فهرس الكتاب

الصفحة 1609 من 2431

العجب

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ع ج ب) تدل على معنيين رئيسين:

الأول: الكبر واستكبار للشيء.

الثاني: خِلقَة من خِلَقِ الحيوان.

ويقال للمتكبر: معجب بنفسه، ويقال للأمر المستعظم: أمرٌ عجيب 1.

قال الراغب الأصفهاني: «العجب والتعجب: حالةٌ تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني رحمه الله: «العجب: تغير النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله» 3.

وقال الكفوي رحمه الله: «العجب، بفتحتين: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء» 4.

يقول الباحث: بعد الاطلاع على أقوال العلماء في معنى العجب نستطيع أن نقول بأن العجب هو: حالة تصيب الإنسان من الاستعظام والذهول عند رؤيته لشيء خرج عن العادة والمألوف.

فالعجب في معنييه: اللغوي والاصطلاحي يدول على استعظام الشيء عند رؤيته.

وردت مادة (عجب) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (27) مرة 5.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 11 ... {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) } [الصافات:12]

الفعل المضارع ... 8 ... {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد:5]

صيغة المبالغة ... 1 ... {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } [ص:5]

المصدر ... 5 ... {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} [يونس:2]

الصفة المشبهة ... 2 ... {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) } [هود:72]

وجاء العجب في الاستعمال القرآني على وجهين 6:

الأول: الاستعظام: ومنه قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] أي: عجبت من إنكارهم البعث لشدة تحققك بمعرفته 7.

الثاني: الكريم الشريف: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] .

أي: كريمًا شريفًا.

الذهول:

الذهول لغة:

أصل مادة (ذهل) تدل على شغل عن شيء بذعر أو غيره، ذهلت عن الشيء أذهل، إذا نسيته أو شغلت به، وأذهلني عنه كذا 8.

الذهول اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «الذهول: شغل يورث حزنًا ونسيانًا» 9.

وقال الكفوي: «الذهول هو عدم استثبات الإدراك حيرة ودهشة» 10.

الصلة بين الذهول والعجب:

هناك صلة وثيقة بين الذهول والعجب، إذ أن الذهول هو حالة ناتجة عن العجب.

العجب:

العُجب لغة:

العجب بالضم: الزهو والكبر، والمعجب: الإنسان المعجب بنفسه أو بالشيء 11.

العُجب اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «العجب: هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًا لها» 12.

وقيل: «العجب: مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه، من فعل، أو ترك، أو اعتقاد» 13.

الصلة بين العَجَب والعُجْب:

العُجب: تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًّا لها، أما العَجَب: فهو تغير النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله.

التعجب له صور كثيرة ومتعددة، منها ما يكون في العقائد، ومنها ما يكون في الأمور الخارقة للعادة، ومنها ما يكون في الأخلاق والأعمال.

أولًا: صور التعجب في مسائل العقيدة:

1.التعجب من وحدانية الله تعالى.

قال تعالى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وما سبقها من آيات روايات منها: أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، لنكلمه في شأن ابن أخيه، فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه، فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟) قال: وإلام تدعوهم؟ قال: (أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم) ، فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها، فقال صلى الله عليه وسلم: (تقولون: لا إله إلا الله) ، فنفر أبو جهل وقال: سلنا غير هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها) ، فقاموا غضابا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا 14.

قال طنطاوي: «والاستفهام للإنكار، أي: أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة، إلهًا واحدا، وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟ {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي: إن هذا الذي طلبه منا، ودعانا إليه، لشيء قد بلغ النهاية في العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل، وعجابٌ أبلغ من عجيب، فلفظ عجابٌ صيغة مبالغة سماعية.

وقد حكاها سبحانه عنهم للإشعار بأنهم كانوا يرون- لجهلهم وعنادهم- أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو شيء قد تجاوز الحد في العجب والغرابة، واسم الإشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم الآلهة إلهًا واحدا، لأنهم يرون- لانطماس بصائرهم- أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام، وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو- في زعمهم- متجاوز الحد في العجب» 15.

2.التعجب من عبادة غير الله.

قال تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] .

الاستفهام في قوله: {أَتَعْبُدُونَ} لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم: أتعبدون معبودات غير الله تعالى هذه المعبودات وأشباههم في الكفر والشرك، لا تملك لكم ضرًّا، كالمرض والفقر، ولا تملك أيضًا أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه 16.

وقال تعالى: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95 - 96] .

بعدما وقع من إبراهيم عليه السلام تحطيم الأصنام التي كان يعبدها قومه، جاؤوه مسرعين إليه وهم في قمة الغضب، فلما رآهم إبراهيم عليه السلام لم يأبه بهم، بل رد عليهم ردًّا منطقيًّا سليمًا {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أي: قال لهم موبخا ومؤنبًا ومتعجبًا: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من الحجارة أو من الخشب بأيديكم، وتتركون عبادة الله تعالى الذي خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصنام وغيرها 17.

3.التعجب من بشرية الرسل.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] .

يبين سبحانه الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة الكافرين، وما أصابهم من هلاك ودمار، أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!، فما كان منهم إلا الكفر بسبب هذا القول الفاسد 18.

4.التعجب من نزول الوحي على البشر.

قال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس: 2] .

معنى الآية الكريمة: أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق، أمرًا عجبًا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية، إن الذي يدعو إلى العجب حقًّا هو ما تعجبوا منه؛ لأن الله تعالى اقتضت حكمته أن يجعل رسله الى الناس من البشر؛ لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته 19.

قال الزمخشري رحمه الله: «فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} وما الفرق بينه وبين قولك: كان عند الناس عجبا؟

قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها. ونصبوه علمًا لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس في «عند الناس» هذا المعنى، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلًا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يذكر لهم البعث، وينذر بالنار ويبشر بالجنة، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرًا مثلهم.

وقال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95] .

وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضًا؛ لأن الله تعالى إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما اختير له من النبوة، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء.

قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ: 37] .

والبعث للجزاء على الخير والشر، هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبًا إنما العجب والمنكر في العقول، تعطيل الجزاء» 20.

وقال تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} [النجم: 59] .

والاستفهام في هذه الآية للإنكار والتوبيخ، أي: أفمن هذا القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات تتعجبون، وتنكرون كونه من عند الله تعالى 21.

5.التعجب من كون الرسول من القوم أنفسهم.

قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] .

قوله تعالى: {وَعَجِبُوا} مأخوذ من العجب، وهو تغير في النفس من أمر لا ترتاح إليه، وتخفى لديها أسبابه، والمعنى: وعجب هؤلاء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك، ويأمرهم بعبادة الله تعالى وحده، وقال هؤلاء الكافرون عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} أي: قالوا: هذا الرسول ساحر؛ لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله عز وجل من أنه سبحانه أرسله إلينا 22.

6.التعجب من البعث بعد الموت.

قال تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5]

قال القرطبي: «قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث- لأن من شاهد ما عدد سبحانه من الآيات الدالة على قدرته، أيقن بأن من قدر على إنشائها، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره والله تعالى لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه- أي التعجب- تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك في حقه تعالى محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون» 23.

وعليه فإن معنى الآية يكون وإن تعجب من شيء- أيها الرسول الكريم- فاعجب من قول أولئك المشركين: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: أإذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أإنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة أخرى من جديد، والاستفهام للإنكار، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم 24.

7.التعجب من أحداث الساعة.

قال تعالى: {وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} [الزلزلة: 3] .

والمراد بالإنسان في قوله سبحانه: {وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} جنسه فيشمل المؤمن والكافر، والاستفهام: المقصود به التعجب مما حدث من أهوال، والمعنى: وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة والتعجب، أي شيء حدث للأرض، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد 25.

8.التعجب من القرآن المعجز.

قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] .

أي: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم للناس، إن الله تعالى قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل: إن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن، فقالوا- على سبيل الفرح والإعجاب بما سمعوا-: إنا سمعنا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا عجبًا، أى: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن، بديع الأسلوب، عظيم القدر، ووصفهم للقرآن بكونه قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد يدل على تأثرهم به تأثرًا شديدًا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ومعانيه البديعة، ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد 26.

ثانيًا: صور التعجب في الأمور الخارقة للعادة:

1.الإنجاب عن عقم وكبر.

قال تعالى: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 72 - 73] .

عندما تصل المرأة سن اليأس ولم يكن لها ولد، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها، ويزداد عجبها، ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} .

والمراد بها هنا: التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك، وهي كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له، ويتعجبن منه، أي: قالت بدهشة وعجب عند ما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد: يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل، {وَهَذَا بَعْلِي} أي: زوجي إبراهيم شيخًا كبيرًا متقدمًا في السن، وقد رد عليها الملائكة بقولهم: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي: أتستبعدين على قدرة الله تعالى أن يرزقك الولد وأنت وزوجك في هذه السن المتقدمة؟ لا أنه لا ينبغي لك أن تستبعدي ذلك، لأن قدرة الله لا يعجزها شيء، فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة 27.

وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] .

قال زكريا عليه السلام مخاطبًا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى: يا رب كيف يكون لي غلام، وحال امرأتي أنها كانت عاقرًا في شبابها وفي شيخوختها، وحالي أنا أنني قد بلغت من الكبر عتيًّا، أي: قد تقدمت في السن تقدمًا كبيرًا 28.

قال طنطاوي: «فإن قيل: ما المراد باستفهام زكريا عليه السلام مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء؟ فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار؛ لأنه لم يكن يعلم أن الله تعالى سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها، ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته، ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتي الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله تعالى؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء» 29.

2.الإنجاب من غير زوج.

قال تعالى: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: 20] .

هذا رد مريم عليها السلام على جبريل عليه السلام عندما جاء ليخبرها بأنه سيهب لها بإذن الله عز وجل غلامًا زكيًّا، فتقول مريم عليها السلام في تعجب شديد {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي} قالت على سبيل التعجب مما سمعته: كيف يكون لي غلام، والحال أنى لم يمسني بشر من الرجال عن طريق الزواج الذي أحله الله تعالى، ولم أك في يوم من الأيام بغيًا؟! أي: فاجرة تبغي الرجال، أو يبغونها للزنا بها 30.

وقال الجمل في حاشيته: «وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل؛ لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل، فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداءً، كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله تعالى من غير أب أو أم» 31.

3.قصة أصحاب الكهف.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] .

قال الإمام الرازي: «اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان، فقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب؛ فإن من كان قادرًا على خلق السموات والأرض، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزًا خالية من الكل، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم؟!» 32.

يقول الباحث: وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة، بيان أن قصة أصحاب الكهف ليست شيئًا عجبًا بالنسبة لقدرة الله عز وجل.

4.حوت موسى ويوشع عليهما السلام.

قال تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف: 63] .

قال يوشع لموسى عليهما السلام تذكر وانتبه واستمع إلى ما سألقيه عليك من خبر هذا الحوت، أرأيت ما دهاني في وقت أن أوينا ولجأنا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين، فإني هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته منه من أمور عجيبة، فقد عادت إليه الحياة، ثم قفزت في البحر، وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي طلبه منه موسى، للإشعار بأن الغداء الذي طلبه موسى منه، هو ذلك الحوت الذي فقداه، وما أنساني تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذي يوسوس للإنسان، بوساوس متعددة، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة، وقوله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} أي: نسيت أن أخبرك بأن الحوت عند ما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة، واتخذ طريقه في البحر اتخاذًا عجيبًا، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر في الماء، والماء من حوله كالقنطرة التي تنفذ منها الأشياء 33.

قال الرازي: قوله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} فيه وجوه:

الأول: أن قوله {عَجَبًا} صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل: واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا، ووجه كونه عجبا، انقلابه من المكتل وصيرورته حيًّا وإلقاء نفسه في البحر.

الثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب.

الثالث: قيل: إنه تم الكلام عند قوله واتخذ سبيله في البحر ثم قال بعده: عجبًا والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التي رآها، ثم من نسيانه لها» 34.

ثالثًا: صور التعجب في الأخلاق والأعمال:

1.التعجب من ارتكاب الفواحش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت