وتدخل المواثيق التي تجري بين الراعي والرعية في عموم قوله تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) [الرعد:20] .
وقوله سبحانه: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل:91] .
وإن كان الرعية من أهل الكتاب فيمكن للإمام أن يعقد معهم بعض المعاهدات التي تؤمن لهم الحياة الكريمة، وما يجب عليهم من الواجبات والحقوق العامة في ظل الدولة الإسلامية بحكم أنهم أهل كتاب (أهل الذمة) ، ولكن طبيعة اليهود - كما أسلفنا- الغدر والخيانة وعدم الوفاء، ولم يستطيعوا -ولن يستطيعوا لؤما وخسة- أن يتخلوا عن تلك الصفات الذميمة، فنقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت نهايتهم بما يتلاءم مع تلك الأفعال، حيث أجلى رسول صلى الله عليه وسلم بني قينقاع وبني النضير، وقتل رجال بني قريظة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى طبيعة اليهود مع العهود والمواثيق فقال تعالى: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ?56?) [الأنفال:56] .
والعهد هنا هو ما عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود من عهود ومواثيق بألا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، كما بين ذلك المفسرون 87.
فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار واليهود، وذلك وثيقة المدينة المنورة أو كما يسميها المعاصرون: دستور المدينة، نظم فيها النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات بين سكان المدينة، وحدد حقوق وواجبات والتزامات جميع الأطراف داخل المدينة المنورة 88.
ويتضح من خلال كتب التفسير والسنة والسيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ عليهم العهد والميثاق أكثر من مرة، حيث أخذه عليهم عندما قدم إلى المدينة، ثم أكده في مناسبات متعددة.
وهذا معنى قوله سبحانه: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ?55?الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ?56?) [الأنفال:55 - 56] 89.
ويمكن أن تكون الدساتير والأنظمة الموافقة للكتاب والسنة وإجماع الأمة من المواثيق التي يجب الالتزام بها من قبل الراعي والرعية في كل ما ورد فيها من بنود لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحوها مما ينظم شؤون الأمة.
أمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ?) [المائدة:1] .
وهي الربوط في القول، كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب، إذ بينهم وبين الله عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولفظ: (العقود) يعم عقود الجاهلية المبنية على بر، مثل دفع الظلم ونحوه، وأما سائر تعاقدهم على الظلم ونحوه فقد هدمه الإسلام، فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة. وفسر الناس لفظ (العقود) بالعهود 90.
قال الإمام الرازي: «فدخل في قوله: (ڑ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) كل عقد من العقود، كعقد البيع والشركة، وعقد اليمين والنذر، وعقد الصلح، وعقد النكاح، وحاصل القول فيه أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا يجب الوفاء به، فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع التراضي بها، ويؤكد هذا النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود والعقود كقوله: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ?) [البقرة:177] .
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون:8] .
وقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] .
وقوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ?) [النساء:29] .
وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ?) [البقرة:282] .
فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ووجوب الالتزام» 91.
ومما يدل على وجوب الوفاء واحترام المواثيق بين الناس قوله تعالى: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل:91] .
وعموم قوله تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?) [الرعد:20] .
وقد جاء الحث بالوفاء بالعقود واعتبار ذلك ميثاقا وعلى وجه الخصوص عقد النكاح.
قال تعالى: (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء:21] .
قال مجاهد وابن زيد: هو عقد النكاح وقول الرجل: نكحت وملكت 92. وقال الإمام ابن كثير: «روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير أن المراد بذلك العقد» 93.
وفي تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه:
الأول: قال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم: هو قوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] 94.
الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد: الميثاق الغليظ هو عقد النكاح المعقود على الصداق، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) 95.
الثالث: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقا غليظا، أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض، ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! 96.
ومن خلال هذه الآيات يتضح أن العقود المباحة شرعا بكافة أنواعها التي تعقد بين الناس في الشريعة الإسلامية لها مكانة خاصة؛ حيث اعتبرتها الشريعة مواثيقا مؤكدة، لا يجوز نقضها، أو التلاعب بها، أو النقص من وفائها، أو تأخيرها عن موعدها بغير عذر مقبول شرعا، وهذا يؤدي إلى استقرار التعاملات بين الناس؛ ومن ثم تحقيق الازدهار الاقتصادي للمجتمع المسلم.
[انظر العهد: العهود مع الناس]
يجوز عقد المعاهدات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول إذا كان ذلك لدفع ضرر محقق عن المسلمين، أو جلب نفع للإسلام والمسلمين محققا كذلك، ويجب الوفاء بالمعاهدات ذات الآجال إلى أجلها، إلا أن ينقضها المعاهدون.
وقد بين القرآن الكريم حكم المواثيق والمعاهدات بين الدولة الاسلامية وغيرها من الدول، وأنه يجب الوفاء بما تم التواثق عليه، ولا يجوز للإمام أو نائبة أو لأحد من الرعية أن ينقض هذا الميثاق، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدة مواضع.
قال تعالى: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1] .
وقال تعالى: (إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:4] .
وفي ذلك إيماء إلى أن الوفاء بالميثاق من فرائض الإسلام مادام الميثاق معقودا، وإلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أن من شروط وجوب الوفاء به محافظة العدو المعاهد على ذلك العهد بحذافيره بنصه وفحواه، فإن نقص شيئا منه وأخل بغرض من أغراضه عد ناقضا للميثاق.
ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم، ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة:7] .
وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ?12?) [التوبة:12] .
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا من شروط المعاهدة(وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا) من عدوكم، أي: لم يعاونوهم بأنفسهم وأبدانهم، لا بسلاح ولا خيل ولا رجال، ولا حتى بمشورة ورأي، فهؤلاء: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ?) ، أي: مدة أجلهم المحدد بزمن معين، فوفوا لهم ولا تنقضوا لهم عهدا إلى أن ينقضوه هم بأنفسهم، أو تنتهي مدتهم، وحينئذ إما الإسلام وإما السيف؛ إذ لم يبق مجال لبقاء الشرك في دار الإسلام وقبته 97.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) أي: الذين يتقون نقض العهد وخفر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام وتمنع جريان العدل بين الناس، وفى ذلك إيماء إلى أن مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفي والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركًا 98.
والمواثيق بين الدول يجب الوفاء بها؛ لأن الله تعالى أوجب نصر المسلمين المقيمين بين ظهراني الكفار ما لم يكن هناك ميثاق بين الدولة المسلمة والكافرة، وذلك في قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال:72] .
فقوله تعالى: (ں إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا ق فلا تعينوهم عليهم؛ لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق 99.
أي أن الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، أي أن الذين صدقوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة وظلوا مقيمين في أرض الشرك تحت سلطان المشركين، أي: في دار الحرب والشرك، لا يثبت لهم شيء من ولاية (نصرة) المؤمنين الذين في دار الإسلام. أما من أسره الكفار من أهل دار الإسلام فله حكم أهل هذه الدار، إن الولاية منقطعة بين أهل الدارين إلا في حالة واحدة ذكرها تعالى بقوله: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ) وهي مناصرتهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دينهم، إلا إذا كان هؤلاء الكفار معاهدين، فيجب الوفاء بعهدهم؛ لأن الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود، وهذا أصل من أصول أحكام الإسلام وسياسته الخارجية العادلة الرفيعة المستوى. وإن طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم في الدين فيجب عليكم أن تنصروهم، لأنهم إخوانكم في العقيدة، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة، فإنكم في هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا؛ لأن في نصرتهم على من بينكم وبينهم عهد نقضا لهذا العهد 100.
ووجه ذلك الاستثناء أن الميثاق يقتضي عدم قتال الكفار إلا إذا نكثوا عهدهم مع المسلمين، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلق إلا بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن واحد، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار، فأما المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك فلا يتحمل المسلمون تبعاتهم، ولا يدخلون فيما جروه لأنفسهم من عداوات وإحن؛ لأنهم لم يصدروا عن رأي جماعة المسلمين، فما ينشأ بين الكفار المعاهدين للمسلمين وبين المسلمين الباقين في دار الكفر لا يعد نكثا من الكفار لعهد المسلمين؛ لأن من عذرهم أن يقولوا: لا نعلم حين عاهدناكم أن هؤلاء منكم؛ لأن الإيمان لا يطلع عليه إلا بمعاشرة، وهؤلاء ظاهر حالهم مع المشركين يساكنونهم ويعاملونهم 101.
ولقد أمر القرآن الكريم بأن يحترم الميثاق بالنسبة لأهله، ولمن لهم به صلة قومية أو نسبية أو لمن هرب أو التجئ إليهم.
قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ? فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى? يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ? وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ? فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ? فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ? وَأُولَ?ئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (91)
الصفحة Page 92) [النساء:89 - 91] 102.
فهذا النص يدل على ضرورة احترام المواثيق، وكف القتال عن أهل الميثاق، والذين لهم به صلة قومية، ويكون سلمهم سلما لهم وحربهم حربا لهم 103.
والمراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم، فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم.
فإذا تحققتم ذلك منهم: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) وهذا يستلزم عدم محبتهم؛ لأن الولاية فرع المحبة، ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر مؤقت حتى هجرتهم، فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل من كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان 104.
وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم 105.
لذا حذر الله المؤمنين من مكائدهم وسعاياتهم هذه، فلا تتخذوا منهم أنصارا يساعدونكم على المشركين الوثنيين حتى يدل الدليل الواضح على إيمانهم ويهاجروا إلى المدينة ويتعاونوا بصدق معكم في قضاياكم، فهذا دليل الصدق في الإيمان.
فإن أعرضوا عن الإيمان الظاهر بالهجرة في سبيل الله ولزموا أماكنهم خارج المدينة فخذوهم واقتلوهم أنى وجدتموهم في أي مكان وزمان، في الحل أو في الحرم، ولا توالوهم أو تولوهم شيئا من مهام أموركم، ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك.
ثم استثنى الله من هؤلاء الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين ويلجؤون إلى أهل عهدكم بمهادنة أو عقد ذمة، فينضمون إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم كحكم المعاهدين.
لما جاء في صلح الحديبية في صحيح البخاري: (من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم دخل فيه) 106.
في هذا المحور سيكون الكلام عن حكم الوفاء بالميثاق، أدلته الشرعية، وبيان آثار الوفاء بالميثاق في الدنيا والآخرة:
أولًا: حكم الوفاء بالميثاق:
دلت آيات القرآن الكريم على وجوب الوفاء بالميثاق، حيث أمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود الجارية على رسم الشريعة وأصولها وقواعدها.
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة:1] .
ولفظ (العقود) في الآية بمعنى العهود بإجماع جميع المفسرين، كما يعم اللفظ عقود الجاهلية المبنية على البر، مثل دفع الظلم ونصرة المظلوم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام.
وقال تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأنعام:152] .
وقال جل شأنه: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل:91] 107.
ومما يدل على وجوب الوفاء بالمعاهدات والمواثيق أن الله تعالى يسأل ناقض العهد عن نقضه إياه.
قال عز وجل: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ? إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء:34] .
وقال تعالى: (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا) [الأحزاب:15] 108.
كما يدل على وجوب الوفاء بالميثاق بأن نقض الميثاق كبيرة من الكبائر؛ لأن الله تعالى لعن من ينقضه، فكان الوفاء به واجبًا.
قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? [المائدة:13] .
قال الإمام ابن كثير: «لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ?) [المائدة:12] .
يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه» 109.
نقول: أكد الله تعالى على بني إسرائيل بوجوب الوفاء بالعهود والمواثيق من بين الناس.
قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ?40?) [البقرة:40] ، قال الإمام ابن جرير الطبري: «وخطابه إياهم جل ذكره بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر ما يدل على أن قوله:. الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة:27] .
مقصود به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم، غير أن الخطاب وإن كان لمن وصفت من الفريقين فداخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي» 110.
والآيات صريحة الدلالة على وجوب الوفاء بالميثاق، وحرمة الغدر والخيانة، وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ الميثاق تدل على ذلك بالمنطوق أو بالمفهوم.
وقد وردت أحاديث كثيرة في وجوب الوفاء بالعهد وإثم من نقض ميثاقه أو غدر بما عاهد عليه، فقد روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) 111.
وما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) 112.
وكذلك ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة) 113.
وما رواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة) 114.
وكذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان) 115.
وفي رواية: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة) 116.
قال الإمام النووي: «قال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعا له، قالوا: فمعنى لكل غادر لواء أي: علامة يشهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء الشهرة، مكان الرئيس علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك، وأما الغادر فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به.
وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين، وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء. والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر.
وذكر القاضي عياض احتمالين:
أحدهما: هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده.
والاحتمال الثاني: أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا، ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، والصحيح الأول، والله أعلم» 117.
وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا.
ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضي به، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) فذكر منهم: (ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له) 118.
ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر فيها جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه 119.
كما أمر الله تعالى بوجوب الوفاء بالمعاهدات والمواثيق الدولية المزمنة بمدة معينة، لقوله عز وجل: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:4] .
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالوفاء بمواثيق وعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا.
ويدل على ذلك ما رواه سليم بن عامر، يقول: (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة رضي الله عنه، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدا ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء) قال: فرجع معاوية بالناس) 120.
والغدر حرام في كل عهد وميثاق بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) 121.
والأحاديث القاضية بوجوب الوفاء بالميثاق كثيرة جدا، والسنة الفعلية تشهد بذلك، وأن نقضه محرم بصريح الكتاب والسنة.
ثانيًا: آثار الوفاء بالميثاق:
رتب الله تعالى على الالتزام بالميثاق آثارا متنوعة ومتعددة، يمكن بيانها على التفصيل الآتي: