فهرس الكتاب

الصفحة 2043 من 2431

مكة

أولًا: موقع مكة:

إن مكة المكرمة هي: قبلة المسلمين، والحرم الآمن، وأم القرى، ومهبط الوحي، ومبعث خير البشر صلى الله عليه وسلم، وهي أشهر من أن تعرف، أو يكتب عنها باحث، فهي معروفة لكل المسلمين، ولكن يقتضي البحث العلمي عن مكة المكرمة التعريف بها وبمعالمها، وقد ذكر المؤرخون والجغرافيون المسلمون تعريفًا ووصفًا لمكة قديمًا بقولهم:

ومكة المكرمة هي: مدينة مقدسة لدى المسلمين، بها المسجد الحرام، والكعبة التي تعد قبلة المسلمين في صلاتهم، تقع غرب المملكة العربية السعودية، تبعد عن المدينة المنورة حوالي (400) كيلو مترًا في الاتجاه الجنوبي الغربي، وعن مدينة الطائف حوالي (120) كيلو مترًا في الاتجاه الغربي، وعلى بعد (72) كيلو مترًا من مدينة جدة وساحل البحر الأحمر، وأقرب الموانئ لها هو ميناء جدة، وأقرب المطارات الدولية لها هو مطار الملك عبد العزيز الدولي، وتقع مكة المكرمة عند تقاطع درجتي العرض (25/ 21) شمالًا، والطول (49/ 39) شرقًا، ويعتبر هذا الموقع من أصعب التكوينات الجيولوجية، فأغلب صخورها جرانيتية شديدة الصلابة، وتبلغ مساحة مدينة مكة المكرمة حوالي (850 كم 2) ، منها (88 كم 2) مأهولة بالسكان، وتبلغ مساحة المنطقة المركزية المحيطة بالمسجد الحرام حوالي (6 كم 2) ، ويبلغ ارتفاع مكة عن مستوى سطح البحر حوالي (277) مترًا.

وكانت مكة في بدايتها عبارة عن قرية صغيرة تقع في وادٍ جافٍ تحيط بها الجبال من كل جانب، ثم بدأ الناس في التوافد عليها والاستقرار بها في عصر النبي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وذلك بعدما ترك النبي إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام في هذا الوادي الصحراوي الجاف، وذلك امتثالًا لأمر الله، فبقيا في الوادي حتى تفجر بئر زمزم، وقد بدأ خلال تلك الفترة رفع قواعد الكعبة على يد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.

ويبلغ عدد سكان مكة بحسب إحصائيات عام (2010 م) حوالي (1675000) نسمة، موزعين على أحياء مكة القديمة والجديدة، وتضم مكة العديد من المعالم الإسلامية المقدسة، لعل أبرزها المسجد الحرام، وهو أقدس الأماكن في الأرض؛ ذلك لأنه يضم الكعبة المشرفة قبلة المسلمين في الصلاة، كما أنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وذلك حسب قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) 1، بالإضافة إلى ذلك، تعد مكة مقصد المسلمين في موسم الحج والعمرة إذ إنها تضم المناطق التي يقصدها المسلمون خلاله وهي مزدلفة، منى وعرفة 2.

ثانيًا: أسماء مكة في القرآن:

كثرت أسماء مكة المكرمة في كتاب الله، وكثرة الأسماء دليل على شرف المسمى، والمتدبر في آيات القرآن الكريم يجد أن مكة المكرمة ورد ذكرها بأسمائها وصفاتها في مواضع عديدة، وتضمنت كتب التفسير والتاريخ عددًا كبيرًا من أسمائها، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة منها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى؛ والبلدة والبنية والكعبة 3، وسيكون الحديث موجزًا عن أسمائها في كتاب الله تعالى فمن ذلك:

1.مكة.

وهو أشهر أسمائها.

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ? وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [الفتح:24] .

وفي سبب تسميتها أقوال:

: سميت مكة؛ لأنها تجذب إليها خيرات الدينا أو لأنها عبدت الناس فيها فيأتونها من جميع الأطراف، من قولهم: امتك الفصيل أخلاف الناقة إذا جذب جميع ما فيها جذبًا شديدًا فلم يبق فيها شيئًا 4.

: لازدحام الناس فيها 5.

: سميت مكة لقلة الماء بها، كأن ماءها قد امتك، وذلك أنهم كانوا يمتكون الماء فيها أي: يستخرجونه 6.

: سميت مكة؛ لأنها كانت تمك من ظلم فيها وألحد، أي: تهلكه» 7.

: قيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة» 8.

: إنما سميت مكة بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنًا، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس» 9.

2.بكة.

قال تعالى: (الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ) [آل عمران:96] .

وسميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، إذا ألحدوا فيها بظلم 10، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون، وبكة بمعنى مكة والعرب تبدل الميم باء، كما في لازم ولازب 11.

3.أم القرى.

قال تعالى: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) [الأنعام:92] .

وقال تعالى: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الشورى:7] .

وأم القرى هي مكة باتفاق المفسرين، أي: أصل القرى؛ وسميت بذلك؛ لأنها أول بيت وضع بها ومنها دحيت 12؛ ولأنها كانت أعظم القرى شأنًا وأقدمها وأشهرها 13.

قال الإمام السمعاني: «وأم القرى مكة: وسميت أم القرى؛ لأن سائر القرى يقصدونها ويأتونها، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، وقيل: لأنها معظمة تقصد بالتعظيم، ومنه سميت الأم أمًا؛ لأنها تعظم» 14.

4.البلد الأمين.

وهذا الاسم ثبت لمكة بقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ) [التين:1 - 3] .

والمعنى: وهذا البلد الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله، أو يغزوهم، وقيل: الأمين، ومعناه: الآمن، أي: هما بمعنى واحد، والعرب تقول للآمن: أمين، وهذا كقوله تعالى: (فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ) [العنكبوت:67] وإنما عني بقوله: (يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ) [التين:3] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام 15.

5.البلدة.

وهذا الاسم ورد في قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا) [النمل:91] والبلدة، مكة التي حرمها أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصيدوا صيدها، أو يقطعوا شجرها 16.

قال الإمام الماوردي في تفسير قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا) [النمل:91] «فيها قولان:: مكة، قاله ابن عباس.: منى، قاله أبو العالية، وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها» 17.

وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ) [النمل:91] «يعني: مكة التي عظم الله حرمتها، أي: جعلها حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر» 18.

6.الكعبة.

هي من أسماء مكة؛ لقوله تعالى: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة:95] .

أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، كقوله تعالى: (جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى) [الحج:33] 19.

والكعبة جزء من مكة، وإطلاقها على مكة من إطلاق الجزء على الكل.

قال الإمام ابن الجوزي: «(هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ المراد: الحرم كله؛ لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام» 20.

والكعبة هي: بيت الله الحرام الذي في وسط المسجد الحرام، مربع الشكل، بابها مرتفع عن الأرض، قيل: سميت بذلك لتربيعها 21.

7.الحرم الآمن.

قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى? مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ? أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى? إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ?57?) [القصص:57] .

وقال سبحانه: (فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ) [العنكبوت:67] .

فالثمرات تجبى لمكة شرفها الله من كل مكان في حاضر الزمان وغابره، وإنما سماه الله حرمًا آمنًا؛ لأنه كان في الجاهلية معاذًا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه 22.

8.المسجد الحرام.

اسم من أسماء مكة، وله عدة إطلاقات، فهو اسم لمكة، واسم لمسجد الكعبة وقد يمتد إلى حدود الحرم.

وقد تكرر ورود لفظ المسجد الحرام في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعًا، منها:

قوله تعالى: (قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?) [البقرة:144] .

وقوله تعالى: (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ) [المائدة:2] .

وقوله تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا) [الإسراء:1] .

وقوله تعالى: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي) [الحج:25] .

والمسجد الحرام في هذه الآيات يراد به مكة وجميع الحرم فيه 23.

ضمت مكة المكرمة مع الكعبة المشرفة آيات بينات ومشاعر معظمة وأهم مواضع مكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي:

1.المسجد الحرام.

هو أول مسجد وضع في الأرض، وأعظم المساجد وأفضلها، وأهم موضع في مكة، وهو اسم لمسجد الكعبة، وقد يمتد إلى حدود الحرم.

قال تعالى: (قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?) [البقرة:144] .

والمسجد الحرام في هذه الآية يراد به مكة، وجميع الحرم فيه 24.

2.مقام إبراهيم.

وهو الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم أثناء بناء الكعبة، حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل عليهما السلام، والمقام آية من آيات الله في الحرم المكي، وذلك أن أثر قدم إبراهيم ظاهر في الحجر.

قال تعالى: (كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ(57) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ) [آل عمران:97] .

وقد أمر الله تعالى بالصلاة عنده قال تعالى: (القيامة الإنسان المرسلات النبأ النازعات عبس التكوير الانفطار المطففين الانشقاق البروجالطارق الأعلى الغاشية الفجر البلد الشمس الليل الضحى الشرح التين العلق القدر البينة) [البقرة:125] .

أي: واتخذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، أي: تصلى فيه ركعتي الطواف 25.

3.الصفا والمروة.

هما في الأصل جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق، وهما إحدى مشاعر الحج والعمرة، ويكون السعي بينهما سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة.

قال تعالى: (? إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(158 ) ) [البقرة:158] .

فالصفا رأس المسعى الجنوبي، والمروة رأس المسعى الشمالي، وهما من معالم دين الله الظاهرة التي تعبد الله عباده بالسعي بينهما، فمن قصد الكعبة حاجًا أو معتمرًا، فعليه أن يسعى بينهما 26.

والصفا: الحجارة البيض، والمروة: الحجارة السود، واشتقاق الصفا من قولهم: صفا يصفو إذا خلص، وهو جمع واحده صفاة، أو أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئا، والمروة: الحجارة الرخوة، وهذا أظهر القولين في اللغة 27، والصفا والمروة: منسكان من مناسك الحج، والسعي فيهما واجب في الحج والعمرة 28.

4.عرفات.

ذكرها الله تعالى في قوله: (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ) [البقرة:198] .

أي: إذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من عرفات، وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة، والوقوف في عرفة: ركن لا يدرك الحج إلا به، فمن فاته الوقوف في وقته وموضعه فقد فاته الحج، ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة 29.

وعرفة هو: جبل يقع علي بعد (20) كيلو متر شرقي مكة، تقام عنده أهم مناسك الحج، والتي تسمى بوقفة عرفة وذلك في يوم التاسع.

واختلف المفسرون في سبب تسمية المكان بعرفة على أقوال: أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أهبطا من الجنة، والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة، والثالث: أن جبريل عرف فيه الأنبياء مناسكهم، والرابع: أنه سمي بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا عرفة وعرفات، ومنه سمي عرف الديك لعلوه 30.

5.المزدلفة.

وهي المشعر الحرام، والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته، وسميت المزدلفة: جمعًا؛ لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين هنالك بين المغرب والعشاء أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي: يتقربون بالوقوف فيها 31.

وسميت مشعرًا؛ لأنه معلم للحج والصلاة والمقام، والمبيت به والدعاء عنده 32، وسمى: مزدلفة، من الازدلاف، وهو: الاجتماع، والمزدلفة: موضع بين جبلين، يسمى أحدهما: قزح يقف عليه الإمام، وهو من جملة الحرم، ولذلك سمى المشعر الحرام 33.

ومزدلفة هي: ثالث المشاعر المقدسة التي يمر بها الحجيج في رحلة إيمانية يؤدون فيها مناسك الحج حيث تقع بين مشعري منى وعرفات، ويبيت الحجاج بها بعد نفرتهم من عرفات ثم يقيمون فيها صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ويجمعوا فيها الحصى لرمي الجمرات بمنى ويمكث فيها الحجاج حتى صباح اليوم التالي يوم عيد الأضحى ليفيضوا بعد ذلك إلى منى، والمبيت بمزدلفة واجب، ومن تركه فعليه دم 34.

5.منى.

هي مشعر من المشاعر المقدسة، تبعد عن شرق مكة بحوالي خمس كيلومترات في الطريق بين مكة وجبل عرفة، تعرف المنطقة كموضع أداء إحدى شعائر الحج إذ يبيت فيها العديد من الحجاج كما أنها موقع رمي الجمرات الذي يؤدى بين شروق وغروب الشمس في آخر أيام الحج.

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) [البقرة:203] .

واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام منى، أي: أيام التشريق وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، فمن أراد التعجل وخرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فلا حرج عليه، ومن تأخر بأن بات بمنى حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر واتقى الله في حجه، فهو أفضل؛ لأنه تزود في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم 35.

6.غار ثور.

وهو الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق قبل خروجهما

من مكة المكرمة مهاجرين إلى المدينة المنورة، وهو الوارد في قوله تعالى: (بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) [التوبة:40] .

وغار ثور هو المراد في الآية قال المفسرون: الغار: ثقب في الجبل، وهذا الجبل هو جبل ثور، وهو جبل قريب من مكة 36، ويقع على بعد نحو أربعة كيلو مترات في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام.

تظهر حكمة اختيار مكة مهبطًا للوحي من خلال النقاط الآتية:

1.مكة وسط الأرض ومركزها.

إن حكمة اختيار مكة مهبطًا للوحي هي الوسطية في المكان والموقع بين بلدان العالم، فقد خص الله مكة المكرمة وشرفها بكونها وسط الأرض ومركزها، وكذلك لوسطية الأمة، فقد امتن تبارك وتعالى على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا، كما جعل قبلتها وسطًا 37.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ ? وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(143 ) ) [البقرة:143] .

أي: جعلناكم خيارًا عدولًا 38.

ويؤيد الفهم المتقدم ماتضمنه قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ? فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ?7?ہ) [الشورى:7] .

فقد جعل نزول الوحي بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معللًا بإنذار مكة المكرمة ومن حولها من القرى، وخاصة أن النذارة عامة لكل القرى وليست لقرى الحجاز وحدها، ولا قرى الجزيرة فقط بل للعالم أجمع بدليل قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?158?) [الأعراف:158] .

وقوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَ?ذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ?) [الأنعام:19] .

ومعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم من العرب والعجم إلى قيام الساعة 39.

قال الإمام الشوكاني: «أي: أوحى الله إلي هذا القرآن الذي تلوته عليكم لأجل أن أنذركم به وأنذر به من بلغ إليه، أي: كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة» 40.

وهذا يرجح أن يكون ما حولها: يراد به جميع القرى.

2.فيها أول مسجد وضع للناس.

قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ?96?فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ?97?) [آل عمران:96 - 97] .

3.أحب البلاد إلى الله تعالى.

فقد روى عبد الله بن عدي بن حمراء رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة 41 فقال: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت) 42.

4.الله يريد أن يحمل العرب رسالة الإسلام.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?2?) [الجمعة:2] .

فقد اختار الله العرب لوظيفة عالمية عامة؛ لما فيهم من شرف متأصل، واستعداد كامل، وصفات مهيأة، ولهذا كان منبع الرسالة بمكة، وشأنها عند العرب هو شأنها!! فهم مجمعون على تقديسها. ولأنها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة، تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم.

وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع، وعجمة في الألسنة جاءت من الاختلاط بالأجنبي، ولا أضر على مقومات الأمم من العروق الدساسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت