فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 2431

ويلحق بهذا الأصل: تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، ويعتمد إيقاع الخصم في الإحراج، ولو كانت الحجة بينه والدليل دامغًا، فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف، وقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه، وقد تسكته بحجة ولكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه، وأسلوب التحدي يمنع التسليم، ولو وجدت القناعة العقلية. والحرص على القلوب واستلال السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء واستكفاء الإناء. وإنك لتعلم أن إغلاظ القول، ورفع الصوت، وانتفاخ الأوداج، لا يولّد إلا غيظًا وحقدًا وحنقًا، ومن أجل هذا فليحرص المحاور؛ ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة فهذا رعونة وإيذاء للنفس وللغير، ورفع الصوت لا يقوّي حجة ولا يجلب دليلًا ولا يقيم برهانًا؛ بل إن صاحب الصوت العالي لم يعل صوته -في الغالب -إلا لضعف حجته وقلة بضاعته، فيستر عجزه بالصراخ ويواري ضعفه بالعويل، وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان، والفكر المنظم والنقد الموضوعي 140.

ثانيًا: الإنصات الجيد وحسن الاستماع:

الإنصات الجيد هو بداية الحوار الفعّال الناجح مع الآخرين، والغريب أن الذين يتقنون هذه المهارة قلائل جدًّا، لذلك كان من الضروري أن نتعلم هذه المهارة؛ لأنها ستفتح لنا مجالًا أكبر للتواصل مع من حولنا والتحاور بصورة أفضل وستفتح لنا المجال في بناء علاقات مميزة مع الآخرين.

والإنصات: هو السكوت للاستماع 141، وهناك فرق بين السماع والاستماع: فالسماع قد يكون بغير قصد ولا انتباه، أما الاستماع فهو بقصد وانتباه وتركيز كما جاء في معجم الفروق اللغوية: إن الاستماع هو استفادة المسموع بالإصغاء إليه ليفهم، ولهذا لا يقال: إن الله يستمع، وأما السماع فيكون اسمًا للمسموع يقال لما سمعته من الحديث: هو سماعي، ويقال للغناء: سماع، ويكون بمعنى السمع، تقول: سمعت سماعًا، كما تقول: سمعت سمعًا 142.

ويظهر ذلك جليًّا في قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجنّ:1] ، يقول البقاعي: {اسْتَمَعَ} أي: بغاية الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف استماعًا هو الاستماع في الحقيقة 143.

أهمية الاستماع والإنصات في الحوار:

إن عملية الاستماع هي المقدمة الطبيعية لغالب العمليات الفكرية والعقلية الموجهة للسلوك البشري التنموي التحاوري، والسماع هو مفتاح الفهم والتأثر والإقناع والتشبع بالأفكار؛ لذا قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصّلت:26] ، فما داموا لا يسمعون له فلن يتأثروا به، كما أنهم لمّا انقشع عنهم الغمام تمنوا لو أنهم كانوا قد أحسنوا السماع، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] ، إننا نستمع أحيانًا بدون وعي، فإذا اجتمع مع الاستماع وعيٌ يكون الإصغاء، وهو سماع الأذن بوعي وتفهّم، والإصغاء الفعال هو الاستماع والإنصات المركّز لمجموعة من المعلومات حول موضوع ما لغرض التفهّم الكامل لذلك الموضوع. وهو مهارة مهمة إذ إنه يبني نوعًا من الثقة والمودة المتبادلة ويعزز التفاهم والتواصل، ومعظم المشاكل التي تحدث في العلاقات بين الناس يكون عدم الإلمام بهذه المهارة سببًا رئيسًا فيها 144.

ومن أهم فنون التواصل مع الآخرين عند دعوتهم أو الحوار معهم: أن تستمع إليهم لكي تعطيهم فرصة للتكلم والتعبير عن آرائهم ووجهة نظرهم، «والواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه، ويعلم أنّه إنّما جعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر ممّا يقول؛ لأنّه إذا قال ربّما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على ردّ ما لم يقل أقدر منه على ردّ ما قال، والكلمة إذا تكلّم بها ملكته، وإن لم يتكلّم بها ملكها» 145.

وقد ترتب في سورة الأحقاف على حسن الاستماع والإنصات دعوة أمة الجن بأسرها كما يصور ذلك المشهد سيد قطب رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) } [الأحقاف:29] ، حيث قال: وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله طوال مدة الاستماع. وهذه تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن. فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام 146.

قال المراغي: فلما حضروا الرسول قال بعضهم لبعض: أنصتوا مستمعين، فلما فرغ من تلاوته رجعوا إلى قومهم لينذروهم بأس الله وشديد عذابه 147.

والإنصات الجيد يؤثر في النفس أبلغ الأثر، ويزيد القدرة على الاستيعاب، فقد جاء في تفسير هذه الآية: قال بعضهم لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعوه وأثّر فيهم، رجعوا إلى قومهم منذرين ومحذرين لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا به 148.

وحسن الاستماع من الآداب الإسلامية والأخلاق الرفيعة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه من يناقشه استمع إليه وأنصت لكلامه حتى يفرغ من حديثه ثم أجابه.

وخير مثال على ذلك من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إنصاته الجيد لعتبة بن ربيعة في القصة المشهورة، حيث قال عتبة: ( .... إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه- أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه: قال: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: {حم(1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) } [فصّلت:1 - 5] .

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم) 149.

وهكذا نلاحظ أنه لما جاء عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحاوره في دينه ويبين له على ما ترتب على دعوته إلى دين الإسلام من أمور يظنها مفاسد من التفريق بين الوالد والولد، وجعل ذلك تسفيهًا لدين الآباء والأجداد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو قد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم استمع له وأنصت له حتى أكمل كلامه كله، فلما قضى كلامه قرأ عليه من سورة فصلت فكان ذلك سببًا في تغيير شيء من موقفه 150.

فمن هذا الموقف العظيم ندرك كم لأهمية الإنصات الجيد وحسنه من أثر إيجابي على الآخرين؛ فقد أثر على صنديد من صناديد قريشٍ أبلغ التأثير.

ثالثًا: إبراز الحقائق:

إن من القواعد والمبادئ الأساسية للحوار والتي جاءت بها شريعة الإسلام لقطع الخلاف: إبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع 151، والتي تتمثل في أمرين: إبراز الحقائق المثبتة، وصحة النقل، وعليها وضع العلماء قاعدتهم المشهورة: (إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدّعيًا فالدليل) 152.

وقد وردت الإشارة إلى مضمون هذه القاعدة في كثير من الآيات القرآنية التي تطالب الطرف الآخر بتقديم البراهين والحجج المنطقية، منها قوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64] ، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:24] .

ففي هذه النصوص يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بتقديم براهينهم وأدلتهم على ما يقدمون من دعاوى إن كانوا على يقين من الأمور التي يعتقدونها: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111] .

وهكذا نجد أن المحاورة في القرآن الكريم تعتمد على العقل والمنطق، ولا تتأثر بأي عامل أو مؤثر خارجي كالنبوة والرسالة والوحي، ولاشك أن الحوار الذي يعتمد على الحجة الواضحة والدليل المنطقي القوي سيؤدي في النهاية إلى الحرية في التفكير، والتخلص من التعصب والانحياز، فنحن نرى أن إبراهيم عليه السلام في حواره مع الله عز وجل يتقدم للمحاورة وكأنه متجردٌ من النبوة، بل من الإيمان: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .

فإبراهيم في هذه المحاورة يريد التحاور ضمن قواعد العقل والمنطق، ويرفض وجود أي مؤثر في المحاورة غير العقل 153.

ولقد ظهرت تلك القاعدة أيضًا واضحة جلية في حوار إبراهيم عليه السلام مع الملك الكافر الظالم الذي كان يعيش في عصره.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258] .

أراد إبراهيم عليه السلام: أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر: أنه يقدر أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جوابًا أحمق، لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم، لأنه أراد غير ما أراد الكافر، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسًا لخناقه، وإرسالًا لعنان المناظرة فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. قوله: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} بهت الرجل وبهت وبهت: إذا انقطع وسكت متحيرًا 154.

رابعًا: الإنصاف:

إن العدل والإنصاف مع الخصم مبدأ مهم صعب جليل، وإن المفترض في المسلم أن يكون عادلًا منصفًا، حيث منهج دين الإسلام هو الأمر بالعدل والتهي عن الظلم.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90] ، والعدل والإنصاف مطلوبان في القول: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام:152] ، كما هما مطلوبان في الحكم: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] ، ولو اتبع المسلمون هدي دينهم في هذا الأمر لما وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه من الظلم والاختلاف والنزاع والشقاق، ومن تمام الانصاف قبول الحق من الخصم والتفريق بين الفكرة وصاحبها، وأن يبدي المحاور إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة، والمعلومات الجديدة التي يوردها خصمه، وهذا الإنصاف له أثره الإيجابي لقبول الحق، ويضفي على المحاور روح الموضوعية 155.

وإنما كان الإنصاف والعدل صعبًا لما اتصف به الإنسان من الجهل والظلم.

قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] .

فأكثر الناس مجبول على عدم الانصاف إلا من رحم الله، ولذلك قال الإمام الشعبي رحمه الله: «والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لأعدوا عليّ تلك الواحدة» 156.

وقد ذكر العلماء ضوابط في العدل والإنصاف: فمن ذلك قول عبد الله بن المبارك رحمه الله: «إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن» 157.

وذكر عن حاتم الأصم أنه قال: «معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل علي، فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقال: سبحان الله ما كان أعقله من رجل» 158.

ولا شك أن الآيات والأحاديث، والأمثلة والنماذج والسير كثيرة جدًّا في تقرير هذا المبدأ وتأصيله، وهناك نصوص عامة تأمر بالعدل والإنصاف في الحوار وغيره.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء:135] ، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8] .

قال الزمخشري: «وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه» 159.

فالآيات تفرض العدل في جميع الأحوال، كما تحذر الظلم وتحرم الجور في جميع الأوقات، وقد مضت سنة الله العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا، هو ذل الأمة وهوانها، واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها، ولجزاء الآخرة أذل وأخزى وأشد وأبقى 160.

وكما يروى عن شيخ الإسلام قوله: إن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، ويذل الأمة الظالمة وإن كانت مسلمة 161.

ومن نماذج الإنصاف في القرآن ما جاء في وصف أهل الكتاب وذكر بعض مثالبهم كما في قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112] .

ثم أنصف الله عز وجل المتقين منهم بقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] .

ومثلها إنصافهم في قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:75] .

قال سيد قطب: «وهذا غاية الإنصاف والعدل للقلة الخيرة منهم، التي وعدها بالوعد الصادق لهم: أنهم لن يبخسوا حقًّا، ولم يفكروا أجرًا مع الإشارة إلى أن الله سبحانه علم أنهم من المتقين» 162.

خامسًا: الرفق واللين:

إن إظهار الحق وإيصاله للآخرين وإقناعهم به ودحض شبهاتهم وأباطيلهم يحتاج إلى معرفة طبيعة النفس البشرية، وما يصلح لها وما يسوؤها، ومن أهم سمات النفوس أنها تميل إلى اللين والملاطفة والتعامل بالحسنى، وتنفر من الشدة والإذلال والإفحام، إذ إن لها كبرياء، فمن أكرمها فأنه يستطيع أن يقودها وأن يسيّرها كيفما شاء، ومن خدش كبرياءها، فلن يظفر منها بطاعة ولا تصديق ولا انقياد، ولا يلومنّ بعد ذلك إلا نفسه! لذا فمن أراد أن يمسح الشبهات من عقول الناس، أو أراد أن يدحضها، فعليه أن يلج إلى ذلك بالحسنى، وأن يتجّنب العنف والشدة والتحدي 163.

ولا شك أن القلوب تميل إلى من يلين ويرفق بها، وتنفر الطبائع البشرية من الفظ الغليظ، حتى لو كان خير الناس! كما قال الله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] .

والمحاور الناجح في أمسّ الحاجة إلى التفاف الناس حوله، وتحّليه بالرفق واللين يساعد في تحقيق ذلك. إلى جانب ذلك، فقد ينشأ عند كثير من الناس نفور تجاه المحاور بسبب دعوته، وذلك إذا خالف رغبات كثير منهم أو عارض شهواتهم، لكنّ اتصافه بالرفق يساهم في إزالة أو تقليل هذا النفور 164.

إنّ الرفق سمة واضحة في دعوة الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فما من نبي بعث إلا ودعا قومه وحاورهم بالتي هي أحسن، فها هو نبي الله شعيب عليه السلام يحاور قومه بكل رفق قائلًا: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88] .

فهذا تلطف منه في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة، يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون إن كنت على بينة من ربي ورزقني النبوة والرسالة، وعمّي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فيكم؟ ولست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه 165، فهو يتلطف معهم ليشعرهم أنه على بينة من ربه، وأنه على ثقة مما يقول لهم، وأنه يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة، وسيتأثر مثلهم بنتائجها، لأنه ذو مال وعلاقات تجارية، فهو لا يبغي كسبًا شخصيًّا من وراء دعوته لهم، فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله لينفرد بالكسب وحده! إنما هي دعوة الإصلاح للناس أجمعين بكل حكمة وروية ولين 166.

ولقد أمر الله نبييه موسى وهارون عليهم السلام أن يحاورا فرعون، ذلك الطاغية الذي ادعى الربوبية فقال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النّازعات:24] ، ثم ادعو الألوهية فقال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] ، ورغم ذلك أمرهم الله بالرفق واللين معه فقال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت