فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 2431

فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح الذنب، وعلم سوء مغبته، وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد خوفه هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد. وبالجملة، فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو» 87.

ثالثًا: مراقبة الله تعالى في السر والعلن:

إن علم المؤمن بسعة علم الله تعالى وإحاطته وشموله ومراقبته، وأنه لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه ذرة، وأنه معه أينما كان، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، يعلم خلجات الأنفس، وخواطر القلب، وخائنة الأعين وما تخفي الصدور، كل هذه الحقائق إذا تمثلها القلب المؤمن غرست فيه شجرة الخوف من الله وامتدت فروعها إلى الجوارح، فآتت أكلها الطيبة بإذن ربها وأثمرت عملًا صالحًا، وقولًا رابحًا، وسلوكًا قويمًا، وفعلًا كريمًا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) } [المائدة:94] .

يخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه ابتلى عباده المؤمنين بصيد البر يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرًّا وجهرًا، ويقع في متناول أيديهم من غير معاناة، أو بحث عنه، إذ هو قريب دان، يغري بصيده، وذلك امتحان للتقوى في قلوبهم واختبار للخشية في نفوسهم، حيث لا يمنع المرء من الصيد في هذا الموطن إلا تقوى الله والخوف منه.

رابعًا: تذكر الموت وشدته والقبر وظلمته:

من أهم أسباب الخوف التفكر في الموت، المصير المحتوم، والأجل المكتوب، والخاتمة المنتظرة، لا مهرب منه ولا مفر، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة:8] .

لايفرق بين غني وفقير، ملك أو مملوك، عظيم أو حقير، الموت هو موعد ظهور نتيجة امتحان الدنيا وعندها ينقسم الناس إلى فريقين: فريق ينتظره التكريم والإحسان، كما قال تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30] .

وفريق آخر ينتظره الخزي والهوان كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) } [الأنفال:50] .

يقول أبو حامد الغزالي مصورًا هذه اللحظات العصيبة:

«اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب، ولا هول، ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرًا بأن ينغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقًا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده، كما قال بعض الحكماء: كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك. والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأطيب مجالس اللهو فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات لتكدرت عليه لذته، وفسد عليه عيشه وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه غافل» 88.

وقد عرض القرآن الكريم صورة لحظة الموت وخروج الروح بما يبث الخشية في القلب، ويغرس المراقبة في النفوس، وذلك في قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) } [القيامة:26 - 30] .

{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} «أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر الذي ذكره الله يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها» 89.

ويلحق بالخوف من الموت الخوف من القبر وضمته وظلمته ووحشته .. عن عبداللّه ابن عمر رضي اللّه عنهما: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار، فيقال: هذا مقعدك حتّى يبعثك اللّه يوم القيامة) 90.

خامسًا: التفكر في القيامة وأهوالها:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) } [الحج:1] .

«أي: اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدّموا عليها. والاتّقاء: الاحتراس من المكروه، والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. قوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الزّلزلة: شدّة الحركة، وأصل الكلمة من زلّ عن الموضع، أي: زال عنه وتحرّك، وهذه اللّفظة تستعمل في تهويل الشّيء. وقيل: هي الزّلزلة المعروفة الّتي هي إحدى شرائط السّاعة، الّتي تكون في الدّنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور» 91.

إنه يوم عصيب شديد الأهوال «ومن هنا كان الذين يؤمنون بالآخرة، ولا يعملون لها، مطالبين بأن ينتبهوا، وأن يعملوا أكثر مما عملوا .. فإنهم على يقظتهم، وعلى خوفهم من لقاء ربّهم، وعلى إعدادهم ليوم اللقاء، إنهم مع هذا كله أشبه بالغافلين، فإن الهول شديد، والموقف لا يمكن تصوره، ومن هنا أيضًا كان المؤمن في حاجة دائمة إلى تذكر هذا اليوم، وإلى الحياة معه، وإلى العمل له، وإنه مهما أكثر من عمل، فإنه قليل إلى المطلوب منه لهذا اليوم، لو علم هوله، وتصور صورته» 92.

ولقد تعددت النصوص القرآنية التي تصف أهوال ذلك اليوم العصيب، منها على سبيل المثال قوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) } [المزمل:17 - 18] .

وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) } [لقمان:33] .

وقوله سبحانه: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } [الزمر:68] .

روى الترمذي وأحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1) } [التكوير:1] ، و {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) } [الانفطار:1] ، {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) } [الانشقاق:1] ) 93.

إن تنوع النصوص القرآنية التي تصف أهوال ذلك اليوم وكثرتها يهدف إلى بث الخوف في قلوب العباد حتى يستقيم سيرهم على الصراط المستقيم في رحلتهم في الحياة الدنيا، ويسهل عليهم تقوى الله في السر والعلن، فتصبح التقوى هي الميزان الذي يزنون به جميع أقوالهم وأفعالهم، ويحتكمون إليه في خلافاتهم وخصوماتهم، ولا ينتفع بهذه الآيات إلا أصحاب القلوب الحية الذين لا تشغلهم الدنيا بزخارفها وزينتها عن ذكر ربهم وعبادته، ابتغاء رضوانه، وخوفًا من لقائه في يوم تضطرب فيه القلوب هولًا وفزعًا، وتزيغ فيه الأبصار، كربًا وجزعًا كما وصفهم ربهم بقوله: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور:37] .

سادسًا: التفكر في النار وشدة عذابها:

إن المتدبر للنصوص القرآنية يجد القرآن قد عرض صورًا متكررة لعذاب النار من أجل بث الخوف في نفوس العباد وحمل القلوب على الاستقامة على طاعة الله والفرار من معصيته.

قال تعالى: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) } [المدثر:35 - 36] .

«أي: إنّ هذه النّار لإحدى الكبر، أي: لإحدى الدّواهي، و {الْكُبَرِ} : هي العظائم من العقوبات، وقال الحسن: واللّه ما أنذر الخلائق بشيءٍ أدهى منها» 94، كما وصف الله تعالى النار بأنها تلهب وتتوقّد وذلك في قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) } [الليل:14] .

كما أخبر سبحانه أن ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى وزاجر عما يوجب العذاب، وذلك في قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) } [الزمر:16] .

كما تنوعت الآيات التي تصف عذاب أهل النار، فقد ذكر تعالى أن حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد، ثيابهم من قطران، يصب فوق رؤوسهم الماء المغلي، فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، كما في قوله تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) } [الحج:19 - 22] .

ويكفي في وصف عذاب النار أن غمسة واحد فيها تنسي المرء كل ألوان النعيم والمتاع في الدنيا، فما بالك بالخلود الأبدي والعذاب السرمدي.

عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة، فيصبغ في النّار صبغةً، ثمّ يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قطّ، هل مرّ بك نعيمٌ قطّ؟ فيقول: لا واللّه يا ربّ) 95.

يا لها من أهوال وشدائد يود المرء لو يفتدي في سبيل الخلاص منها بكل ما يملك، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) } [المائدة:36] .

ولكن هيهات هيهات!

ولما تدبر عباد الرحمن صور عذاب أهل النار وما يقاسونه من الألم والحرمان، دعوا الله عز وجل في ضراعة وخشوع أن يصرف عنهم عذابها وينجيهم من أهوالها، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) } [الفرقان:65 - 66] .

وهكذا يفعل الخوف في نفوس الصالحين يمنحهم يقظة دائمة تجعلهم يفكرون كثيرا في عذاب النار، حتى تصبح النجاة منها شغلهم الشاغل.

سابعًا: مجالسة الصالحين والاستماع لنصائحهم:

فالجليس لا يخفى أثره سلبًا أو إيجابًا على أحد، فمجالسة الخائفين تورث الخوف من الله، ومجالسة الغافلين تورث الغفلة عن الله.

ألم يوص الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بصحبة أولياء الله تعالى المريدين لوجهه والمبتغين لفضله، وذلك في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف:28] .

فهي دعوة للنبي عليه الصلاة والسلام -ولأمته من بعده- بالمداومة على مجالسة الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه ويدعونه في كل وقت يبتغون وجهه ويطلبون مرضاته، ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم، فإن صحبتهم ترقق القلب، وتزكي النفس، وتحفز على العمل للآخرة، وتثبّت المرء على الطاعة والعبادة، فشتان شتان بين صحبة تذكرك بالله، وتغرس الخشية منه تعظيمًا وإجلالًا لمقامه، وبين صحبة تزين لك شهوات الدنيا، وتغريك بالإقبال على مغرياتها، وتضعف رغبة القلب في السير إلى الآخرة.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما مثل الجليس الصّالح والجليس السّوء، كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إمّا أن يحذيك 96، وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه ريحًا طيّبةً. ونافخ الكير إمّا أن يحرق ثيابك، وإمّا أن تجد ريحًا خبيثةً) 97.

«قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيّرًا كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريرًا، وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقًا مناسبة لخلق المنظور إليه» 98.

وهكذا فمجالسة الصالحين سبب للتشبه بهم، والأخذ عنهم والاتعاظ بأحوالهم.

ثامنًا: تدبر القرآن:

وتدبر القرآن يجمع كل ما سبق من أسباب الخوف، ففيه تدبر صفات الجلال والعظمة والكبرياء لله تعالى مما يثمر المراقبة له سبحانه، وفيه آيات الوعيد وما أعده الله عز وجل للعصاة من العذاب الأليم، وفيه وصف لأهوال الموت والقيامة والنار، وفيه ذكر عاقبة التفريط في جنب الله واستمراء الذنوب، وفيه عقوبات الله تعالى الدنيوية للأمم السابقة لما أصرت على التكذيب والعناد.

قال الإمام ابن القيم: «فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته؛ من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آياته، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل» 99.

قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45] .

«قال ابن عبّاسٍ: قالوا: يا رسول اللّه لو خوّفتنا، فنزلت: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} أي: ما أعددته لمن عصاني من العذاب» 100.

وهكذا «إن كلمات القرآن إنما تقع موقع الإيمان من القلوب المشفقة من اليوم الآخر، ومن الفطر السليمة التي تصغي إلى وعيد الله ونذيره، فتدرك أنه الحق، ولا تعميها الأهواء والشهوات عن الاستجابة لله ولرسوله» 101.

وقد بين الله عز وجل أن لآياته المجيدة أعظم أثر في تخويف القلوب من باريها وتحذيرها سطواته، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23] .

«والقشعريرة، حال تعتري الجسد من أثر رهبة أو خوف، فيموج الجلد بموجات أشبه بمسّة الكهرباء. واقشعرار جلود الذين يخشون ربّهم من هذا الحديث المنزل من عند اللّه، هو لما يقع في قلوبهم من رهبة وجلال لما يسمعون من كلام اللّه، الذي يقول سبحانه وتعالى فيه: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] .

فإذا نزل هذا القرآن على القلوب المؤمنة اهتزت لجلاله، وزلزلت أقطارها لرهبته» 102.

فيا لروعة القلوب المؤمنة تتلقى آيات ربها في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود، فيستشعرون الرهبة منه عز وجل في حالة عصيانه أو التقصير في طاعته، فتعيدهم هذه الرهبة إلى الصراط المستقيم، لينعموا بالأمن والسلام والأمان.

للخوف المحمود آثار إيجابية منها:

أولًا: الاستقامة على طاعة الله، واجتناب الكبائر والموبقات.

إن الخوف من الله يمنح القلب يقظة تعينه على توقّي عثرات ومزالق الطريق، وتدفعه للاستقامة على طاعة ربه واجتناب كل ما حرمه من الكبائر والصغائر، كما تسوقه إلى التوبة إذا شرد عن الطريق أو غشيته سحب الغفلة.

وقد قص الله علينا في كتابه الكريم خبر ابني آدم عندما تقبل الله قربان أحدهما لصلاحه ولم يتقبل من الآخر لفساده، فعزم الأخير على قتل أخيه حسدًا وحقدًا، فأخبره الأخ الصالح أنه لا يريد أن يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة بسبب خوفه من الله، كما قال تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) } [المائدة:28] .

والعبرة في هذا الموقف أن الخوف من الله إذا استقر في القلب أورث مراقبة الله عز وجل، والتي بدورها تمنعه من ارتكاب المحرمات، وفعل المعاصي والمنكرات.

فالخوف هو صمام الأمان في حياة الأفراد والجماعات، وإنه أقوى حارس لهم، يمنعهم من الاعتداء والظلم والطغيان.

فالمؤمن عندما يواجه طوفان المغريات والموبقات، أو يزين له الشيطان الوقوع في المحرمات، يرفع دائمًا شعار {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، فيثبت على الطاعة، ويلزم الاستقامة.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: «اعلم أن الشهوات لا تنقمع بشيء كما تقمع بنار الخوف، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات، فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات، وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله زلفى» 103.

وقد ذكر ابن القيم بعض الأقوال التي تؤكد على أهمية الخوف في تحقيق الاستقامة منها: «قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبًا إلّا خرب، وقال إبراهيم بن شيبان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشّهوات منها، وطرد الدّنيا عنها، وقال ذو النّون: النّاس على الطّريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا الطّريق» 104.

ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات والتنافس في الأعمال الصالحات:

تنوعت النصوص القرآنية التي تبين أن الخوف من الله باعث على المسارعة إلى الخيرات والتنافس في القربات .. فقد أثنى الله تعالى على أنبيائه لما كانوا عليه من الخوف من عذابه والخشوع لعظمته وجلاله والطمع في رحمته.

وذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] .

وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} «أي: في عمل القربات وفعل الطّاعات، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قال الثّوريّ: {رَغَبًا} فيما عندنا، {وَرَهَبًا} ممّا عندنا، {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: أي: مصدّقين بما أنزل اللّه. وقال مجاهدٌ: مؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللّازم للقلب، لا يفارقه أبدًا» 105.

كما مدح الله عز وجل عباده الصالحين الذين دفعهم الخوف منه سبحانه إلى هجر مضاجعهم ليذكروا اللّه ويدعوه، خائفين من عذابه، طامعين في رحمته، كما في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) } [السجدة:16] .

إنها «صورة وضيئة للأرواح المؤمنة، اللطيفة، الشفيفة الحساسة المرتجفة من خشية الله وتقواه، المتجهة إلى ربها بالطاعة المتطلعة إليه بالرجاء، في غير ما استعلاء ولا استكبار. هذه الأرواح هي التي تؤمن بآيات الله، وتتلقاها بالحس المتوفز والقلب المستيقظ والضمير المستنير» 106.

والآيات التي تدل على أثر الخوف في المسارعة إلى الخيرات كثيرة منها: قوله تعالى في وصف عباده الذين جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصودهم: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور:37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت