{وَرَحْمَةً مِنَّا} رحمة من الله عز وجل لمريم، ولكل من آمن برسالته عليه السلام، فهو رحمة لمريم؛ لأنه إكرام لها من الله واصطفاء لها على نساء العالمين بهذه الآية العجيبة الفريدة، ورحمة لها؛ لأنها صارت به أم نبيٍ له وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة، ورحمة لكل من آمن به، فالأنبياء جميعهم رحمةٌ مهداةٌ، {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} أمرًا مقدورًا من الله عز وجل ونافذًا فلا رجوع فيه.
ولقد طوى السياق القرآني في سورة مريم الحديث عن نفخ روح القدس عليه السلام في مريم، وجاء الحديث عن النفخ في سورة الأنبياء وسورة التحريم، وفي ذلك إشارة إلى الوحدة القرآنية، فكل آية لها سياقها الذى ينتظم مع سابقها ولاحقها، وكل آية لها صلتها بموضوع السورة، ولها اتصالها بالسياق العام للقرآن الكريم.
في سورة الأنبياء قال المولى عز وجل: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) } [الأنبياء: 91] .
وفي سورة التحريم: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) } [التحريم: 12] .
والآية الأولى في سياق الحديث عن نعم الله عز وجل ورحمته بالأنبياء وآلهم، وفيها بيان لما كانت عليه مريم من العفة والطهارة، وأن الله عز وجل قد أرسل إليها جبريل، فنفخ فيها لتحمل بولد من غير أب، لتكون وابنها آية للعالمين.
وفى سورة التحريم تلك السورة التى تعالج بعض الأمور التى حدثت في بيت النبوة، بين أمهات المؤمنين، يوضح المولى عز وجل أن قرابة النسب لا تغنى عن قرابة الدين، فالعبرة بالإيمان والعمل الصالح.
ومريم بنت عمران نشأت في بيت صالح، وكانت عفيفة شريفة، مؤمنة صديقة، اختارها المولى عز وجل لتكون وابنها آية للعالمين.
قال تعالى {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) } [التحريم: 12] .
قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } [مريم: 22 - 23] .
سكنت مريم لأمر الله ورضيت بقضاء الله، وأيقنت أن تلك إرادة الله وحكمته، ونفخ فيها روح القدس فحملت بعيسى عليه السلام، فاتجهت بحملها بعيدًا عن قومها، وكان حملها طبيعيًّا كما تحمل سائر النساء، حملته إلى مكان بعيد عن قومها حتى لا يتعرضوا لها بسوء، وهذا المكان القصي هو شرقي بيت لحم، حيث ولد المسيح عليه السلام.
كما ورد في الحديث الذي رواه النسائي في السنن والبيهقي في دلائل النبوة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه من حديث الإسراء، وفيه قال صلى الله عليه وسلم (ثم قال: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحمٍ؛ حيث ولد عيسى عليه السلام) 33.
وفي صلاته صلى الله عليه وسلم في هذه البقعة المباركة التي شهدت ولادة نبي الله عيسى تكريمٌ لهذا النبي.
والظاهر المتبادر من سياق الآيات أنها وضعته في المكان القصي الذي انتبذت إليه أو قريبًا منه، وقد كانت في هذا المكان وحيدةً فريدةً 34.
قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } .
ومعنى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} أي: ألجأها المخاض واضطرها، والمخاض: ما يرافق الولادة من جهد وإعياء وآلام وزفرات، والجذع: ساق النخلة اليابسة الذي لا سعف عليه ولا غصن له، حيث أسندت ظهرها إليه.
{قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} تمنت لو أنها قد ماتت، قبل هذا الموقف العصيب، وكانت نسيًا منسيًّا، أي: شيئا لا يعتد به ولا يؤبه له، من شأنه أن ينسى فلا يذكر، ولكن كيف تمنت ذلك مع ما علمت من البشارة والكرامة؟
عن ذلك يجيب المفسرون بأجوبة كثيرة ومتنوعة: فيقول ابن كثير في التفسير «فيه دليلٌ على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون صورة سيئة فقالت {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} أي: قبل هذا الحال، {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} أي: لم أخلق ولم أك شيئا، قال ابن عباس قالت ذلك استحياء من الناس» 35.
وفي حاشية الجمل على الجلالين «تمنت الموت من جهة الدين، إذ خافت أن يظن بها السوء في دينها، أو استحياءً من الناس فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة لها بعيسى عليه السلام، أو لعلها قالت ذلك: لئلا تقع المصيبة بمن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به، فلا يرد السؤال كيف تمنت الموت مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث لها جبريل عليه السلام، ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين» 36.
قال تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } [مريم: 24 - 26] .
في غمرة الآلام التي ألمت بمريم رضي الله عنها، وفى تلك اللحظات العصيبة التي مرت بها وهي تعاني من آلام المخاض ومخاطره، والوحدة والوحشة والترقب لما ينتظرها من قومها حين يرون هذا الوليد، في غمرة هذه الآلام الحسية والنفسية تغمرها رحمة الله تعالى، فيتحول العسر إلى يسر والضيق إلى سعة، والحزن والقلق إلى فرح واستبشار وطمأنينة، ويولد عيسى عليه السلام في جوٍّ من الكرامات، وينطقه 37 المولى عز وجل.
وقال لها كما أخبر القرآن: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} ، أنطق الله عيسى عليه السلام تسلية لأمه وتثبيتًا لقلبها، وتمهيدًا لها إلى أنه كما نطق أمامها وحدها فسوف ينطق أمام قومها ببراءتها {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } [مريم: 29 - 30] .
ولقد أجرى الله هذه المعجزة أمامها وحدها، ثم أجراها بعد ذلك أمام قومها، كما أجرى الله معجزة قلب العصا إلى حية أمام موسى وحده، قبل أن يجريها أمام فرعون وملئه؛ تثبيتًا لموسى عليه السلام وإعدادًا له لمواجهة هذا الموقف.
{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} السري: قيل: هو الجدول - النهر الصغير الجاري - سمى بذلك لأن الماء يسري فيه، وعلى هذا القول عامة المفسرين 38.
ولعل إيثار تسميته هنا «سريا» لما فيه من تسرية لقلبها، وترويح عن نفسها وتسليةٍ لها وهي في هذا الكرب والمحنة.
والسياق يدل على ذلك، قال تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} فدل الأكل على وجود الرطب، ودل الشرب على وجود الماء الذي جاء عن طريق ذلك الماء الجاري، وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: {سَرِيًّا} : الجدول، نهرٌ صغيرٌ بالسريانية 39.
وقد أجرى لها المولى عز وجل هذا النهر كرامةً لها، وإرهاصًا لعيسى عليه السلام، وتسليةً لقلبها.
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) } [مريم: 25] . نعمة أخرى ونفحة كبرى لمريم رضي الله عنها، أن يأتيها رزقها من الرطب وهي في مكانها، بقدرة الله عز وجل ولطفه ورحمته، وكانت تلك النخلة يابسةً فاخضرت وأثمرت في غير أوانها؛ كرامة لمريم وتسلية لقلبها وزيادةً في يقينها، وإظهارًا لقدرة الله عز وجل وعجيب صنعه 40.
{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} ، كلي من ذلك الرطب الجني واشربي من ذلك الماء العذب، {وَقَرِّي عَيْنًا} أي: وطيبي نفسًا بهذه الآيات وتلك الكرامات، واهنئي بالًا بهذا المولود المبارك الذي صاحب مولده تلك النفحات.
{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } [مريم: 26] أُمرت بالصوم عن الكلام لأمرين:
أحدهما: أن كلام عيسى عليه السلام وهو في المهد أقوى وأبلغ في إزالة التهمة عنها، وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى.
والثاني: أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض وأنسب لحيائها.
قال تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) } [مريم 27 - 29] .
قال القرطبي: «لما اطمأنت لما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه» 41.
والفاء هنا في (فأتت) تفيد التعقيب، والسرعة، وهناك مفارقة عجيبة في هذه القصة ففي بدايتها {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} وفى نهاية المطاف {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} .
ففي الموضع الأول نرى مريم البتول رضي الله عنها تسارع بحملها بعيدًا عن قومها، خوفًا من نفوسهم المريضة وعقولهم الفاسدة وظنهم السيٍّئ وكلامهم الجارح حين يرونها وهى حامل.
وفي الموضع الثاني بعد أن وضعت المسيح وقرت عينها به، واطمأن قلبها إليه، وانشرح صدرها بالكرامات التي وقعت لها، وامتلأ قلبها يقينا، وتبدل خوفها أمنًا، وحزنها سرورًا وضعفها قوة وعزة وترفعًا وتحديًا وتعاليًا على الباطل وأهله، فجاءت إلى قومها يحملها اليقين ويحدوها الأمل ويقودها الإيمان، وهى تحمل وليدها الحبيب نبي الله عيسى عليه السلام، جاءت بنفس راضية هانئة بهذه الهدية التي منحها لها رب البرية.
لقد أصبحت مريم أمًّا لنبي، وأي شرف لأمٍٍّ أعظم من ذلك، وأي رجاء أعظم من نجابة الولد واستقامته، ومع ذلك فإنها تعرف سلفا موقف قومها، الذين يقابلون الآيات بالإنكار والجحود، والإنعامات بالحسد والحقد، وقد صدق ظنها فيهم حين رأوها فقالوا دون تفكر أو تمهل -كما أخبر القرآن الكريم: {قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} : أي: شيئًا فظيعًا منكرًا عجيبًا.
{يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } : بعد أن اتهموها، وافتروا عليها، قالوا لها هذه المقولة على سبيل السخرية والتهكم والتشكيك والتحريض.
قالوا: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} تشبيهًا لها: بهارون النبي أخي موسى عليهما السلام في تقواه وصلاحه وحيائه، وكانوا يسمون وينعتون بأنبيائهم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
قال: لما قدمت نجران سألوني: فقالوا: إنكم تقرؤون: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } [مريم 28] .
وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلمًّا قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك، فقال: (إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم) » 42.
والظاهر أن هذه الآية العجيبة التي بهتت اليهود لم تزجر كثيرًا منهم ولم تكفهم عن التمادي في الافتراء والكذب على مريم البتول، فكان هذا من أسباب غضب الله عليهم وعقوبتهم الدنيوية مع ما ينتظرهم يوم القيامة، وأي ذنبٍ بعد الكفر بالله، والافتراء على أنبيائه الكرام الأخيار، وآلهم الطيبين الأبرار، سيما من برأها الله تعالى بآيةٍ مشاهدةٍ محسوسة، وسجَّلَ براءتها في كتابه الكريم.
قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) } [النساء: 155 - 156] .
فتلك صفحاتٌ مطويةٌ في تاريخ اليهود وجرائم مسجلة عليهم، منها: نقض المواثيق مع جلالها، والجحد بآيات الله مع جلائها، وقتلهم الأنبياء خيرة الخلق، بدون جريرةٍ ولا حق. ومن كفرهم البواح وظلمهم العظيم افتراؤهم على خير نساء العالمين الصديقة العابدة التقية الطاهرة مريم بنت عمران التي نبتت من أرومة مجدٍ طاب غراسها، ودرجت في بيت صلاح وتقى شَعَّتْ أنواره، وتقبلها ربها بأحسن قبول ظهرت بركاته وجلت آثاره، وكان كافلها ومعلمها نبيٌ كريمٌ مبجل، وانقطعت للعبادة والتبتل، ورغم ذلك فقد اتهمها اليهود في عرضها، وغمزوها في عفافها، وهي الصديقة التي بلغت معالي الرتب والدرجات، الطاهرة التي برأها ربها بأعظم الآيات وأبلغ البينات، فأنطق ولدها في المهد، وشهد لها بالطهر والمجد، وفند كذب اليهود وبهتانهم الذي ليس له حد.
وتكرر الكفر منهم لأنه كفرٌ بعد كفر بعد كفر حجبٌ كثيفة وغيوم قاتمة وقلوب تراكم عليها الظلام، كفروا بموسى ثم كفروا بعيسى، فقد دخلوا إلى الكفر من أبوابٍ كثيرة، فقد كفروا بالأنبياء بل وقتلوهم، وشنعوا على مريم وتآمروا على ولدها عيسى عليه السلام.
وعطف البهتان على الكفر دليلٌ على شناعته وقبحه، ووصفه بالعظيم لتهويله، إذ أي بهتان أعظم من رمي سيدة نساء العالمين الصديقة العابدة سليلة بيت الطهر والعفاف ربيبة أهل التقى والصلاح، نذيرة العبادة، وراهبة المحراب!
إنه ابتلاءٌ عظيمٌ أن يرمي الغوغاء ذات الطهر والنقاء، وهل أشد على الحرائر العفيفات، المحصنات الغافلات من الاتهام في أغلى ما يملكن.
كلام المسيح عليه السلام في المهد تبرئة لأمه مما اتهمت به:
قال تعالى {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }
نطق عيسى عليه السلام وهو في المهد بقدرة الواحد الأحد، نطق أول ما نطق بأنه عبد الله وفي هذا تنزيهٌ لله تعالى عن الصاحبة والولد، وردٌ على النصارى الذين زعموا أنه إله وابن إله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال الرازي في هذا المقام: «إن الذي اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت إنما هو نفي التهمة عن مريم، ثم إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبوديته لله كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها، لأن التكلم بإزالة التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم، لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة، وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم فلا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى» 43.
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } : فنطق عليه السلام أول ما نطق بغاية وجوده وكمال إنسانيته في عبوديته لله تعالى، وأجل نعم الله عليه الكتاب والنبوة، وهي اصطفاء خاصٌ، ومنزلة عظيمة، ومكانة عالية، لا تكون إلا لأشرف وأكرم وأطهر خلق الله، فنبوته عليه السلام دليل على براءة أمه، لأن الأنبياء من أطهر الناس نسبا، والمراد بالكتاب الإنجيل الذي أنزله الله عليه، أو التوراة التي علمه الله إياه.
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} نفاعا حيث كنت، وقيل: معلما للخير، وقيل: ثابتا في الدين، صاحب عزم ويقين، وقيل: البركة هي الزيادة والعلو، فكأنه قال جعلني في جميع الأشياء غالبا موفقا إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء 44، والمقصود من كلامه: باعتبار ما سيكون، إخبارٌ عما قدره الله تعالى له، فهو في حكم الواقع المحقق لأنه سيقع بإذن الله 45.
{وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} أي: أوصاه بها حين يقدر على القيام بها، والصلاة والزكاة لا تجب إلا بعد البلوغ، وإن كانت تصح قبل ذلك، فأوصاني بالقيام بحقوقه التي من أعظمها الصلاة وحقوق عباده التي من أجلها الزكاة، مدة حياتي في هذه الدنيا أي فأنا ممتثل لوصية ربى، عامل عليها منفذ لها.
{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} أي: جعلني المولى عز وجل بارًا بأمي، رفيقًا بها، محسنًا إليها، وفى ذلك بيان لنزاهتها وبراءتها من افتراء اليهود عليها، واستحقاقها للبر والإحسان، وردٌ على ما جاء في الأناجيل من ادعاء جفوته وغلظته في معاملتها وتنكره لها ونفوره منها.
{وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} أي: ولم يجعلني متجبرًا متكبرًا على الحق والخلق بل جعلني برًا رحيمًا، عطوفًا كريمًا، متواضعًا للحق، مطيعًا لأوامر الله عز وجل.
وبهذه الصفات التي تحلى بها عيسى عليه السلام استحق السعادة في الدنيا والآخرة واستحق السلام من المولى عز وجل في الدنيا والآخرة.
{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} ومروره بهذه الأطوار، وتقلبه في هذه الأدوار ميلاد ثم ممات ثم بعث: دليل على حدوثه وبشريته، فالإله لا يتغير ولا يتحول، والإله الحق لا يفتقر لغيره، ولا يحتاج إلى من سواه.
زعم بعض أهل العلم أن مريم عليها السلام نبية من الأنبياء، لأن الله عز وجل أوحى إليها، ومن الذين قالوا بهذا: الإمام ابن حزم الظاهري الأندلسي، الذي عقد فصلا في كتابه الفصل بعنوان (نبوءة النساء) : ادعى فيه ثبوت نبوءة النساء ومن كلامه في ذلك: «جاء في القرآن أن الله عز وجل قد أرسل ملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحي حق من الله تعالى، من ذلك تبشير الملائكة لأم إسحاق به.
قال عز وجل: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود: 71] .
فهذا خطاب من ملك لغير نبي بوجه من الوجوه، ووجدناه تعالى قد أرسل جبريل إلى مريم عليها السلام فخاطبها وقال لها: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) } [مريم: 19] .
فهذه نبوة صحيحة بوحي صحيح، ورسالة من الله تعالى إليها، وهكذا أم موسى أوحى الله تعالى إليها أن تلقي موسى في اليم، وأنه سوف يعيده، ويجعل له شأنًا.
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص: 7] » 46.
ومن القائلين بنبوة مريم أيضا الإمام القرطبي في تفسيره حيث يقول: «والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة ملك، كما أوحى إلى سائر الأنبياء» 47.
وقال القرطبي إن مريم أفضل النساء على الإطلاق؛ لأنها نبية والنبي أفضل من الولي، فهي أفضل من كل النساء: الأولين والآخرين مطلقًا 48.
وقال أيضًا: ومن قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صورة بشرية حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء. والأول أظهر، وعليه الأكثر. والله أعلم 49.