وذكر المفعول المطلق بقوله: (تفجيرًا) للدلالة على التكثير؛ لأن تفجر قد كفى في الدلالة على المبالغة في الفجر، فتعين أن يكون الإتيان بمفعوله المطلق للمبالغة في العدد، وهو المناسب لقوله: {خِلَالَهَا} ، لأن الجنة تتخللها شعب النهر لسقي الأشجار. فجمع الأنهار باعتبار تشعب ماء النهر إلى شعبٍ عديدةٍ 56.
وفي آية سورة الكهف قال بعضهم:
{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} أجرينا وشققنا وسطهما 57.
{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} أي: وشققنا وسط الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب 58.
{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} أي: والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا 59.
والرازي يرى أنه نهر لكنه كالأنهار في امتداده فيقول: أي: كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين، والتشديد على المبالغة؛ لأن النهر يمتد فيكون كأنهار، و {خِلَالَهُمَا} أي: وسطهما وبينهما 60.
نعم الله سبحانه على عباده لا تعد ولا تحصى، ومن نعمه عليهم أن شق لهم البحار والأنهار بقدرته وحكمته؛ لكي يستطيعوا اصطياد كائناتها البحرية من الأسماك ليأكلوها طرية، وسخر الله سبحانه تلك البحار؛ لكي يتزينوا بحليتها، فيستخرجوا منها الحلي، مثل اللؤلؤ والمرجان والأصداف لاستعمالها في الزينة، وليس ذلك فحسب؛ وإنما فيها منافع أخرى يبتغيها عباده، كنقلهم للتجارة والأمتعة والارتحال عن طريقها إلى الأقطار والبلدان الأخرى.
إذن فالأنهار بهذه الطريقة تعد من جند الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) } [النحل: 15] .
وقوله: {وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا} أي: جعل فيها أنهارًا تجري من مكانٍ إلى مكانٍ آخر رزقًا للعباد، ينبغ في موضعٍ وهو رزقٌ لأهل موضعٍ آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرةٌ في الأرض يمنةً ويسرةً، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ما بين صغارٍ وكبارٍ، وأوديةً تجري حينًا وتنقطع في وقتٍ، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر 61.
و {وَأَنْهَارًا} وجعل فيها أنهارا، النيل، والفرات، ودجلة، وسيحان، وجيحان 62.
ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال، فلهذا السبب أتبع ذكرها بتفجير الأنهار 63.
وفي الأرض نعم كثيرة، أهمها ثلاث:
وهي تثبيت الأرض بالجبال الراسيات، كيلا تضطرب الأرض وتتحرك بأهلها، وإجراء الأنهار على وجه الأرض لتيسير الانتفاع بها، ففيها حياة الإنسان والحيوان والنبات 64.
هو الذي ألقى في الأرض رواسى من الجبال الشامخات؛ لئلا تميد بكم الأرض وتضطرب عند دورانها وتحركها، وجعل لكم فيها أنهارًا كنهر النيل والفرات والمسيسبى وغيرها وجعلها سبلًا وطرقًا لربط أجزاء الأرض ولنقل التجارة والمصالح، وجعلها علامات وحدودًا، وفي الأرض علامات أخرى وحدود من أنهار وجبال وآكام 65.
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} أي: ومن نعم الله الكثيرة عليكم أنه جعل في الأرض جبالًا شامخات ثابتات تحفظ اتزانها في دورانها حتى لا تضطرب في حركتها. {وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: وجعل في الأرض أنهارًا عذبة تجرى مياهها من منابعها إلى مصابها، لتهيئ الري للإنسان والحيوان والنبات 66.
كراهة {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} وتضطرب 67، أي: نصب فيها جبالًا ثوابت أن تميد أي: لئلا تميد، وقال الزجاج: كراهة {أَنْ تَمِيدَ} 68.
ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارًا، يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، أنهارًا على وجه الأرض، وأنهارًا في بطنها يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها 69.
ونعمة الأنهار عظيمةٌ، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم 70.
وقال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) } [النمل: 61] .
قال ابن كثير: وجعل خلالها أنهارًا أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهارٍ كبارٍ وصغارٍ وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه 71.
وجعل خلالها وفي أوساطها أنهارًا جارية ينتفع كل بها كل قاطنيها في شؤن حياتهم 72.
وسبق أن ذكرنا الصلة بين النهر واليم، وقلنا: إن لفظ النهر واليم بينهما ترادف إلى حد كبير، وقد أطلق القرآن الكريم اليم على النهر في آيتين كريمتين، الأولى هي قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص 7] .
وذكر الطبري في تفسيره أن «اليم» هو نهر النيل 73.
{وَأَوْحَيْنَا} : وألهمنا. {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} اليم: البحر. والمقصود به هنا: النيل، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر لاستبحاره 74.
أي: فإذا خفت عليه من القتل بسبب سماع أحد من الجيران صوته، فألقيه في بحر النيل، ولكن لا تخافي عليه حينئذ من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض جواسيس فرعون الذين يبحثون عن الولدان، وغير ذلك من المخاوف، ولا تحزني لفراقه.
وهكذا طمأنها الحق تعالى عن مخاوفها وهواجسها الجديدة بعد إلقائه في البحر، بإلقاء الأمان والسكينة في قلبها؛ لأن عناية الله ورعايته تحوط بأنبيائه ورسله منذ بدء الحمل وفي عهد الطفولة.
وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدت فيه مهدًا، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وألقته في النيل، فذهب مع الماء واحتمله على سطحه، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري وذهبن به إلى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، فلما كشفت عنه، أوقع الله محبته في قلبها، فآثرت الإبقاء عليه، ولم تزل تكلم فرعون حتى تركه لها.
{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7]
أي: إنا سنرده عليك لتكوني أنت المرضعة له، وسنجعله نبيًا مرسلًا إلى أهل مصر والشام.
وقد جمعت هذه الآية الواحدة بين أمرين ونهيين، وخبرين وبشارتين والأمران: هما أرضعيه وألقيه، والنهيان: هما ولا تخافي ولا تحزني، والخبران: هما إنا رادوه إليك، وجاعلوه، والبشارتان: في ضمن الخبرين، وهما الرد والجعل من المرسلين 75.
وهكذا وضح جليًا أن اليم جند من جنود الله في حفظ موسى عليه السلام من الغرق بأمر الله وفي غرق عدو الله وعدوه، وهو هو نهر النيل، قال صاحب المنار:
وأما الغرق في النيل فيفهم من قول القرآن مثلًا في سورة طه: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } [طه: 38 - 39] .
ثم قوله في آخر هذه القصة: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) } [طه: 78] .
فالمتبادر من ذلك أن فرعون غرق في نفس اليم الذي ألقي فيه موسى وهو النيل، وإن كان أكثر المفسرين يرى أنه أغرق في البحر الأحمر.
قال الطاهر ابن عاشور: وقد أغرق فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق بني إسرائيل يريد صدهم عن الخروج من أرض مصر 76.
ومثل ذلك أيضًا ما جاء في سورة القصص، وهو قوله: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص 7] .
ثم قوله فيها بعد مما يدل على أن اليم جند من جنود الله سبحانه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) } [القصص 40] .
أي: أغرقناهم في البحر في صبيحةٍ واحدةٍ 77، كنايةٌ عن إدخالهم في البحر حتى غرقوا، شبهوا بحصياتٍ. قذفها الرامي من يده 78.
ومن الآيات التي أطلق القرآن الكريم فيها اليم على النهر، ووضح فيها جليًا أنه من جنود الله سبحانه قوله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف: 136] .
ومما يدل على أن النهر من جنود الله سبحانه قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) } [طه: 78] .
أي: تبعهم فرعون ومعه جنوده، فغشيهم من البحر ما غشيهم مما هو معروف ومشهور، فغرقوا جميعًا. وتكرار غشيهم للتعظيم والتهويل 79. أي: فعلاهم وغمرهم ما غمرهم، من الأمر الهائل المروع الذي يعجز البيان عن وصفه، حيث انطبق عليهم الماء فأغرقهم فهلكوا جميعًا، ونجى الله فرعون وأبقاه ببدنه خاليًا من الروح في اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق 80.
من خلال الآيات السابقة يتضح جليًا أن اليم جند من جنود الله سبحانه وتعالى سواء أكان المقصود به النهر أو البحر، لكن الثابت من المعاجم اللغوية أن اليم مرادف للنهر.
وليس بلازم أن يكون الجندي لهلاك العدو دائمًا، وإنما كثيرًا ما يكون الجندي لنفع المسلمين، فالأنهار كانت جند خير ونفع لبعض عباده، وجند وبال وهلاك على بعضهم، وهذا ما سنتناوله تفصيلًا في مطالب المبحث التالي الذي يتحدث عن منافع الأنهار من خلال آيات القرآن الكريم بصورة توضيحية.
المنافع: ما فيه الخير والصالح والفائدة، وكل ما ينتفع به، جنى من عمله منفعةً كبرى 81.
وعلى ذلك تتعدد منافع الأنهار على الإنسان، وتتمثل هذه المنافع في شرب مائها، الذي جعل الله فيه حياة الإنسان، ومنها تسقى الزروع والثمار، ويعبرها الإنسان ركوبًا للجهاد في سبيل الله وطلبًا للرزق، ويتمتع الإنسان بجريان مائها، ويصطاد من أسماكها وكائناتها لحمًا طريًا يتخذه طعامًا شهيًا، وتفصيل الحديث عن تلك المنافع في المطالب الآتية:
أولًا: شرب مائها:
الماء يعد أعظم نعمة من الله تعالى، وماء النهر من أعظم منافعه شرب مائه، والآيات في ذلك كثيرة، منها قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) } [الأنبياء: 30] .
أي: أصل كل الأحياء 82.
ومن الآيات قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة: 249] .
{فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ،أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} ، أي فلا بأس عليه.
قال ابن عباسٍ: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو 83.
قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) } [إبراهيم: 32] .
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} لتسقي حروثكم وأشجاركم وتشربوا منها 84.
ونعمة الأنهار عظيمةٌ، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم 85.
{فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الحجر:22] أي: فأنزلنا من السحاب مطرًا، {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي: يمكنكم أن تشربوا منه، وأسقينا به زرعكم ومواشيكم، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .
وقال سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) } [الواقعة: 68 - 70] .
وقال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) } [النحل: 10] .
{وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي: لستم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله ينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أبقاه لكم في طول السنة، لشرب الناس والزروع والثمار والحيوان، فالتخزين يكون في السحاب وفي جوف الأرض 86.
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ} أي: وخلقنا من الماء كل حيوان سواء النازل من السماء والنابع من الأرض. {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أي: صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء، لا يحيا دونه، سواء النبات وغيره، فالماء سبب لحياته 87.
وفي إطار الانتفاع بماء البحر يقول الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [فاطر: 12] .
ذكر سبحانه نوعًا آخر من بديع صنعه، وعجيب قدرته فقال: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} فالمراد بالبحرين: العذب والمالح، فالعذب الفرات الحلو، والأجاج المر، والمراد ب {سَائِغٌ شَرَابُهُ} الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته 88.
ثانيًا: سقيا الزروع والثمار:
كما أن من منافع الأنهار شرب مائها، وانتفاع الإنسان غاية النفع في ذلك، فإن ما تحتاجه الزروع والثمار من ماء فيه منفعة كبيرة قد لا تقل أهمية عن نفع الإنسان بماء النهر في شرابه.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) } [السجدة: 27] .
يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء، إما من السماء أو من السيح، وهو ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال تعالى: {إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} وهي التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } [الكهف: 8] .
أي: يبسًا لا تنبت شيئًا، وليس المراد من قوله {إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود وإن مثل بها كثيرٌ من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها، ولكنها مرادَةٌ قطعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرضٌ رخوةٌ غليظةٌ تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طينٌ أحمر، فيغشى أرض مصر وهي أرضٌ سبخةٌ مرملةٌ محتاجةٌ إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضًا، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنةٍ على ماءٍ جديدٍ ممطورٍ في غير بلادهم، وطينٍ جديدٍ من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداءً 89.
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) } [إبراهيم: 32] .
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} لتسقي حروثكم وأشجاركم وتشربوا منها 90.
وجعله سببا للإنبات، فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنعام:99]
أي: أن الله هو الذي أنزل بقدرته وتصريفه وحكمته من السحاب ماء بقدر، مباركًا، ورزقًا للعباد، وإحياء وإغاثة للخلائق، رحمة من الله بخلقه، فأخرجنا بسبب هذا المطر أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره، كما قال تعالى: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4] .
وقال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
وفي آية: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) } [الأنعام: 95] .
ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في النبات وهي إنزال الماء من السماء وأخرجنا بالمطر زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، لهذا قال تعالى: {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} . أي: يركب بعضه بعضًا كالسنابل ونحوها 91.
فالله سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن، وهو الذي أنزل من السماء هذا الماء الذي تتدفق به الأنهار، وتتفجر منه العيون، وتحيا عليه الزروع، وما يخرج منها من ثمر وحب 92.
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} أي: فجر لكم ينابيع الماء الجاري في الأنهار، ويسر توزيعها وتفرعها لسقي أكبر مساحة من الأرض والشجر والزرع 93.
وقال تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) } [البقرة: 266] .
وهذا المثل مضروب لمن عمل عملًا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها، ثم عمل أعمالًا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتًا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته 94.
وقال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف: 33] .
جعل الله لأحدهما جنتين، أي: بستانين من أعناب، محاطين بنخيل، وفي وسطهما الزروع والأشجار المثمرة.
{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} أي: أخرجت ثمارها، ولم تنقص منه شيئًا في كل عام. {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} أي: وشققنا وسط الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب 95.
وقال تعالى: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) } [الإسراء: 91] .
تفجر أنهارًا تسقي جنةً واحدةً تكون تلك الجنة وأنهارها لك 96.
ثالثًا: ركوبه للتنقل والجهاد:
قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) } [النحل: 14] .