فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 2431

قال الطاهر بن عاشور: «قوله: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي، وفي الطباع السليمة حب الفضل، فأمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل، ولا ينسوه؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه، فيضمحل منهم، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة» 50.

وقرأ عليٌّ رضي الله عنه: (ولا تناسوا) ، قال ابن عطية: «وهي قراءة متمكنةٌ في المعنى، لأنه موضع تناسٍ لا نسيانٍ، إلا على التشبيه» 51.

وقال أبو البقاء: على باب المفاعلة، وهي بمعنى المتاركة لا بمعنى السهو 52.

4.النسيان المتعمد.

هو في موضع الذم والوعيد؛ لأن الإنسان إذا تركه متعمدًا كان عليه العقوبة واللعن، لذا يجب عليه الأخذ به والامتثال له، كما في قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ? وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة:13] .

قال الطاهر بن عاشور: «والنسيان مراد به الإهمال المفضي إلى النسيان غالبًا، وقد جمعت الآية من الدلائل على قلة اكتراثهم بالدين ورقة اتباعهم» 53.

5.الانشغال بالمحرمات والمباحات، حتى يهمل الإنسان الواجبات.

قال تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) } [المؤمنون:110] .

قال السعدي: «وهذا الذي أوجب لهم نسيان الذكر، اشتغالهم بالاستهزاء بهم، كما أن نسيانهم للذكر يحثهم على الاستهزاء، فكل من الأمرين يمد الآخر، فهل فوق هذه الجراءة جراءة» 54.

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) } [الفرقان:17 - 18] .

قال السعدي: «حتى نسوا الذكر اشتغالا بلذات الدنيا وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم وضيعوا دينهم، وكانوا قومًا بورًا، أي: بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح، لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى» 55.

ومثله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] .

قال الطاهر بن عاشور: «أي بسبب نسيانهم يوم الحساب، والنسيان: مستعار للإعراض الشديد؛ لأنه يشبه نسيان المعرض عنه ... وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب الشديد تنبيه على تلازمهما؛ فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإعراض عن مراقبة الجزاء» 56.

ثانيًا: نسبة النسيان إلى الأنبياء عليهم السلام:

دَلَّ القرآن على نسيان الأنبياء في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. يقول الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام:68] .

وقال عز وجل: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) } [الكهف:24] .

والأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا لا ينافي نسيانهم في بعض الأمور الدنيوية أو الأمور التي فيها حكمة التشريع.

قال ابن تيمية: «فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ» 57.

وذكر القرآن الكريم مواقف نسيان لبعض الأنبياء، وهذا يدلل على بشريتهم، منهم:

قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام:68] .

وقف كثير من المفسرين عند هذه الآية وتساءلوا عن جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جواز تأثره بالشيطان. والآية صريحة بجواز النسيان عليه، وعلى غيره من الأنبياء. وفي القرآن آيات عديدة أخرى تؤيد ذلك. مثل هذه الآية التي يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) [الكهف:24] .

وسبب نزول هذه الآية أن قريشًا أرسلت وفدًا إلى علماء أهل الكتاب (اليهود) في المدينة كي يطلبوا منهم بعض الأسئلة ليمتحنوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لهم اليهود اسألوه عن (أصحاب الكهف) وعن (ذي القرنين) .

فعادوا بهذه الأسئلة إلى مكة وطرحوها على النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم قائلًا (سأخبركم عنها غدًا) ولم يستثن بقوله: (إن شاء الله) فلم ينزل الوحي في اليوم التالي، وتأخر نزول الوحي فترة من الزمن، وقد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم الحزن لهذه الفترة في الوحي.

وبعد أن نزل الوحي وبَيَّنَ الإجابة عن أسئلتهم علم الله تعالى في بداية الآيات نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن لا يجزم بقول أو فعل شيء في المستقبل دون إيكال ذلك إلى مشيئة الله تعالى وإرادته.

قال تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَ?لِكَ غَدًا ?23?إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ? وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى? أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَ?ذَا رَشَدًا ?24?) [الكهف:23 - 24] .

ذكر الله تعالى أن النسيان أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذا أمره أن يذكر ربه إذا نسي، وهو منبثق من طبيعة الأنبياء البشرية.

وهناك أحاديث عديدة عن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث عن عبدالله: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال:(وما ذاك) ، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: (إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) 58.

قال ابن حجر: «قوله: قال: وما ذاك. فيه إشعار بأنه لم يكن عنده شعور مما وقع منه من الزيادة، وفيه دليل على جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي السهو، وهذا الحديث يرد عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم فيه: (أنسى كما تنسون) ولقوله: (فإذا نسيت فذكروني) ، أي: بالتسبيح 59.

وجواز السهو والنسيان على النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحتمل في الشؤون البشرية والدنيوية. أما الشؤون الدينية والتبليغ عن الله تعالى فالمتفق عليه عند الجمهور أنه معصوم عنهما وهو الحق 60.

وأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى? ?6?) [الأعلى:6] .

أراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى? إِلَيْكَ) [طه:114] .

أي: ولا تعجل بقراءته من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، وقيل: معناه لا تقرئه لأصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه 61.

قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى? آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه:115] .

أي: أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة، يقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدم الملك إلى فلان وأوصى إليه، وعزم عليه، وعهد إليه، واللام في (لَقَدْ) لام القسم، والمعنى: وأقسم قسمًا لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة من قبل وجودهم، فخالف إلى ما ننهى عنه فنسي العهد، أي: النهي، والأنبياء عليهم السلام يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه.

وأما قوله: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) أي: قصدًا على الخلاف لأمره، أو لم يكن آدم من أولي العزم من الرسل 62.

ونسي هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان منه؛ لأنه عهد إليه فنسي، وقيل: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس، وكان في ذلك الوقت مأخوذًا بالنسيان، وإن كان النسيان مرفوعًا عنا اليوم، وهذا القول لا يحتمل منه أن يكون آدم مرفوعًا عنه النسيان، ومعنى (ٹ مِن قَبْلُ) ، أي: من قبل أن يأكل من الشجرة لأنه نهي عنها.

وأما معنى قوله تعالى: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر 63.

فنبي الله يوسف الذي أنساه الشيطان ذكر ربه حيث يقول سبحانه عنه (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ?42?) [يوسف:42] .

فقوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) وجملة (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) هي مقول القول، أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير والاطلاع على شيءٍ من علم الغيب، وكانت هذه المقالة منه عليه السلام صادرةً عن ذهولٍ ونسيانٍ عن ذكر الله بسبب الشيطان، فيكون ضمير المفعول في أنساه عائدًا إلى يوسف، هكذا قال بعض المفسرين، ويكون المراد بربه في قوله: (ذِكْرَ رَبِّهِ) هو الله سبحانه، أي: إنساء الشيطان يوسف ذكر الله تعالى في تلك الحال (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا) يذكره عند سيده ليكون ذلك سببًا لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته 64.

وذلك أن إلهام يوسف أن يسأل الله إلهام الملك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في على أمنيته، وكان ذلك سببًا إلهيًّا في نسيان الساقي تذكير الملك، وكان ذلك عتابًا إلهيًّا ليوسف على اشتغاله بعون العباد دون استعانة ربه على خلاصه 65.

وفي ذلك يقول الشوكاني: «وذهب كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من الغلامين وهو الشرابي ... ويكون المعنى: فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن، ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك، وقد رجح البعض على هذا كون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء:

ويجيب الشوكاني على من قال: إن الشيطان لا سبيل له على الأنبياء. وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف، ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) 66.

ورجح أيضا بأن النسيان ليس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وأجيب بأن النسيان هنا بمعنى الترك، وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه في تفريج كربه 67.

ذكر الله لموسى أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى فأحب الرحيل إليه، فقال لفتاه {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [الكهف:60] .

أي: لا أزال سائرًا هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، فلما بلغا مجمع البحرين ناما هنالك وكان فتاه يحمل حوتًا مملوحًا، فاستيقظ يوشع وقد أصاب الحوت رشاش الماء فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع بن نون، فسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال: {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} ، أي: مثل السرب في الأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة 68.

ويصور الله تبارك وتعالى هذه الحادثة بقوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) } [الكهف:60 - 63] .

وقد نسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} والمعنى: فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحله قال موسى {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} .

ولما قفز الحوت من المكتل رآه وكان موسى عليه السلام نائمًا فلما استيقظ نسي أن يخبره بما حدث من الحوت من شدة النصب، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما فلما أخبره فتاه بالحادثة قال: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) } [الكهف:64] .

أي: رجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي كانا قد أويا إليها، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟! فقال: أنا موسى بن إسرائيل قد أتيتك لتعلمني مما علمت منه رشدا 69.

قال الطبري: الحوت كان مع يوشع، وهو الذي نسيه، فأضيف النسيان إليهما، وإنما جاز عندي أن يقال: (نسيا) لأنهما كانا جميعًا تزوداه لسفرهما، فكان حمل أحدهما ذلك مضافًا إلى أنه حمل منهما، كما يقال: خرج القوم من موضع كذا، وحملوا معهم كذا من الزاد، وإنما حمله أحدهما ولكنه لما كان ذلك عن رأيهم وأمرهم أضيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نسيه حامله في موضع قيل: نسي القوم زادهم، فأضيف ذلك إلى الجميع بنسيان حامله ذلك، فيجرى الكلام على الجميع، والفعل من واحد، فكذلك ذلك في قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} لأن الله عز ذكره خاطب العرب بلغتها، وما يتعارفونه بينهم من الكلام» 70.

قال القرطبي: «وقيل إن النسيان كان منهما لقوله تعالى: {نَسِيَا} فنسب النسيان إليهما وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى؛ لأنه هو الذي أمر به، فلما مضيا كان فتاه هو الحامل حتى أويا إلى الصخرة» 71.

ثم قال تعالى حكاية عن الخضر عليه السلام: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) } [الكهف:72 - 73] .

فالنسيان الأول كان عقاب من الله تعالى على الهفوة التي وقع فيها موسى عليه السلام؛ لأن قصة الخروج في طلب علم الرجل الصالح كلها منطوية على ذلك، ومما يدل على ذلك قوله: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) 72.

والنسيان الثاني الذي وقع من موسى عليه السلام عندما صحب الخضر أنه حرم علمًا كثيرًا وحكمة؛ لأنه لو صبر مع الخضر لحصل له علم كثير، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) 7374.

مما سبق يتضح أن النسيان الطبيعي هو صفة من صفات بني آدم لم يسلم منه حتى الأنبياء وهو دليل على بشريتهم إذ الكمال كله لله تعالى.

للإنسان دور واضح في إيجاد النسيان من خلال عدم اهتمامه وسطحية تعامله مع مفردات الحياة وتفاصيلها، فالذين لم يستعدوا لليوم الآخر بالعمل الجاد الصالح، ونسوا ذلك اليوم وأغرتهم الدنيا بمتاعها وجمالها، فتركوا العمل والعدة، فسيتركون في النار وسيجزون من جنس عملهم.

وهناك نوع آخر من النسيان خارج عن إرادة الإنسان لأسباب وظروف موضوعية خاصة به، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى على الإنسان في حالة إصابته بالمصائب والأوجاع والشدائد.

أولًا: النسيان المؤاخذ عليه ودوافعه:

النسيان المتعمد من الصفات المذمومة، وجاء في آيات القرآن الكريم مقترنًا بصفات أخرى لها علاقة بهذا المرض ولها ارتباط وثيق به، ورد ذكرها في القرآن على سبيل الذم، فقد جاء مقترنًا: بالكفر، والتكذيب، وعدم الإيمان، والتكبر، والجحود، والإعراض، والضلال، والظلم، ونسيان ذكر الله تعالى، ونسيان اليوم الآخر وما يكون فيه من الحساب، واللهو، واللعب، والتفريط، وحب الحياة الدنيا، وغير ذلك من مهلكات الأمور.

وأغلب هذه المواطن التي ذم الله تعالى فيها الناسين إنما وردت في سياق الحديث عن الكفار والمنافقين، ولم ترد في سياق وصف المؤمنين، مما يدل على أن المؤمن لا ينبغي له أن يتصف بصفات الكفار والمنافقين.

ومن النسيان المؤاخذ عليه:

نسيان المخلوق لخالقه من أقبح صور النسيان وأشنعها، حيث إنه يعد نسيانًا للمنعم وجحدًا للنعمة وتنكرًا من العبد لربه ومولاه الذي خلقه في أحسن تقويم، فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى، وبلا هدف يردعه عن السائمة التي ترعى، وفي هذا نسيان لإنسانيته.

وفي ذلك يقول سبحانه: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ? نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ? إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?67?) [التوبة:67] .

فنسيان الله تعالى من صفات المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، فالمؤمن دائم الذكر لله والمنافق ينسى ذكر الله سبحانه 75.

قال القرطبي في تفسير هذا النسيان: «والنسيان الترك هنا، أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك، وقيل: إنهم تركوا أمره حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه، وقال قتادة: نسيهم، أي: من الخير، فأما من الشر فلم ينسهم» 76.

فالمنافقون الذين هذه صفتهم من طينة واحدة وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان وفي كل مكان تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية ولؤم السريرة، والضعف عن المواجهة والجبن عن المصارحة؛ لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون، إنهم نسوا الله فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلونهم ويدارونهم 77.

ونظرًا لشناعة هذه الصفة وقبحها يحذر الله المؤمنين من أن يقعوا فيما وقع فيه المنافقون فيخاطبهم سبحانه قائلًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ?18?وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?19?) [الحشر:18 - 19] .

فقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي: تركوا أمره أو ما قدروه حق قدره أو لم يخافوه، أو جميع ذلك 78.

ويقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية: «بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي؛ تحذيرًا عن الإعراض عن الدين والتغافل عن التقوى، وذلك يفضي إلى الفسوق، وجيء في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت فيهم هذه الصلة؛ ليكون النهي عن إضاعة التقوى مصورًا في صورة محسوسة، هي صورة قوم تحققت فيهم تلك الصلة، وهم الذين أعرضوا عن التقوى، وهذا الإعراض مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به اليهود، وإلى النفاق الذي تلبس به فريق ممن أظهروا الإسلام في أول سني الهجرة، وظاهر الموصول أنه لطائفة معهودة فيحتمل أن يراد بالذين نسوا الله المنافقين؛ لأنهم كانوا مشركين ولم يهتدوا للتوحيد بهدى الإسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله؛ لأنه جهل بصفات الله من التوحيد والكمال؛ لذلك عبر عنهم بالفاسقين في قوله: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر:19] .

فتكون هذه الآية ناظرة إلى تلك، ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود؛ لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأضاعوا دينهم، ولم يقبلوا رسالة عيسى، فالمعنى نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به ... وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض، فالكلام بتقدير عن عمد، أي: فنسوا دلائل توحيد الله ودلائل صفاته، ودلائل صدق رسوله وفهم كتابه، فالكلام بتقدير: حذف مضاف أو مضافين» 79.

فمن خلال استعراض أقوال المفسرين نجد أن معنى نسيان الله تعالى، هو ترك أوامره، ونسيان ذكره، وأصحاب هذه الصفة لا يحسبون حسابًا لله بل يحسبون حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس، يذلون لهم ويدارونهم، فنسيهم الله، فلا وزن لهم ولا اعتبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت