فهرس الكتاب

الصفحة 1846 من 2431

ويهمنا في هذا المقام أن الآية دلت على أن التوراة نزلت جملة واحدة مكتوبة، ولازم ذلك أن النبي المنزلة عليه قارئ كاتب، وكذا من استحفظوا عليها من بعده.

وقد استنبط من قوله الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] . أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة، قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ} يقول: هلا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم {الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؟ قال الله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} تنزيله عليك الآية بعد الآية، والشيء بعد الشيء؛ لنثبت به فؤادك نزلناه» 41.

ووجه استنباط ذلك أن المشركين كانوا في سؤالهم المبطن بالتعجب يقيسون على حالة سبق العلم بها عندهم، ثم إن القرآن الكريم أجابهم على خلاف أسئلتهم الأخرى ببيان وجه الحكمة لا بإخبارهم بأن هذا سنة الرسل من قبل.

قال القطان: «أما الكتب السماوية الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة، ولم تنزل مفرقة، يدل على هذا قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ، فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجمًا، فمعنى قولهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} : هلا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وماله أنزل على التنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟

ولم يرد الله عليهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} ، بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} ، وكما رد عليهم في قولهم: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} ، بقوله: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} ، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} .

بل أجابهم الله تعالى ببيان وجه الحكمة في تنزيل القرآن منجمًا بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: كذلك أنزل مفرقًا لحكمة هي: تقوية قلب رسول الله {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} أي: قدرناه آية بعد آية، بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم، وذلك من أعظم أسباب التثبيت» 42.

ولما نزلت هذه الكتب جملة واحدة على أنبياء يقرؤون ويكتبون، ثم كانت بيد الأحبار والرهبان من بعدهم مستأثرين بها من دون عامتهم، فقد كان بمقدورهم تحريفها إما خوفًا أو طمعًا، كما هو مدلول الوصية التي أنزلت إليهم: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

وقد وقع منهم هذا التحريف حقًّا.

وإذا تأملنا نصوص القرآن الكريم وجدناها قد أشارت إلى ثلاث مستويات من هذا التحريف:

1.إظهار بعضه وكتمان بعضه.

وقد دل على ذلك قول الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى? بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ? قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى? نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ? تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ? وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ? قُلِ اللَّهُ ? ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام: 91] .

فنصت الآية على أنهم كانوا يفرقون الكتاب في صحف أو قراطيس، وقوله: (تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) صفة لقراطيس، أي: تبدون بعضها وتخفون كثيرًا منها، ففهم أن المعنى: تجعلونه قراطيس لغرض إبداء بعض وإخفاء بعض. وهذه الصفة في محل الذم، فإن الله أنزل كتبه للهدى، والهدى بها متوقف على إظهارها وإعلانها، فمن فرقها؛ ليظهر بعضًا ويخفي بعضًا فقد خالف مراد الله منها» 43.

وجلي أن المقصود من ذلك: إظهار ما يوافق الهوى وكتمان ما يخالفه «أي: يجعلها حملتها قراطيس، أي: قطعًا يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ما يحرفون ويبدلون ويتأولون، ويقولون: (هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [البقرة: 79] .

أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله» 44.

2.كتابة ما ليس منه فيه ونسبته إلى الله.

وقد دل على ذلك قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79] .

فـ: «توعد تعالى المحرفين للكتاب، الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون: (هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع علمهم (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركًا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبًا وسرقة ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: من التحريف والباطل (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ضمنها الوعيد الشديد» 45.

وقوله: (أَيْدِيهِمْ) : «تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك. أما قوله تعالى: (ثُمَّ يَقُولُونَ هَ?ذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فالمراد: أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة؛ لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن من المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال، ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها، ويضم إليها أنه مهد طريقًا في الإضلال باقيًا على وجه الدهر؟! فلذلك عظم تعالى ما فعلوه. (وقد) حكى عنهم أمرين. أحدهما: كتبة الكتاب، والآخر: إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب» .

3.تأوله على غير معناه.

وشاهده قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [البقرة: 78] .

وفي معنى الأماني ثلاثة أقوال ترجع في جملتها إلى تأول اللفظ على غير معناه:

«أحدها: أنها الأكاذيب. قال ابن عباس: إلا أماني: يريد إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا. وهذا قول مجاهد واختيار الفراء. وذكر الفراء أن بعض العرب قال لابن دأب وهو يحدث: أهذا شيء رويته، أم شيء تمنيته؟ يريد: افتعلته.

والثاني: أن الأماني: التلاوة، فمعناه: لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم.

قال الشاعر 46:

تمنى كتاب الله أول ليلة

تمني داود الزبور على رسل

وهذا قول الكسائي والزجاج.

والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله قتادة» 47.

4.كتمانه والتواصي بذلك.

كما قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 76 - 77] .

ومعنى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} «يعني: منافقيهم. قالوا آمنا بأنكم على الحق، وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا} أي: الذين لم ينافقوا منهم عاتبين على من نافق {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بما بين لكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو الذين نافقوا أعقابهم، إظهارًا للتصلب في اليهودية، ومنعًا لهم عن إبداء ما وجدوا في كتابهم، فينافقون الفريقين» 48.

وفي إنكار بعضهم على بعض هذا التحديث دليل على هذه الصورة من التواصي بالكتمان.

وقد تضافرت هذه الصور الأربعة على تحريف الكتاب وجعله في قراطيس يبدون بعضها ويكتمون بعضًا، وكتابتهم ما ليس من الوحي فيها، وتأولهم لصحيحها على غير مراد الله منه، أو كتمانهم للحق كتمانًا كاملًا والتواصي بذلك لا مجرد إظهار بعضه تضليلًا وكتمان بعض. ولقد سهل عليهم ذلك بسبب استئثارهم بها، أو استئثار فئة خاصة منهم بها من دون سائر الناس. فلما أنزل الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته جعله محفوظًا في صدور صبيانهم قبل كتب علمائهم.

ثالثًا: أسباب حفظ القرآن الكريم:

على خلاف الكتب السابقة، نزل القرآن الكريم على أمة أمية تعتمد على الحفظ أكثر من الكتابة، ثم إن نزوله مفرقًا؛ ليقرأه النبي صلى الله عليه وسلم على الناس على مكث قد جعله محفوظًا عند عامتهم لا تستأثر به طائفة: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] .

أي: «قطعناه آيةً آية وسورةً سورة في عشرين سنة {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} تؤدة وترسلٍ؛ ليفهموه {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} نجومًا بعد نجومٍ وشيئًا بعد شيءٍ» 49.

وبناء على ذلك فقد علم بالحجة العقلية القاطعة الحاصلة من التواتر الذي لا يختلف فيه العقلاء «أن القرآن، الذى هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثًا وعشرين سنة.

والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر، الذي يقع عنده العلم الضروري به. وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من ملوك الأطراف.

ولما ورد ذلك مضادًّا لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفًا لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير؛ إذ كان عمدة دينهم، وعلمًا عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم. ثم تناقله خلف عن سلف هم مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله، حتى انتهى إلينا، على ما وصفناه من حاله. فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب، في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى» 50.

ويؤيد ذلك أنه تحداهم به ولم يزل عجزهم عن معارضته قائمًا مع علمهم به واطلاعهم عليه، فلو جاز أن يكون القرآن الموجود بين أيدينا غير الذي تحدوا به؛ لنقل عنهم ذلك.

قال الباقلاني: «وإذا ثبت هذا الأصل وجودًا، فإنا نقول: إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به، طول السنين التي وصفناها، فلم يأتوا بذلك، فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا بمثله.

وفي هذا أمران:

أحدهما: التحدي إليه.

والآخر: أنهم لم يأتوا له بمثل.

والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين» 51.

ويضيف الباقلاني أن العدد العظيم من الناس الذين أخذوا القرآن وتعلموه لدواع مختلفة ولو كانوا غير مسلمين، قد دل اتفاقهم على هذا القرآن أنه هو نفسه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، ولا يمكن أن يتشكك في ذلك عاقل، كيف والعقلاء لا يجيزون ذلك في مثل شعر امرئ القيس الذي لو زيد فيه لفظ؛ لتبرأ منه أصحابه؟!

قال: «وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي، وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن، كان ذلك قولًا باطلًا، يعلم بطلانه بمثل ما يعلم به بطلان قول من زعم أن القرآن أضعاف هذا! وهو يبلغ حمل جمل! وأنه كتم، وسيظهره المهدي! أو يدعي أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شيء وضعه عمر أو عثمان، رضي الله عنهما، حيث وضع المصحف، أو يدعي فيه زيادة أو نقصانًا.

وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده الحق، وحكاية قول من قال ذلك يغني عن الرد عليه؛ لأن العدد الذين أخذوا القرآن في الأمصار وفي البوادي، وفي الأسفار والحضر، وضبطوه حفظًا، من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف لا يجوز عليهم السهو والنسيان، ولا التخليط فيه والكتمان، ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا؛ لظهر، وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها إلى القرآن لو زيد فيه بيت، أو نقص منه بيت، لا، بل لو غير فيه لفظ؛ لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه.

فإذا كان ذلك مما لا يمكن أن يكون في شعر امرئ القيس ونظرائه، مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن، مع شدة الحاجة إليه في الصلاة التى هي أصل الدين، ثم في الأحكام والشرائع، واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه، فمنهم: من يضبطه؛ لإحكام قراءته ومعرفة وجوهها، وصحة أدائها، ومنهم: من يحفظه؛ للشرائع والفقه، ومنهم: من يضبطه؛ ليعرف تفسيره ومعانيه، ومنهم: من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة، ومن الملحدين: من يحصله؛ لينظر في عجيب شأنه.

وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة -على كثرة أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم- أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان؟! ويبين ذلك: أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا، ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} ، وقول بعضهم: إن ذلك سحر، وقول بعضهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه» 52.

فالحجة العقلية الحاصلة من التواتر تشهد بأن نصوص القرآن الكريم محفوظة من التبديل أو التزييف أو التحريف، ولقد هيئت له عناية إلهية خاصة منذ أزف نزوله واقترب، فإذا الجن تلحظ تغيرًا لم تألفه في السماء حين صارت تجد شهبًا قد ملئت بها جوانبها تترصدها كلما اقتربت على خلاف عهدها السابق: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 8 - 10] .

ثم إنهم علموا أنهم قد عزلوا عن السماع لأجل أمر عظيم: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء 210 - 212] .

ولقد اختير لهذه المهمة العظيمة أمين كريم ذو قوة مكين ومطاع في أهل السماء: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 194] .

وكما اختير أمين في السماء اختير أمين في الأرض، وتولى الله تنقية سريرته وتصفية أمانيه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 - 21] .

وأعلن في الناس أنه لو أراد أن يبدله أو يحرفه -وحاشاه أن يفعل- ما استطاع ذلك: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 - 47] .

كما وعد بجمعه في صدره ثم يقرأه على الناس فلا يخطئ منه حرفًا: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19] .

وأعلن سبحانه في العالمين أنه هو من يتولى حفظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

وأن الباطل لا يقربه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] .

وأن أحدًا لن يستطيع له تبديلًا: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف: 27] .

ولقد نزل منجمًا فحفظ ونقل تواترًا كما سلف، وهو الكتاب الأوحد الذي ما يزال دليل صدقه -إعجازه- قائمًا فيه.

بين الله في كتابه أن القرآن الكريم هو حجته الدامغة على الناس، وسوف نتناول بيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: القرآن منذر لمن بلغه:

لحكمةٍ ما شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون معجزة النبي عليه الصلاة والسلام وحيًا، وأن ينزل بلسان عربي، وأن يظل قائمًا ومحفوظًا، وأن يكون حجة على الناس جميعًا، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بسببه أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة، كما في الحديث: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 53.

قال ابن حجر -وهو يستعرض الأقوال في معنى الحديث-: «وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده» 54 أي: قوله صلى الله عليه وسلم: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) .

وهذا الذي ذكره ابن حجر يفيد بأن الله عز وجل قد أودع في هذا القرآن ما يجعله معجزة مستمرة يتساوى في إدراكها السابق واللاحق، وقد نصت آية سورة الأنعام على أن لمن بلغه القرآن الكريم حكم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الحجة عليه بالبلاغ، كما قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك: {اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} عقابه، وأنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم، إن لم ينته إلى العمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان بجميعه نزول نقمة الله به» 55.

ثم ذكر عن حسن بن صالح قال: «سألت ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة؟ قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآن فهو داعٍ، وهو نذير. ثم قرأ: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ} » 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت