فهرس الكتاب

الصفحة 2396 من 2431

قال ابن كثير: أي: يطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله وسمعه لهم، كما قال: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 78] .

ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى ولا شكَّ في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو، سبحانه، مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء 44.

2.علم الكائنات كلها قبل وجودها.

الله سبحانه وتعالى قد إحاط بالأشياء وعلمها قبل كونها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، فكلُّ ما يقع في هذا الكون فهو داخل في علم الله سبحانه وتعالى الأزليِّ وفيما كتبه في اللوح المحفوظ، كما قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .

فكلُّ شيء بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، لا يخرج عن ذلك شيء من الأشياء، وهو أيضًا مكتوب في اللوح المحفوظ 45.

قال الحافظ ابن كثير: «هذه الآية الكريمة من أدلِّ دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبحهم الله» ، وقال في قوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ؛ «أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله عز وجل؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون» 46.

وقال الله عز وجل: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر:11] .

وقال جل في علاه: « {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} [فصلت:47] .

قال ابن كثير: أي: لا يعلم ذلك أحد سواه كما قال محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر لجبريل عليه الصلاة والسلام وهو من سادات الملائكة، حين سأله عن الساعة فقال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) 47. وكما قال عز وجل: {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} [النازعات:44] 48. والله تعالى أعلم.

أولًا: التقوى:

مما جاء من الآيات الدالة على أنَّ التقوى تجلب التيسير: قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:3] .

وقول الله جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق:4] .

وقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7] .

وكلُّ ما جاء في هذه الآيات أفاد التسهيل والتيسير ونفى الضيق والحرج لمن اتقاه، وأن عاقبتهم دائمًا للفرج والمخرج والخفة والتيسير.

قال ابن كثير: «أي: يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا» .

ثم قال: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} [الطلاق:5] .

أي: «حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير» 49.

وقال السعدي: «أي: من اتقى الله تعالى، يسر له الأمور، وسهل عليه كلَّ عسيرٍ» 50.

ثانيًا: البذل والعطاء:

البذل والعطاء سبب لجلب اليسر، ومن اليسر الخُلْفُ لما أنفق، وذلك بصريح القرآن. قال الله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39] .

ومن الآيات الدالة على تيسير أمور الباذل في سبيل الله تعالى: قوله جل وعلا: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل:7] .

قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرًا له كل خير، ميسرًا له ترك كلِّ شرٍّ، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسرَّ الله له ذلك. {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحبَّ، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، {وَاسْتَغْنَى} عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه» 51.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو، إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) 52.

وقد ذكر أهل العلم في معنى النقص والزيادة في الحديث على وجهين:

أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة.

والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة 53.

ثالثًا: الدعاء:

الدعاء هو العبادة، وقد ندب الله تعالى عباده إلى الدعاء، وأخبر أنه قريب منهم يفرج كرباتهم وييسر أمورهم، ويجيب المضطر إذا دعاه.

ومن الآيات الدالة على ذلك قول الله تعالى عن دعاء موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} [طه:36] .

فموسى عليه السلام دعا بهذه الدعوات الطيبات وكان مما دعا به تيسير أمره، وقد أجابه الله تعالى فيسر أمره بقوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} حيث أرسل معه أخاه هارون ليساعده في نشر الدعوة وتبليغ رسالة الله تعالى.

قال ابن سعدي: فقال الله {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} أي: أعطيت جميع ما طلبت فسنشرح صدرك، ونيسر أمرك، ونحل عقدة من لسانك يفقهوا قولك، ونشد عضدك بأخيك هارون، وهذا السؤال من موسى عليه السلام يدلُّ على كمال معرفته بالله وكمال فطنته، ومعرفته للأمور وكمال نصحه، ويحتاج مع ذلك أيضًا أن يتيسر له أمره فيأتي البيوت من أبوابها، ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، يعامل الناس كلًا بحسب حاله، وتمام ذلك أن يكون لمن هذه صفته أعوان ووزراء يساعدونه على مطلوبه؛ لأن الأصوات إذا كثرت لا بد أن تؤثر؛ فلذلك سأل عليه الصلاة والسلام هذه الأمور فأعطيها 54.

وبهذا يعلم أن الدعاء بالتيسير مما يجلبه، وسؤال الله ذلك قد يكون مباشرة أو غير مباشر فالمباشر مثل ما فعل موسى هنا في هذه الآية، وغير المباشر سؤاله ربه لما خرج إلى مدين وخدمته ابنتي الرجل الصالح ثم توليه إلى الظل. وهذا سيأتي في المبحث الذي يليه. والله أعلم.

رابعًا: مساعدة الخلق:

ورفع المشقة عن العباد، أي: مساعدتهم ومساندتهم والوقوف معهم وخدمتهم فيما يحتاجون إليه. وهذا مما يجلب التيسير لصاحبه، ذلك أن الجزاء من جنس العمل.

قال الله تعالى عن موسى عليه السلام حين خرج إلى مدين وخدم المرأتين ثم تولى إلى الظل، حيث قال: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] .

قال ابن سعدي: رحمه الله: «أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي. وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل في هذه الحالة داعيًا ربه متملقًا. وأمَّا المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى. فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، فجاءته {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} وهذا يدلُّ على كرم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء» 55.

فموسى عليه السلام لما قام بخدمة المرأتين ومساعدتهما، قيظ الله له ويسر له الأمن والمأوى والزواج، وهكذا وعد الله كلَّ من أعان أخاه أن الله تعالى ييسر أمره ويعينه.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر، يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) 56.

أولًا: اليسر من مقاصد التشريع:

ما أنزله الله تعالى من الأحكام إلى عباده كله سهل ميسر، لا عسر فيه ولا شدة، ولا يمكننا حصر الآيات الدالة على ذلك لكثرتها، لكن نذكر بعضا منها:

قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185] .

وهذه الآية وإن كانت نزلت في سياق قضية خاصة، وهي الرخصة في الصيام، إلا أنها عامة في الشريعة الإسلامية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكلُّ الآيات التي وردت في شأن خاصٍّ فإنها تكون عامة، إلا إذا ورد ما يخصصها.

وقال جل وعلا: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى:8] .

قال ابن كثير: «أي: نسهل عليك يا محمد أعمال الخير، ونشرع لك شرعًا سهلًا سمحًا» 57.

وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] .

قال القرطبي: «يريد الله أن ييسر عليكم بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولًا لحرة» . {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} يقول: «يَسَّرَ ذلك عليكم إذا كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات، عند خوفكم العنت على أنفسكم، ولم تجدوا طولًا لحرة؛ لئلا تزنوا، لقلة صبركم على ترك جماع النساء» 58.

وقال جل وعز: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .

فقد أفادت هذه الآيات أن الله تعالى أراد بهذه الأمة اليسر والتخفيف، ونفي إرادة العسر والحرج.

ونفى سبحانه وتعالى أن يكون كلف عباده ما لا يطيقون، فقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] .

وقال جل وعلا: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام:152] .

قال الزمخشري: الوُسْعُ هو ما يَسَعُ الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقها، ويتيسر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود 59.

ومن هنا قرر الفقهاء أنَّ ما عجز عن أدائه سقط وجوبه، كما صرَّحَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في غير موضع من كتبه بأنَّ الواجبات كلَّها تسقط بالعجز عن أدائها 60.

وقد وردت أحاديث كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المبحث تصرح بيسر الدين ورفع الحرج عن المسلمين، ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدين يُسْرٌ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) 61.

والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز، وانقطع فيغلب، وقوله: فسددوا، أي: الزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغه: السداد التوسط في العمل 62.

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره) 63.

وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (إنَّ الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا) 64.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:(دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، أو سَجْلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) 65.

فاليسر من سمات الشريعة الإسلامية، فإنَّ الله تعالى نفى عن هذه الأمة الحرج والعنت وما يشق عليها.

ثانيًا: اليسر في العبادات:

إنَّ هذا الدين يُسْرٌ، وليس فيه حرج ولا عسر، وذلك بإرادة الله له ذلك؛ تخفيفا على عباد الله، وهناك آيات عدة، وأحاديث كثيرة تفيد بأنَّ هذا الدين مبنيٌّ على التيسير، وعدم التشديد والتعسير، ومن ذلك:

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] .

وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .

وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما أنه قال لها: (ياعائشة! إنَّ الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) 66.

وعن عائشة أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع عن شيء إلا شانه) 67.

وقال عليه الصلاة والسلام: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشروا ولا تنفروا) 68.

ففي هذه الآيات والأحاديث يحثُّ الله سبحانه وتعالى عباده على الرفق، واللين، وأخبر أنه إنما يريد الله أن يخفف على عباده، وأنه لا يريد أن يجعل عليهم من حرج؛ لأن الله تعالى يعلم ضعفهم لذلك خفف عنهم.

والله سبحانه وتعالى يسر للناس عباداتهم، وقد سبق قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .

وكل العبادات إنما هي مبنية على التيسير والتسهيل ورفع الحرج، ومن ذلك:

1.اليسر في الطهارة.

فإن الله سبحانه وتعالى قد وجَّهَ عباده إلى أنْ يطهروا قلوبهم وأبدانهم، وأوجب على من أراد الصلاة أن يتطهر لها قبل الدخول فيها، ومع ذلك فإنَّ من يُسْرِ الإسلام أنه يسهل ويخفف أو يعفي من هذه الطهارة، فَشَرَعَ الله تعالى التيمم، وهو العدول عن الماء إلى ضربة أو ضربتين على تراب أو ما صعد على وجه الأرض، وذلك في عدة حالات، منها:

حالة العجز عن استعمال الماء لمرض وغيره، ومنها: حالة فقدان الماء. وقد رخَّصَ الله سبحانه وتعالى لمن لم يجد الماء أن يتيمم ولو لم يجد الماء عشرين سنة، فإذا وجد الماء فإنه يلزم أن يتوضأ بالماء.

قال الله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَ?كِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة:6] .

وقد سبق أنَّ نفيَ الحرج من مرادفات اليسر، وهنا في آية التيمم ينفي الله تعالى أنْ يكون جعل في الدين أدنى حرج، ومن اليسر في الطهارة أنه أباح المسح على الخفين، والجوارب، وذلك بأنْ يتوضأ لليدين والوجه، ويمسح على الرأس، فإذا وصل إلى الرجلين فإنه يمسح عليهما إذا كان لابسًا خفين أو جوربين، وذلك للمشقة التي يجدها لابس الخفين والجوربين، وخفف الله سبحانه وتعالى على الناس كلٌّ بحسبه، فالذي يقيم في بلده رخَّصَ الله له أن يمسح على الخفين والجوربين أربعًا وعشرين ساعة (يوم وليلة) ولكن إذا كان مسافرًا فإنه رخَّص له أن يمسح اثنين وسبعين ساعة (ثلاثة أيام بلياليها) .

أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) 69.

2.اليسر في الصلاة.

قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ? إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:78] .

وقال جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ? إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ? ذَ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] .

فهذان آيتان ذكر الله تعالى أنه فرض على الناس الصلاة فقط في طرفي النهار وزلفًا من الليل، يعني: وباقي الأوقات لمعاشهم وراحتهم.

قال الشنقيطي رحمه الله: «فأشار بقوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: (إِلَى? غَسَقِ اللَّيْلِ) وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) إلى صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها، من التعبير عن الشيء باسم بعضه» 70.

وتظهر سماحة الإسلام ويسره في الصلاة من عدة أوجه، منها:

حيث شُرِعَتْ خمسون صلاة في اليوم والليلة، ثم خففت حتى صارت خمسًا، ولكن أداؤها خمس وأجرها خمسون.

ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (مررت [ليلة المعراج] على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس، [يعني في الأداء] . وهي خمسون [يعني في الأجر] لا يبدل القول لديَّ 71.

وذلك أثناء السفر أو المطر أو المرض، مراعاة للظروف التي يمر بها الإنسان في هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو خوف من الطريق أو زيادة في المرض، لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر يتناسب مع هذه الظروف، فأجاز له الجمع والقصر، حيث قصرت الصلوات الرباعية إلى ركعتين فقط.

عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه قال: (سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة والمدينة لا يخاف إلا الله يقصر الصلاة) 72.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) 73.

فإنَّ وضع الصلاة وكيفيتها يتغير في حالة الخوف في الحرب أو هجوم سبعٍ أو سيل أو نحوه، ويسهل أمرها وتقصر، لما في ذلك من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة، وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف، قال تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ? إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء:101] . ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية أداء هذه الصلاة على دفعتين 74.

إنَّ من يسر الإسلام أنه شرع للمصلي أنْ يصلي على أي بقعة طاهرة من الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) 75.

ويمكنه أن يصلي جالسًا أو مستلقيًا على ظهره أو جنبه، فإن استطاع أن يرفع بيديه وإلا يكفي أن يشير ويومئ برأسه، بل إذا لم يستطع الإيماء، فإنه يومئ بعينيه. قال عليه الصلاة والسلام: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) ، 76 فالقيام في الصلاة والقعود فيها ركنان من أركان الصلاة أي من الأصول والواجبات، ولكن إذا لم تسمح ظروف المصلي لمرض أو نحوه من أنواع العجز، فإن الله تعالى خفف عنه بأن يصلي على الحال التي تناسبه.

لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض، وذي الحاجة، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه من التطويل في الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) 77، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَ النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه) 78.

وهذا يسر ولطف على المرأة، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء، يصعب معها أداء الصلاة، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك.

كلُّ هذا اليسر وهذه السماحة جاءت في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة التي هي أعظم الأعمال العملية، وفي هذا شاهد كبير ودليل ناصع على يسر هذا الدين وسماحته في العبادات 79. والله تعالى أعلم.

3.اليسر في الزكاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت