قال تعالى: (ڑ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى? شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى? مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ? هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ? وَهُوَ عَلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(76) [النحل: 76] .
وفي آية جامعة يأمر عز وجل بإقامة موازين العدل وبسط راحتي الإحسان، فيقول تعالى: (. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ? يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90] .
تلك العدالة التي لا ينبغي أن يصرف عنها صارفٌ أو يحول دونها حائل، ولا يؤثر عليها تحيزٌ أو ضغطٌ من قرابة أو بعد، أو محبة أو بغض، أو مصلحة أو هوى نفس، أو تعصب لطائفة أو جماعة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ? إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى? بِهِمَا ? فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَنْ تَعْدِلُوا ? وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ?135?) [النساء: 135] .
فعلى كل مؤمن أن يستشعر مسئوليته وواجبه نحو إقامة العدل ومراقبته والدعوة إليه والإذعان له والرضا به.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ? وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا ? اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8] .
«فهو العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد ولا بالتباغض بين الأقوام؛ فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعًا، لا يفرق بينهم حسب ولا نسب ولا مال ولا جاه، كما تتمتع به الأقوام الأخرى، ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمة في العدل لا يبلغها أي قانون دولي حتى هذه اللحظة» 20.
ومن أبرز أنواع العدل الذي أكده صلى الله عليه وسلم العدل في توزيع الثروات، وإتاحة الفرصة المتكافئة لأبناء الأمة الواحدة، وإعطاء العاملين ثمرة أعمالهم وجهودهم دون بخسٍ أو مماطلةٍ، فإن ذلك مما يقرب الفوارق البعيدة بين الأغنياء والفقراء، ويرفع من مستوى الفقراء، وهذا مقصدٌ من مقاصد الإسلام، سعى لتحقيقه كما في قوله تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ.ںں) [الحشر: 7] .
والـ (دُولَةً) : ما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال، فيكون في يد هذا تارة، وفي يد ذاك تارة أخرى، ومعنى الآية: كي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأقوياء والأغنياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، فشرع الله ذلك؛ لينال الفقراء منه حظوظهم، فلا يكون دولة بين طائفة الأغنياء وحدهم، فيحدث الخلل في المجتمع كما هو الحال في الأنظمة الرأسمالية التي يزداد الغني فيها غنًى فاحشًا، بينما يزداد الفقير فيها فقرًا وعوزًا، مما ينذر بأخطارٍ تحدق بالمجتمعات، وبما يزيد من معدلات الجريمة بسبب الأنانية والجشع والحسد والطمع.
المجتمع المسلم مجتمع الرحمة وأهلها، يتراحم أفراده فيما بينهم، فيرحم القوي الضعيف، ويعطف الغني على الفقير، ويشفق الراعي على رعيته، وتنتشر الرحمة حتى بالحيوان، هذه الرحمات التي تملأ أجواء المجتمع المسلم عبقًا وندى، مستمدة من رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء، فهو تعالى الرحمن الرحيم، يرحم عباده الرحماء.
قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156] .
ونشر الرحمة وغرس أصولها وتحصيلها عنوان رسالة الإسلام ومقصودها.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] .
فقد بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بأسباب الإصلاح والإسعاد، ومنارات الهدى وسبل الرشاد، ونسائم الرحمات، ومفاتح البركات.
والتراحم بين المؤمنين من أخص خصائصهم.
قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29] .
وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا على الكفار رحيمًا برًا بالأخيار، صلبًا في وجه الكافر ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن.
والصفة التي تغلب على هذا المجتمع ويعرف بها في الناس أنه مجتمع شديد الغلظة على الكفار الذين يحادون الله ورسوله، فلا يكون بينه وبين الكافرين ولاء أو مودة يجار فيها على دين الله أو ينتقص بها حقٌ من حقوق المسلمين، هذا حالهم مع أعداء الله، أما هم فيما بينهم فهم رحماء، تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة ومودة، تجمعهم أخوة بارة في الله، وفى دين الله 21.
«وفي الآية صورة رائعة لما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورع وتقوى وعبادة وأخلاق كريمة سمحاء فيما بينهم، مع الشدة والقوة و البسالة بالنسبة لأعدائهم، ومثل هذه الصورة تكررت في سور عديدة مكية ومدنية، مما فيه دلالة على ما كان من أثر دعوة الله وقرآنه ونبيه في هذه الفئة التي صارت بذلك مثالًا نموذجًا خالدًا» 22.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين [المائدة: 54] .
فمن صفات هذا الجيل المنشود الذي تحقق على يديه الانتصارات والفتوحات محبة الله سبحانه وتعالى، واللين والتسامح مع المؤمنين، والشدة والصلابة مع الكفار، تلك المعادلة الصعبة التي تحتاج لتربيةٍ راشدة، وضبط نفسٍ وفهم مستنير.
قال ابن عاشور 23: «وهو الذي يكون في كل حالٍ بما يلائم ذلك الحال، قال 24:
حليمٌ إذا ما الحلم زين أهله
مع الحلم في عين العدو مهيب»
«وإنما تعدى (أذلة) بـ (على) ؛ لأنه تضمن معنى العطف والحنو» 25.
«ووقع الوصف في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدال على المبالغة؛ دلالة على ثبوت ذلك واستقراره، وأنه عزيزٌ فيهم، والاسم يدل على الثبوت والاستقرار» 26.
وقال تعالى عن المجتمع المؤمن: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ?17?أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ?18?) [البلد: 17 - 18] .
والتواصي بالمرحمة منقبةٌ عظيمة وفضيلةٌ جليلةٌ، ولا يوصي بالمرحمة إلا من عرفها وألفها وقام بها، ومجتمعٌ هذا شأنه لن تجد فيه شقيًا ولا محرومًا.
قال الإمام الشنقيطي رحمه الله: «وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، تكتمل مقومات المجتمع المتكامل، قوامه الفضائل المثلى والقيم الفضلى؛ لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق والاستقامة على الطريق المستقيم، وبالتواصي بالصبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط ويتخطون كل عقباتٍ تواجههم، وبالتواصي بالمرحمة يكونون مرتبطين كالجسد الواحد، وتلك أعطياتٌ لم يعطها إلا القرآن» 27.
«والتواصي بالصبر والمرحمة هو إلحاح المرء على نفسه بالدعوة إليهما والتمسك بهما، فإذا جزع في مواجهة مالٍ يخرج من يده حمل نفسه على الصبر على ما تكره، واستدعى من مشاعره دواعي الحنان والرحمة، فذلك مما يعينه على مغالبة أهوائه وقهر شحه وبخله، ثم لا يقف المرء عند هذا، بل ينبغي أن يكون هو داعية إلى الصبر وإلى الرحمة، يبشر بهما في الناس، ويدعو إليهما في كل مجتمع، فذلك من شأنه أن يترك آثاره فيه، إلى جانب ما يتركه من إشاعة هذا المعروف بين الناس» 28.
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) «يعني بذلك: رحمة الناس كلهم» 29.
والمجتمع المسلم بإيمانه وتناصره وتناصحه أهلٌ للرحمات.
قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?71?ھ) [التوبة: 71] .
عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنه يبلغ به النبي: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء) 30.
وحينما كان الصحابة في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء أحدهم وأخذ فرخي طائر، وبدت علامات الحزن على ذلك الطائر الذي أخذ يرفرف بجناحيه، فأشفق عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (من فجع هذا الطائر في فراخه؟ قالوا: فلان. قال: ردوا عليه فرخيه) 31.
وغفر الله لامرأة كانت تمارس البغاء؛ لأنها سقت كلبًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غفر لامرأةٍ مومسةٍ، مرت بكلبٍ على رأس ركيٍّ يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك) 32.
«فلئن كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب» 33.
وشريعة الإسلام رحمةٌ بالفرد والمجتمع.
قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: 132] .
(وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: 155] .
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور: 56] .
وروى النسائي في السنن بسنده عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوةٍ من الأنصار نبايعه فقلنا: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتانٍ نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروفٍ. قال:(فيما استطعتن وأطقتن) ، قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا، هلم نبايعك يا رسول الله) الحديث 34.
وفي قولهن: (الله ورسوله أرحم بنا) ما يدل على إيمان المرأة وتسليمها بأن ما قضى الله ورسوله في أمرهن فيه الخير والبركة والرحمة، فالمسلمة واثقة بشرع الله مطمئنة لحكم الله.
ومن أروع صور التراحم في حضارتنا الرائدة ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الشام، قال: مررت يومًا ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفها وأحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن.
وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره وهو أيضًا ينكسر قلبه، ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف؛ جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا، وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق لابد أن يتأتى له وجه من المعاش، من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة أو مسجد، أو قراءة القرآن يجيء إليه فيه رزقه، تجري له النفقة والكسوة، فمن كان بها غريبًا على خير لم يزل مصونًا عن بذل وجهه، محفوظًا عما يزري بالمروءة، ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخر، من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان، يغدو معهم إلى التعليم ويروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التامة على ذلك. ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده ألبتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعًا 35.
والمجتمع المسلم يتميز بعاطفة قوية ورابطة فتية تربط بين أفراده وتوثق الصلات، إنها الأخوة الإيمانية التي تجعل المسلمين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم إخوة متحابين، مهما تناءت أوطانهم، والأخوة من أعز نعم الله عليهم.
قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران: 103] .
فلا مكان في المجتمع المسلم لعصبية ولا حمية ولا لكبرٍ أو نفورٍ، بل الأخوة الإيمانية بما تحمله من محبة وإيثار وتضحية وبذل ونصح وفضلٍ، إنه الإسلام الذي جمع في أول عهده بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، جمع بين قارات العالم القديم، آسيا وأفريقية وأوروبا، وأرسى قواعد المجتمع المسلم المدني على قاعدة الإخاء وما يقتضيه من محبة وإيثار وبذل وعطاء وتناصرٍ وتلاحمٍ وتواصلٍ بين الأجيال.
قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10 ) ) [الحشر: 8 - 10] .
عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: (لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم لك نصف مالي! وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها! قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟) 36.
وقال تعالى في سورة الحجرات- تلك السورة الكريمة التي اشتملت على أحكام وآداب تصون المجتمع المسلم وتوثق روابطه وتنظم شؤونه-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10] .
وتأتي السنة النبوية لتقرر هذه المعاني وترسخها في النفوس؛ تأصيلًا لهذه الأخوة وتحصيلًا لثمراتها المرجوة.
عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك أصابعه) 37.
وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) 38.
وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 39.
أما التفرق والتنافر فلا مكان له في المجتمع المسلم.
قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران: 103] .
وقال: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 105] .
وعن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا) 40.
وحينما اتجهت بعض المجتمعات المسلمة نحو العصبية للقوميات أو للأجناس واستجابت للدعوات المناوئة للأخوة الإسلامية لم تجن من ورائها إلا الأشواك والحنظل؛ فقد طغت تلك الدعوات على رابط الأخوة الإيمانية وانشغلت كل بلد بمصالحها الشخصية، بل ووقع الصدام بين بعض أقطار المسلمين بسبب تغييب روح الأخوة، والاحتكام للعصبيات، وتغليب المصالح القومية على مصالح الأمة.
وقد سرت هذه الروح بين كثير ممن جهلوا أصول الإيمان وشرائعه، وقد غذى أعداء الإسلام هذه المشاعر وروجوا لها تحت ستار (العلمانية والليبرالية والقومية، بل والنعرات القديمة كالفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية وغيرها من الشعارات) .
وحتى امتلأ هذا الفراغ بمحبة أعداء الدين وموالاتهم تحت ستار الصداقة وتبادل المصالح، أو مداراتهم واتقاء شرهم، مما عاد بالضرر البالغ على المسلمين.
قال تعالى: (? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ? بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى? أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ? فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى? مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة: 51 - 52] .
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ?44?وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى? بِاللَّهِ نَصِيرًا ?45?) [النساء: 44 - 45] .
فكما دعا الله المؤمنين للتآخي والتحاب حذرهم كذلك من عدوهم، وكشف عن مثالبه ودسائسه ومكائده، فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم، وهو تعالى يتولى أولياءه، وينصرهم على أعدائهم، وفي هذا ما يبدد المخاوف من أعداء الله، ويقطع الآمال والرجاء فيهم.
من القيم الإنسانية الرائعة والأسس الحضارية الرصينة للمجتمع المسلم التعاون الإنساني، فالتعاون ضرورة من ضرورات الحياة، ولولاه لما استقامت، فالإنسان لا ينهض وحده بكل متطلبات الحياة، بل جعل الله الناس متفاوتين متفاضلين؛ ليكمل بعضهم بعضًا، ويخدم بعضهم بعضًا، هذا على مستوى الأفراد والشعوب، كذلك على مستوى الأمم.
قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ?32?) [الزخرف: 32] .
« (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) أي: أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، ورفعنا بعضهم فوق بعض في الرزق وسائر مبادئ المعاش درجات متفاوتة بحسب القرب والبعد، حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيفٍ وقوىٍ، وفقير وغنٍى، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا؛ ليصرف بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم؛ حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم» 41.
(لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) «أي: ليستعمل بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قومٌ دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض؛ لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا وبالعكس، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا لهذا؛ حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ويصلوا إلى مرافقهم» 42.
«فالناس بحكم هذا الاختلاف القائم بينهم وبحسب استعدادهم الفطري وحكم ظروفهم وأحوالهم هم جميعا مسخرون، أي: يخدم بعضهم بعضًا، ليس فيهم خادم ومخدوم بل كلهم يخدم ويخدم، ويستوي في هذا العالم والجاهل، والزارع والصانع، والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، إنهم جميعًا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا تكون آلة عاملة ذات قوة محركة إلا إذا عمل كل جزء من أجزائها أيًّا كان وضعه فيها، وأيًّا كانت قيمته الذاتية بين أجزائها، بل إنهم أشبه بالجسد الإنساني في تجاوب أعضائه جميعًا في العمل على كل ما من شأنه أن يحفظ عليه حياته ويوفر له أمنه وسعادته» 43.
عن قتادة قال: قال الله تبارك وتعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) «فتلقاه ضعيف الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه، قال الله جل ثناؤه: (حْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم، تبارك ربنا وتعالى» 44.
لقد عرف الناس هذه الحقيقة منذ كان لهم وجود اجتماعي، بل إن هذا الوجود الاجتماعي نفسه إنما دعتهم إليه حاجة بعضهم إلى بعض، وخدمة بعضهم لبعض، وهذا ما يشير إليه قول الشاعر العربي 45:
والناس بالناس من حضرٍ وباديةٍ
بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم
والتعاون بين البشر من فطرة الله التي فطر الناس عليها، يقول ابن خلدون في مقدمته: «الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيئ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به، واتباع صلاح أخراه» 46.
وقال: «قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل لتحصيل حاجاته في معاشه، وأنهم متعاونون جميعًا في عمرانهم على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافًا، فالقوت من الحنطة مثلًا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه، وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد، ونجار للآلات، وقائم على البقر، وإثارة الأرض، وحصاد السنبل، وسائر مؤن الفلح، وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا، وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت، فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات، فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم» 47.
ولقد دعا القرآن في آخر توجيهاته إلى التعاون بين الأفراد والمجتمعات والأمم.
قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] .
«وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي: ليعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه» 48.
فالإسلام ينظر للتعامل والعلاقات بين أناس على أنها قائمة على المشاركة والتعاون والتنافس، لا على الصراع كما يصور الماديون من الفلاسفة والحاقدون من المتعصبين، بل الحياة مشاركة وتعاون اجتماعي ودولي، فالتعاون من أجل الصالح للإنسانية، بينما يريدها أعداء الإسلام صراعًا بين البشر، وعراكًا بين الطوائف والأمم، من أجل الاستئثار والانفراد وتحقيق المكاسب المادية، وترويج السلع ونشر الثقافات على حساب الآخرين، وإلحاق الخسائر المادية والأدبية، وهذا لا يتفق مع مبدأ التعاون الإنساني الذي يقوم على أساس مد يد العون للآخرين وتبادل المنافع ومراعاة المصالح، أما فكرة الصراع فهي فكرة خبيثة أفرزتها المذاهب المادية النفعية والفلاسفة الماديون أصحاب الأفكار الهدامة والمتناقضة، كهيجل وماركس وغيرهم ممن نفقت مذاهبهم في الغرب.
ويؤمن كثير من الكتاب الغربيين ومن لف لفهم بصراع الحضارات، وهذا المصطلح في النفس منه شيء؛ فلماذا تبنى العلاقات بين الحضارات على أساس الصراعات أو الصدام بين الحضارات؟ لماذا لا نسمي ما بين الحضارات لقاء الحضارة، أو إن شئت فلتقل تنافس حضاري، أما الصراع فيعني الشقاق والنزاع من أجل البقاء على حساب الطرف الآخر، والإسلام لا يمنع التعايش السلمي بين الحضارات.
فاللبنات المتناثرة هنا وهناك لا قيمة لها، لكن حين يبنى بها جدار متين فترى البنيان مرصوصًا تدرك أهمية التماسك ومتانة الترابط وقوة التعاون، قال الله تعالى: (ے ے إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4] ، وتلك صورة من صور التعاون في حالة الحرب.