فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 2431

الحق الساطع واليقين القاطع هو أن الذين آمنوا بالله، ولم يشركوا به هم أحق الناس بالأمن، ولو أن قومه يعقلون أو يرشدون؛ لسلموا لهذا الأمر وصدقوه، وآمنوا به واتبعوه، وهذا الحديث الذي جاء على لسان إبراهيم عليه السلام هو من توفيق الله جل جلاله له، ومن حجته التي ألهمه إياها، أو أوحى بها إليه.

إنه النمرود، الذي ملك الأرض شرقها وغربها، وكان الناس في ذلك الزمان قد أصابهم الجدب، وكانوا يذهبون إليه؛ ليأخذوا ما يحتاجونه من الطعام والشراب؛ فيمتحنهم بهذا السؤال: من ربك؟ فمن قال له: أنت ربي؛ أعطاه، وكان فيمن جاءه إبراهيم عليه السلام فسأله: من ربك؟ فجاء جواب إبراهيم كما ذكر القرآن.

وكانت بينهما تلك المناظرة، والتي ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] 60.

يذكر الله سبحانه وتعالى أمرًا عجب منه عز وجل، وذكره على سبيل التعجيب لقارئ القرآن منه، وهو أن عبدًا من عبيده، أنعم عليه وملكه على الأرض؛ فقابل هذا الفضل بالكفر بدل الشكر، وإنه ادعى الربوبية، وامتحن الناس فيها، وكانوا يجيبونه لما أراد، إلى أن جاءه إبراهيم عليه السلام؛ فدعاه لما دعا إليه الناس؛ فأجابه على غير ما أراد، وبين له أنه مربوب لمن يستحق الربوبية بكونه يملك الإحياء والإماتة؛ فعارض المغرور قول إبراهيم؛ بأنه يملك ما نسبه إبراهيم عليه السلام إلى ربه، فهو بإنفاذه حكم القتل على أحد يميته، وبإيقاف هذا الحكم عن محكوم عليه به يحييه، ولكن إبراهيم عليه السلام الذي آتاه الله الحجة، وأيده بالمحجة، عدل عن النزول إلى مناقشة هذا الغباء، واختار طريق الإفحام، بالاحتجاج بأمر لا يطيقه بشر، فقال له: إن ربي يأتي كل يوم بالشمس من المشرق؛ فافعل ضد هذا أنت وأت بها من المغرب، فألجم وأفحم، وأبلس وأخرس، فكيف يكون لغبي أن يحاجج نبيًا؟! وهل يجوز لأخرق أن ينال البيرق؟! إنها حجة الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.

أولًا: إبراهيم عليه السلام وإعمار البلد الحرام:

كان إبراهيم عليه السلام أمة، كما أخبر الله عنه بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 120 - 122] .

فقد أحيا توحيد الله عز وجل في الأرض بعد خلوها منه عند البشر، وشرق في الأرض وغرب من أجل هذا المقصد، حتى البلد الحرام في ذلك الزمان كان قد خلا ممن يعبد الله جل جلاله فيه؛ فذهب إليه بولده الوحيد، وزوجه الضعيفة، وأسكنهما في مكان قفر، ليس فيه معلم من معالم الحياة.

وجاء خبر هذا في قول الله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 37 - 38] .

وتفسير هذا جاء في صحيح البخاري: قال ابن عباسٍ: (أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام وبابنها إسماعيل عليه السلام وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحةٍ، فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحدٌ، وليس بها ماءٌ.

فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمرٌ، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قفى إبراهيم عليه السلام منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل عليه السلام فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيءٌ؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت، فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: رب {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} حتى بلغ - {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

وجعلت أم إسماعيل عليه السلام ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مراتٍ.

قال ابن عباسٍ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فذلك سعي الناس بينهما) فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت صهٍ - تريد نفسها -، ثم تسمعت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.

قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء -، لكانت زمزم عينًا معينًا) .

قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقةٌ من جرهم، أو أهل بيتٍ من جرهم، مقبلين من طريق كداءٍ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماءٍ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأرسلوا جريًا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا.

قال: وأم إسماعيل عليه السلام عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس) .

فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبياتٍ منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم عليه السلام بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل عليه السلام، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرٍ، نحن في ضيقٍ وشدةٍ، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل عليه السلام كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحدٍ؟ قالت: نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهدٍ وشدةٍ، قال: فهل أوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخيرٍ وسعةٍ، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذٍ حبٌ، ولو كان لهم دعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلا لم يوافقاه.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل عليه السلام قال: هل أتاكم من أحدٍ؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخيرٍ، قال: فأوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل عليه السلام يبري نبلًا له تحت دوحةٍ قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد) 61.

وهكذا بدأ إعمار البلد الحرام، إلى أن أراد الله سبحانه وتعالى أن يتم بناء المسجد الذي سيكتمل به الإعمار، والحديث عنه في ما يلي.

ثانيًا: إبراهيم عليه السلام وبناء الكعبة:

يأتي الحديث في سورة البقرة عن سيدنا إبراهيم، وبيان فضل الله سبحانه وتعالى عليه بجعله إمامًا للناس، إلى أن ذكر بناء المسجد الحرام، وعقب بعد ذلك بتكرار الثناء على إبراهيم وتأكيد إمامته، بحيث لا يقبل الله جل جلاله ملة غير الملة التي كان عليها، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفاه، وبين السبب لذلك؛ أنه قد أسلم لربه بما أمره به.

وذلك في قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 124 - 131] .

قال ابن عباسٍ:(ثم إنه بدا لإبراهيم عليه السلام، فقال لأهله: إني مطلعٌ تركتي، فجاء فوافق إسماعيل عليه السلام من وراء زمزم يصلح نبلًا له، فقال: يا إسماعيل، إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا، قال عليه السلام: أطع ربك، قال عليه السلام: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، قال عليه السلام: إذن أفعل، أو كما قال عليه السلام: قال فقاما فجعل إبراهيم عليه السلام يبني، وإسماعيل عليه السلام يناوله الحجارة ويقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .

قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ) 62.

وهكذا شرف الله عز وجل إبراهيم وولده إسماعيل ببناء أعظم بيت على وجه الأرض، ليكون به الإعمار لأرض الله كلها، فما من مسلم يريد الصلاة في بقعة من بقاع الأرض إلا وهو يتوجه إلى المسجد الحرام الكعبة.

ولم يقتصر إعماره للبلد الحرام على هذا الحد، بل إنه توجه إلى الله جل جلاله بهذا الدعاء {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

وهذه الدعوة هي التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه العرباض بن سارية أنه قال: (إني عند الله مكتوبٌ: خاتم النبيين وإن آدم لمنجدلٌ في طينته وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نورٌ أضاء لها منه قصور الشام) 63.

والذي نراه اليوم من عمران في الدنيا كان بدعوة منه عليه السلام، فكان محمد صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي دعا بمجيئه إبراهيم عليه السلام، وها هي أمته تعمر ذلك المكان وقلوبها تهوي إليه، عمارة بتوحيد الله وتعظيمه، بما علمهم إياه الرسول من الكتاب والحكمة، وزكاهم به من تنقيتهم من الشرك والبدع والمعاصي.

[انظر: مكة: إبراهيم عليه السلام ومكة]

ثالثًا: إبراهيم عليه السلام وفريضة الحج:

عهد الله جل جلاله لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بعد بناء بيته الحرام بتطهيره وتهيئته للقاصدين له تعبدًا بألوان العبادات، من الاعتكاف والصلاة، ثم أمر إبراهيم عليه السلام بعد ذلك أن ينادي بالناس لحج بيته الحرام.

يقول تبارك وتعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26 - 27] .

وقبل ذلك كان قد دعا بدعوة أجابه الله سبحانه وتعالى بما أمره به في هذه الآية، يقول الله جل جلاله مخبرًا عن دعوته تلك بقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

فكانت فريضة الحج فريضة ماضية إلى يوم القيامة من لدن إبراهيم عليه السلام إلى قيام الساعة، ومناسكها هي مناسك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكان ذلك ثمرة دعائهما، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 128 - 129] .

وهي التي علمنا إياها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا) 64.

وما زالت قلوب الناس تهوي لأدائها، ويأتون لأهل هذا البلد بالأرزاق معهم، ويجدون فيها كما نسمع ونرى في هذا الزمان من كل الثمرات في الموسم الواحد، وهذا كله من كرم الله جل جلاله على إبراهيم وذريته.

1.أولًا: التبشير بالذرية الصالحة:

مضت سنة الله سبحانه وتعالى أن يكافئ على الإحسان بالأحسن، وأن من ترك شيئًا من أجله؛ أن يعوضه الله خيرًا منه، كما جاء في الحديث المسمى بحديث الأعرابي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرًا منه) 65.

وقد هجر إبراهيم عليه السلام أباه وقومه؛ فأبدله بالذرية الصالحة، وجعل النبوة فيها، كما هجر العراق؛ فأبدله الله بيت المقدس ومكة، وقد جاءته البشارة بالذرية الصالحة، على كبره، وتقدم سنه.

يقول الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 99 - 101] .

وهي البشارة بإسماعيل عليه السلام، ومن بعدها البشارة بإسحاق في قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] .

وقد جاء لنا وصف البشارة بإسحاق، والحالة التي كان عليها إبراهيم عليه السلام، والتي كانت عليها زوجه سارة عند البشارة.

يقول الله جل جلاله: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 69 - 73] .

وما أعظمها من نعمة، أفردها إبراهيم عليه السلام بالحمد لربه جل جلاله؛ استشعارًا منه بعظمتها عليه، حيث أخبر الله عز وجل عنه بذلك: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .

وذلك أنها جاءته على حال عجز، وانقطاع أمل ممن هو في مثل حاله، الأمر الذي دعا سارة رضي الله عنها أن تعجب منه؛ فذكروها بأنها إرادة الله الذي {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

وزادوهم بالدعاء والرحمة من الله تبارك وتعالى على ما قاموا به من حق الله جل جلاله، وصبروا.

ثانيًا: النبوة في ذريته:

وجعل الله في ذريته عليه السلام النبوة والرسالة كما جعلها في ذرية نوح عليه السلام.

يقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 26] .

وقد خصه الله بالذكر في هذا الأمر في موضع آخر من كتابه حيث يقول جل جلاله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] .

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عددًا ممن كان من الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83 - 86] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت