فهرس الكتاب

الصفحة 1170 من 2431

الروح

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ر و ح) تدل على سعة وفسحة واطراد، وأصل ذلك كله الريح 1.

والرُّوحُ: النّفْس 2. ويذكّر ويؤنّث، والجمع الأَرْواح. وسُمِّي القرآن رُوحًا، وكذلك جبريلُ وعيسى عليهما السلام 3.

والرَّوْحُ: برد نسيم الريحِ. والرائحةُ: النسيم، طيبًا كان أو نتنًا 4.

قال ابن الأثير: «قد تكرر ذكر الروح في الحديث، كما تكرر في القرآن، ووردت فيه على معان، والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة، وقد أطلق على القرآن، والوحى، والرحمة، وعلى جبريل» 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال البغوي في تفسيره: «والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان» 6.

وقال القرطبي: «الروح: جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم، وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه، أضافه إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا» 7.

وقال عنها المراغي: «إنها جسم نوراني، علوىّ، خفيف، حي، متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسرى فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم» 8.

وقال ابن عاشور: «والروح: يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني، الذي دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني حين يكون جنينًا» 9.

وردت مادة (ر و ح) في القرآن الكريم (57) مرة، وتكررت (الروح) (21) مرة 10.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم ... 21 ... {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]

وجاءت الروح في القرآن على خمسة أوجه 11:

الأول: مادة الحياة في الإنسان وذوات الأروح: ومنه قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] يعني: الروح التي هي سبب الحياة.

الثاني: جبريل عليه السلام: ومنه قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] يعني: جبريل عليه السلام.

الثالث: الوحي: ومنه قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] يعني: بالوحي.

الرابع: الرحمة: ومنه قوله تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] يعني: قوّاهم برحمة منه.

الخامس: الأمر: ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] يعني: وأمر منه.

النفس:

النفس لغة:

تطلق النفس في اللغة على معنين: الروح، وذات الشيء وحقيقته.

فمن الأول: قولهم: خرجت نفس فلَان، أَي: روحه.

ومن الثاني: قولهم: قتل فلَان نَفسه، وَالْمعْنَى: أَنه أوقع الهلاك بذاته كلها 12.

النفس اصطلاحًا:

يقول المناوي عن النفس: «هي جوهر مشرق للبدن ينقطع ضوؤه عند الموت من ظاهر البدن وباطنه، وأما وقت النوم فينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن دون باطنه، فالموت انقطاع كلي، والنوم انقطاع خاص. وعلى ذلك فيكون تعلقها بالإنسان على ثلاثة أضرب: إن غلب ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه فهو حال اليقظة، وإن انقطع عن ظاهره فقط فهو النوم، وإن انقطع بالكلية فالموت» 13.

الصلة بين النفس والروح:

قال بعض اللغويين: النفس والروح واحد، وقال آخرون: بل هما متغايران؛ إذ النفس هي مناط العقل، والروح مناط الحياة، وسميت النفس نفسًا لتولّد النّفس منها واتصاله بها، كما سموا الروح روحًا؛ لأن الروح موجود بها 14.

ويقول الألوسي: «اختلف الناس في الروح والنفس، وهل هما شيء واحد أم شيئان؟ فحكى ابن يزيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد؛ فقد صح في الأخبار إطلاق كل منهما على الآخر» 15.

وقال ابن تيمية: «والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت، هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن الصلاة: (إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها حيث شاء) 16، وقال له بلال رضي الله عنه: (أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت يا رسول الله) 17، وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42] . قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يقبضها قبضين: قبض الموت، وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي أجلها وقت الموت» 18.

الحياة:

الحياة لغة:

مادة (حيّ) تدور حول أصلين: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الّذي هو ضدّ الوقاحة. فأمّا الأوّل فالحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان. ويسمّى المطر حيًّا لأنّ به حياة الأرض، والأصل الآخر: قولهم استحييت منه استحياءً» 19.

الحياة اصطلاحًا:

الحياة: في الأصل: الروح وهي الموجبة لتحرك من قامت به، ذكره العكبري.

وقال الحرالي: الحياة تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه، إلى ما وراء ذلك من التكامل في علومه وأخلاقه. وقال في موضع آخر: الحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة بالحقيقة تكامل الناقص 20.

الصلة بين الحياة والروح:

قال العسكري: «إن الروح من قرائن الحياة، والحياة عرض والروح جسم رقيق من جنس الريح، وقيل: هو جسم رقيق حساس، وتزعم الأطباء أن موضعها في الصدر من الحجاب والقلب، وذهب بعضهم إلى أنها مبسوطة في جميع البدن وفيه خلاف كثير» 21.

أسند الله تعالى الروح إلى نفسه في كثير من آيات كتابه العزيز، من ذلك توضيحه وبيانه لعباده أن أمر الروح منه هو، ولم يسنده لأحد غيره سبحانه، وأنه من اختصاص الله دون غيره من خلقه، فقال في ذلك: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .

وفي موضع آخر من كتابه الكريم نجد أنه سبحانه أسند الروح لنفسه، وقد وردت في القرآن كثيرًا في سياق الإشارة إلى هبة نسمة الحياة لآدم والمسيح والناس، مضافة إلى الله عز وجل، كما في آيات سورة الحجر، وذلك بعد خلقه للبشر، وتسويته معظمًا لهم ورافعًا من شأنهم، وذلك بأنه بعد أن سوّى خلقه وأكمله، نفخ فيه من روحه، فقال في ذلك: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28 - 29] .

وفي موضع آخر: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .

وقال في مكان آخر: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .

ونتابع المواضع التي أسند فيها الله سبحانه وتعالى الروح لنفسه، موضّحًا أن الروح من أمره هو، نقرأ في ذلك هذه الآيات: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [غافر: 15] ، التي يبين لنا فيها أن الروح -أيًّا كان معناه- لا ينزل ولا يلقى إلا بأمره سبحانه وتعالى، وإلى هذا المعنى أشار في قوله: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2] .

وقوله جل شأنه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] .

وأسند الله تعالى الروح لنفسه مرة أخرى عندما أراد خلق عيسى عليه السلام من أمه مريم العذراء، مبينًا المعجزة العظمى والقدرة الخارقة في خلقه، فقال في ذلك مرة: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] .

مسندًا الروح التي أرسلها إلى مريم لنفسه.

وقال في موضع آخر: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] .

وفي غيره: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] .

موضحًا في ذلك أن النفخ فيها من روحه هو سبحانه وتعالى. كما سمى هذه الروح المسنودة إليه: كلمة، وأسندها لنفسه كذلك، فقال: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] .

وفي سورة يوسف أسند سبحانه وتعالى الروح الذي يأتي بمعنى الرحمة والفرج -حسب إفادة كثير من المفسرين- أسنده لنفسه، مبينًا في ذلك أن الفرج والرحمة لا تكون إلا منه وحده، فقال: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

كما بيّن سبحانه وتعالى تأييده للمؤمنين به، ناسبًا الروح التي أيدهم بها إليه هو دون غيره من خلقه، فقال: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .

وعندما أسند الله تعالى الروح لنفسه كان لذلك دلالات عديدة، نتطرق إليها فيما يأتي:

أولًا: أن هذا الأمر من اختصاص الله وحده لا ينازعه فيه أحد من خلقه، ولم يطلع سبحانه أحدًا من عباده على هذا الأمر، وفيه دلالة كذلك على أنه من المأمورات التي قضاها وقدرها على مخلوقاته؛ لذلك يقول ابن القيم في كتابه الروح: «وقال بعضهم: الأرواح من أمر الله، أخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق، فمعلوم قطعًا أنه ليس المراد ها هنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد: أن الروح كلامه الذي يأمر به، وإنما المراد بالأمر ها هنا المأمور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] أي: مأموره الذي قدّره وقضاه، وقال له كن فيكون.

وكذلك قوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 101] . أي: مأموره الذي أمر به من إهلاكهم.

وكذلك قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النحل: 77] .

وكذلك الخلق يستعمل بمعنى المخلوق، كقوله تعالى للجنة: أنت رحمتي، فليس في قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] .

ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجه ما، وقد قال بعض السلف في تفسيرها: جرى بأمر الله في أجساد الخلق وبقدرته استقر، يعنى خلقًا من خلقي» 22.

وإلى هذا المعنى وهذه الدلالة أشار شارح الطحاوية حين قال: «وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة، مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله أضافها إليه بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] .

وبقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] » 23.

ثانيًا: ومن دلالات هذا الإسناد، أن الروح خلقٌ من خلق الله تعالى كما بيّن ذلك صاحب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات، قائلًا في حديثه عن الآية: «أي: من خلق ربي، أو من فعل ربي؛ إذ الأمر بمعنى الفعل وارد، قال سبحانه: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] .

أي: فعله. والجواب وقع من قبيل صرف الأهم، أي: إن عقولكم لا تدرك هذا، فإن له مقدمات طبيعية تدق عن الأفهام، وتقصر دونها الأوهام، لكن الأهم، أن تعلموا أن الروح من عالم الأمر، أي: الخلق.

وقال الحافظ ابن الجوزي في موضع آخر: «رأيت كثيرًا من الخلق والعلماء لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جملها من غير بحث عن حقائقها، كالروح مثلًا، فإن الله تعالى سترها بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها وحقيقتها، ولا يقنعون بشيء، ولا يثبت لأحدهم برهان على ما يدعيه، وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، وكلاهما إنما يعرف بآثاره لا بحقيقة ذاته، قال: فإن قال قائل: فما السر في كتم هذه الأشياء؟ قلت: لأن النفس لا تزال تترقى من حالة إلى حالة، فلو اطّلعت على هذه الأشياء لترقّت إلى خالقها، فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان بعض مخلوقاته لا تعلم حقيقته فهو سبحانه أجل وأعلى» 24.

وجاء في أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية: «ويأتي أمر الله، بمعنى مأموره، أي: الشيء الذي وجد أو سيوجد بأمره، كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] .

وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] .

