسه وماله ووقته عن أداء ما أوجبه الله عليه في الدنيا، فيمتنع عن تأدية حقوق الله من الزكاة والصدقة وغيرها، أو عن تأدية حقوق النفس من الطعام والشراب والملبس، أو عن تأدية حقوق الخلق من حق الوالدين والزوجة والأولاد والأقارب، يمتنع عن كل ذلك بسبب البخل، وبهذا يكون قد دمر سعادته في حياته الدنيا وفي الآخرة.
فصاحب البخل لا يشعر بالراحة ولا الطمأنينة، فهو دائمًا يسيء الظن بخالقه، ويعيش في هم وحزن على رزقه، ويحسب أنه بقوته وفطنته هو الذي جمع هذا المال كله بتعبه وجده واجتهاده وعلمه، كما قال الله تعالى عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص 78] .
ويحسب أن الله لن يرزقه ولن يكرمه إذا أنفق من هذا المال الذي عنده، ويحسب أن هذا الذي بين يديه من خير ونعمة إذا ذهبت لن يأتي بعده خير منها، فلهذا يطمع ويبخل ويحرص على ماله كل الحرص مع عدم إنفاقه.
ولقد حذر الله تعالى الناس من البخل الذي يزينه لهم الشيطان؛ فبين أنه شر عظيم، وداء عضال مهلك، فقال سبحانه: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .
ومن أساليب القرآن في ذم هذا النوع من البخل: أنه جعل عاقبة البخل راجعة على البخيل بعكس قصده، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [محمد: 38] .
وقد نقل الخطيب البغدادي في كتابه البخلاء عن أعرابي قوله: «عجبًا للبخيل المتعجل للفقر الذي منه هرب، والمؤخر للسعة التي إياها طلب، ولعله يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنك لم تر بخيلًا إلا وغيره أسعد بماله منه؛ لأنه في الدنيا متهم بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدنيا من همه، وناج في الآخرة من إثمه» 47.
ثانيًا: بخل المرء بما يملك غيره:
هذا هو النوع الثاني من أنواع البخل، وهو: بخل الإنسان بمقتنيات غيره مما لا يملك.
وهذا النوع أشد ذمًا في كتاب الله تعالى، فهو من أشد أنواع البخل، وهو صفة غير لائقة بأهل الإسلام، بل هو سجية عرف بها اليهود قديمًا وحديثًا، وهو من صفات المشركين عامة، كما قال الله سبحانه وتعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 105] .
«الخير: النعمة والفضل» 48، فانظر كيف يبخلون بما لا يملكون من فضل الله تعالى ونعمه؟!
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس، فلا ترى يهوديًا، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله» 49.
وفي قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) } [النساء: 37] .
«ذكر تعالى في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا:
أولها: كون الإنسان بخيلًا وهو المراد بقوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} .
وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالخبل، وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد بقوله: {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} .
وثالثها: قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ، فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} «50.
إذًا فالبخل من الأخلاق السيئة، والسجايا الذميمة، والخلال الرديئة التي عابها الإسلام، وحذر منها تحذيرًا رهيبًا، فهو خلق لئيم باعث على المساوئ الجمة، والأخطار الجسيمة في دنيا الإنسان وأخراه، الموجبة لهوان صاحبها ومقته وازدرائه.
1.بما أن الناس يتفاوتون في أعمالهم فكذلك الحال في إنفاقهم، فمن الناس من هو مسارع ومنفق للمال في وجوه الخير لا يبالي به، ومنهم من هو ممسك بخيل به لا ينفق حتى الواجب منه.
والممسكون عن الإنفاق البخلاء به يتفاوتون في بخلهم، فمنهم من يبخل عن أداء الواجبات، ومنهم من يبخل عن أداء المستحبات.
قال الألباني رحمه الله تعالى: «البخل بخلان:
فمن هنا نفرق بين ما هو واجب وبين ما هو مستحب، والناس في هذا متفاوتون» 51.
وبما أن الممسكون والبخلاء عن الإنفاق يتفاوتون في بخلهم على درجات، فنحن إن شاء الله تعالى سنتكلم في هذا المبحث عن ذلك بشيء من التفصيل فيما يلي:
الدرجة الأولى: البخل عن أداء الواجبات.
يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ?35?) [التوبة: 34 - 35] .
فهذا الوعيد الشديد في حق من بخل عن أداء الواجبات، ومنع كل ذي حق من أخذ حقه.
يقول السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: «وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.
وذكر الله في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين:
إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعًا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله.
وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، والنهي عن الشيء، أمر بضده» 52.
الدرجة الثانية: البخل عن أداء المستحبات.
وأما الذي يبخل عن أداء المستحبات فيقول الله جل وعلا فيه: (هَا أَنْتُمْ هَ?ؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ? وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ? وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ?38?) [محمد: 38] .
«يعني: قد طلبت منكم اليسير فبخلتم فكيف لو طلبت منكم الكل ... ثم بين أن ذلك البخل ضرر عائد إليه، فلا تظنوا أنهم لا ينفقونه على غيرهم؛ بل لا ينفقونه على أنفسهم، فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو مريض فلا يبخل إلا على نفسه، ثم حقق ذلك بقوله: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) ، غير محتاج إلى مالكم، وأتمه بقوله: (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) ، حتى لا تقولوا: إنا أيضًا أغنياء عن القتال، ودفع حاجة الفقراء، فإنهم لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة» 53.
فقوله: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) [محمد: 38] .
«مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه على الخطأ في الشح» 54.
فالبخل إنما يعود على الإنسان بالوبال، سواء كان البخيل يبخل عن الواجبات أو يبخل عن المستحبات؛ «لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئًا» 55.
فمن خلال هذا العرض نستطيع أن نقول: إن البخل درجات يتفاوت فيها الناس من شخص إلى آخر، فهناك أشخاص يبخلون عن أداء الواجبات التي فرضها الله عليهم، فيعذبون بسبب بخلهم، ووهناك أشخاص يبخلون عن أداء المستحبات، فيذمون على بخلهم، والله أعلم.
يقول الله سبحانه وتعالى فيهم: (وَمِنهُم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِن آتانا مِن فَضلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكونَنَّ مِنَ الصّالِحينَ ?75? فَلَمّا آتاهُم مِن فَضلِهِ بَخِلوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضونَ ?76? فَأَعقَبَهُم نِفاقًا في قُلوبِهِم إِلى يَومِ يَلقَونَهُ بِما أَخلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدوهُ وَبِما كانوا يَكذِبونَ?77? أَلَم يَعلَموا أَنَّ اللَّهَ يَعلَمُ سِرَّهُم وَنَجواهُم وَأَنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيوبِ ?78? الَّذينَ يَلمِزونَ المُطَّوِّعينَ مِنَ المُؤمِنينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذينَ لا يَجِدونَ إِلّا جُهدَهُم فَيَسخَرونَ مِنهُم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُم وَلَهُم عَذابٌ أَليمٌ ?79? استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم ذلِكَ بِأَنَّهُم كَفَروا بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقينَ) [التوبة: 75 - 80] .
والمنافقون هم أشد الناس بخلًا على المؤمنين، وبخلهم على المؤمنين أشد من بخلهم على غيرهم من الناس.
يقول الله تعالى مبينًا ذلك: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ? وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ?18?أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ? فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى? عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ? فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ? أُولَ?ئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ? وَكَانَ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ?19?) [الأحزاب: 18 - 19] .
فحول هذا الموضع سنتحدث بشيء من التفصيل فيما يلي:
يقول تعالى: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) [الأحزاب: 19] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: «أي: بخلاء عليكم، أي: بالحفر في الخندق، والنفقة في سبيل الله، وقيل: بالقتال معكم، وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم، وقيل: أشحة بالغنائم إذا أصابوها» 56، وذلك «للضغن الذي في أنفسهم» 57.
فالبخل من صفات المنافقين التي ظهرت جلية عليهم، وأثبتها الله تعالى في كتابه في غير ما موضع، وقد قال الله تعالى فيهم أيضًا أنهم قالوا: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى? مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى? يَنْفَضُّوا ? وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ?7?) [المنافقون: 7] .
فهم من أشد الناس بخلًا على المؤمنين، وبسبب بخلهم هذا لا يحبون أن ينال المؤمنون خيرًا ولا نصرًا، ولو كان هذا الخير سيأتي من غيرهم، وتراهم يحرضون الناس على بغض المؤمنين ومعاداتهم وعدم الإنفاق عليهم، وذلك من شدة عداوتهم وبخلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين.
قال السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: «وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا بزعمهم الفاسد: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى? مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى? يَنْفَضُّوا) [المنافقون: 7] .
فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم؛ لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعي هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور، ولهذا قال الله ردًا لقولهم: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [المنافقون: 7] .
فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، (وَلَ?كِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) [المنافقون: 7] .
فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم» 58.
فبعد هذا العرض يتبين لنا أن المنافين من أشد الناس بخلًا على المؤمنين، وأن سبب البخل عندهم هو: عدم الإيمان بالله وحده، وعدم اليقين على لقائه يوم القيامة، وكذلك الحسد الذي ملأ قلوبهم غيظًا على المؤمنين، وكرهًا لهذا الدين العظيم، والله أعلم.
ليس بخل المنافقين منحصرًا فقط على المؤمنين وعلى أنفسهم؛ بل بخلهم شمل كل خير، يقول الله تعالى مبينًا ذلك: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ?) [الأحزاب: 18 - 19] .
«فهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير» 59.
قال السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: «أشحة على الخير الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل الله، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه» 60.
ففي هذه الآية دليل واضح على أن المنافقين من أشد الناس بخلًا، فهم «بخلاء على مشاريع الخير، وما ينفق في سبيل الله، فلا ينفقون؛ لأنهم لا يؤمنون بالخلف ولا بالثواب والأجر، وذلك لكفرهم بالله ولقائه؛ ولذا قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) [الأحزاب: 19] .
فسجل عليهم وصف الكفر، ورتب عليه نتائجه» 61.
فقد بين لنا ربنا جل وعلا حجم البخل والشح الذي وصل إليه المنافقون، وأن شحهم عم الخير كله، وسبب ذلك كله هو عدم الإيمان برب العالمين، والحسد على المؤمنين؛ ولذلك حذر الله المؤمنين من أن يتصفوا بأخلاق المنافقين، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ?9?) [المنافقون: 9] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: «حذر المؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا- للشح بأموالهم-: لا تنفقوا على من عند رسول الله» 62.
فلا بد على المسلم أن يحذر من هذه الصفات التي قد تؤدي بالإنسان إلى الهاوية، نسأل الله تعالى العفو والعافية، في الدنيا والآخرة.
إن البخل والشح من الأمراض القلبية التي لا بد على المسلم أن يتجنبها ويبتعد منها قدر الإمكان، ولذلك ذم الله في كتابه من هي فيه، وحذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، ومدح الله ورسوله متجنبها، ونحن في هذا المبحث سنتكلم بإذن الله تعالى عن طرق الوقاية منها لمن لم يصب بها، وطرق العلاج لمن أصيب بها، ولذلك سنقسم هذا المبحث إلى قسمين:
القسم الأول: ذكر طرق الوقاية من البخل والشح.
القسم الثاني: ذكر طرق العلاج من البخل والشح.
وسنبدأ بذكر طرق الوقاية التي يسلكها الشخص حرصًا منا على عدم تفشي هذا المرض العضال الذي ذمه الله ورسوله، فنقول وعلى الله نتكل:
أولًا: ذكر طرق الوقاية من البخل والشح:
لقد مدح الله تعالى من وقى نفسه من الشح فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?9?) [الحشر: 9] .
وقال جل في علاه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [التغابن: 16] .
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم من تصدق وهو شحيح كما عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم؟ فقال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان) 63.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الشح دليل على فساد الزمان، وعلامة على قرب الساعة، فقد جاء عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج) قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل) 64.
وقبل ذكر طرق الوقاية من البخل والشح لا بد علينا من ذكر أسباب الوقوع في ذلك؛ لأنه إذا عرف الإنسان سبب المرض استطاع أن يتجنبه.
للبخل والشح أسباب توقع فيه ودواعي تدعو إليه، وأهم هذه الأسباب:
إن عدم اليقين على رب العالمين سواء بما أعده للمنفقين، أو بما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، قد يكون هو الباعث على البخل، والسبب في ذلك: أن من لم يتيقن أن الله يبدل للعبد أكثر مما يعطي هذا العبد، بل هو المعطي للعبد ابتداء من غير حول منه ولا قوة، من لم يتيقن بذلك يبخل، لذلك يقول الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى? ?8?وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى? ?9?فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى? ?10?وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى? ?11?) [الليل: 8 - 11] .
فقد ربط في الآيات بين البخل والتكذيب.
قد يكون نسيان العواقب والآثار المترتبة على الشح سواء كانت دنيوية أو أخروية، أو كانت على الفرد، أو على المجتمع الإسلامي هي السبب في الوقوع في الشح، فإن من نسي عاقبة الشيء الضارة، وأثره المهلك، أو جهلها، فإنه يقع في هذا الشيء وهو لا يدري بعواقبه، وسنتكلم على عواقب الشح والبخل بالتفصيل في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
حب الدنيا بزينتها وزخارفها من الأسباب المؤدية إلى الشح، حيث يتوهم من ابتلي بحب الدنيا أنه إذا أعطى فسيصبح فقيرًا تعيسًا، وستضيع صحته وعافيته، وتذهب مكانته وغناه ومنزلته بين الناس، وسيعيش شقيًا ذليلًا أمامهم، ويعرض نفسه لما لا تحمد عقباه من الأذى بكل صنوفه وأشكاله المادية والمعنوية.