ونحوها، وقد جمع الله بين الأمر بمعنى المأمور، والأمر بمعنى كلامه الذي يأمر به في أول سورة النحل، بقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 1 - 2] » 25.

ويقول السهيلي في ذلك: «وقوله: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أيضًا ولم يقل: من أمر الله، ولا من أمر ربكم، يدل على خصوص، وعلى ما قدمناه من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من قول الله سبحانه، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان بالله ورسوله» 26.

ثالثًا: ودل إسناد أمر الروح للواحد الأحد على عجز البشر وقلة علمهم، وعظم قدرة الخالق وجلال قدره وعلمه، نطالع ذلك في البداية والنهاية: «أي خلقٌ عجيبٌ من خلقه، وأمرٌ من أمره، قال لها: كوني فكانت. وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنّسبة إلى قدرة اللّه تعالى وحكمته» 27.

وفي شرح القسطلاني أن إسناد أمر الروح لله تعالى يدل دلالة واضحة على عجز الخلائق عن إدراك ماهيتها: « {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: مما استأثر الله بعلمه، فهو من أمر ربي لا من أمري، فلا أقول لكم ما هي، والأمر بمعنى الشأن، أي: معرفة الروح من شأن الله لا من شأن غيره، وعجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه، إشارة إلى تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له؛ ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز» 28.

وهذا ما جاء في العقائد الإسلامية في إطار حديثه عن إسناد أمر الروح لخالق الكون: «فالروح من أمر الله الذى لا يعلمه غيره، ولم يطلع عليه أحدًا سواه، ولم يعط الإنسان الوسائل التي توصله إلى هذا اللون من العلم والإحاطة به، فعلم الإنسان قليل ومحدود، وهو لم يدرك حقيقة المادة، ولا الكون المحسوس المحيط به، فكيف يتطلع إلى إدراك سر من أسرار الله، وغيب من غيوبه؟! كانت الروح هي المميزة للإنسان عن غيره في هذا العالم، وبها صار عالمًا وحده، وبالروح أسجد الله للإنسان ملائكته، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، وجعله سيد هذا الكون، وخليفته في الأرض» 29.

وفي هذا العجز البشري الذي استمر عبر العصور عن معرفة كنه الروح والتوصل إلى حقيقتها، يقول ألكسيس كاريل: «لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظات التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء والروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم الإنسان ككل، إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة، وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب؛ لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة» 30.

رابعًا: ومن دلالات إسناد أمر الروح لله تعالى أن ذلك من علمه الذي لا يحيط به أحدًا من خلقه، وأنه سر من الأسرار التي أخفاها الله تعالى عن خلقه، وأنها من شئونه التي لا يجوز الاطلاع عليها، قال ابن جرير: « {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، يعني: أنه من الأمر الذي يعلمه الله دونكم، فلا تعلمونه، ويعلم ما هو» 31. وممن قال بذلك المراغي في تفسيره: «الأمر واحد الأمور: أي: الروح شأن من شئونه تعالى حدث بتكوينه وإبداعه من غير مادة، وقد استأثر بعلمه، لا يعلمه إلا هو؛ لأنكم لا تعملون إلا ما تراه حواسكم وتتصرف فيه عقولكم» 32.

وهذا القرطبي يقول حول دلالة الإسناد في الآية: «دليل على خلق الروح، أي: هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى» 33، ويتجه الأصفهاني إلى أن الدلالة في ذلك أنه نوع من الإبداع الإلهي، فيقول: «أي: هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبّه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة» 34، وقال في المفردات: «أي: من إبداعه وعبّر عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدّم فيه فيما بيننا بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] .

فعبّر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه وهمنا» 35.

وسار ابن عاشور في هذا الاتجاه قائلًا: «الروح من أمر الله، أي أنه كائن عظيم من الكائنات المشرفة عند الله، ولكنه مما استأثر الله بعلمه. فلفظ أمر يحتمل أن يكون مرادف الشيء، فالمعنى: الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله، فإضافة أمر إلى اسم الجلالة على معنى لام الاختصاص، أي أمر اختص بالله اختصاص علم» 36. وفي البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: « {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: سر من أسراره» 37، كما جاء ذلك في التفسير الوسيط: « {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: من علم ربي، أي: أنكم لا تعلمونه» 38.

وجاء في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري في دلالة إسناد أمر الروح لله تعالى قوله: «يعني: أنها كانت ووجدت بأمر الله، فأمر الله ليس هو الروح، وإنما وجدت الروح بأمره، وهو سابق لما وجد به» 39. ويقول صاحب زهرة التفاسير في تفسيره للآية: «أي: أنها خلق من خلقه، والعلم بها من شأنه وأمره الخاص به» 40، أما السعدي فقد اتجه اتجاهًا مغايرًا عندما رأى أن دلالة الإسناد هنا ردع للذين يسألون أسئلة في غير موضعها، وليس من وراءها فائدة مرجوة، فقال: «وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد؛ ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب سؤالهم بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: من جملة مخلوقاته التي أمرها أن تكون فكانت، فليس في السؤال عنها كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها. وفي هذه الآية دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر الأولى بالسائل غيره أن يعرض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه» 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت