فهرس الكتاب

الصفحة 1521 من 2431

ومن القصص التي تبيّن أن الاستغناء سبب من أسباب الطغيان قصة أصحاب الجنة {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم: 17 - 32] .

ومن القصص التي تبرز الطغيان بسبب الاستغناء بالقوة الجسدية قصة عاد:

{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] .

يقول تعالى ذكره: {فَأَمَّا عَادٌ} قوم هود {فَاسْتَكْبَرُوا} على ربهم وتجبّروا {فِي الْأَرْضِ} تكبرًا وعتوًّا بغير ما أذن الله لهم به {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ} وأعطاهم ما أعطاهم من عظم الخلق، وشدة البطش {هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فيحذروا عقابه، ويتقوا سطوته لكفرهم به، وتكذيبهم رسله، يقول: {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} وكانوا بأدلتنا وحججنا عليهم يجحدون 69.

سادسًا: الأولاد:

حذّر الله تبارك وتعالى في كتابه من فتنة المال والولد، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15] .

فهذا تحذير من الله للمؤمنين من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده وحذّرهم أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغّبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية، والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية 70.

وأخبر تبارك وتعالى أن الولد قد يكون سببًا في الكفر، فقال: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80] .

قال الألوسي: «فخفنا خوفًا شديدًا أن يغشى الوالدين المؤمنين لو بقي حيًّا طغيانًا مجاوزة للحدود الإلهية، وكفرًا بالله تعالى؛ وذلك بأن يحملهما حبه على متابعته، كما روي عن ابن جبير، ولعل عطف الكفر على الطغيان لتفظيع أمره، ولعل ذكر الطغيان مع أن ظاهر السياق الاقتصار على الكفر ليتأتى هذا التفظيع، أو ليكون المعنى: فخشينا أن يدنس إيمانهما أولًا، ويزيله آخرًا، ويلتزم على هذا القول بأن ذلك أشنع وأقبح من إزالته بدون سابقية تدنيس، وفسّر بعض شراح البخاري الخشية بالعلم، فقال: أي: علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبويه إلى الكفر، فيجيبانه، ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما إياه، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما طغيانًا عليهما، وكفرًا لنعمتهما عليه من تربيتهما إياه، وكونهما سببًا لوجوده بسبب عقوقه، وسوء صنيعه، فيلحقهما شر وبلاء، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما ويقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافر» 71.

وقال القرطبي: «والمعنى: أن يلقيهما حبه في اتباعه، فيضلا، ويتدينا بدينه» 72.

وقال ابن كثير: «أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر، قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب» 73.

وقال سيد رحمه الله: «فهذا الغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل، قد كشف ستر الغيب عن حقيقته للعبد الصالح، فإذا هو في طبيعته كافر طاغٍ، تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان، وتزيد على الزمن بروزًا وتحققًا، فلو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه، وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه، فأراد الله ووجه إرادة عبده الصالح إلى قتل هذا الغلام الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية، وأن يبدلهما الله خلفًا خيرًا منه، وأرحم بوالديه، ولو كان الأمر موكولًا إلى العلم البشري الظاهر لما كان له إلا الظاهر من أمر الغلام، ولما كان له عليه من سلطان، وهو لم يرتكب بعد ما يستحق عليه القتل شرعًا، وليس لغير الله ولمن يطلعه من عباده على شيء من غيبه أن يحكم على الطبيعة المغيبة لفرد من الناس، ولا أن يرتب على هذا العلم حكمًا غير حكم الظاهر الذي تأخذ به الشريعة، ولكنه أمر الله القائم على علمه بالغيب البعيد» 74.

سابعًا: الاستخفاف وغفلة الناس:

يمارس الطغاة على مر العصور وسيلة الاستخفاف بالجماهير.

يقول تبارك وتعالى عن فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] .

قال ابن كثير رحمه الله: «أي: استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة، فاستجابوا له» 75.

وقال الشوكاني رحمه الله: «أي: حملهم على خفة الجهل والسفه بقوله، وكيده وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله، وكذّبوا موسى» 76.

وقال سيد رحمه الله: «واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه، فهم يعزلون الجماهير أولًا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين، وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح، ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} » 77.

وقد بلغ بفرعون من الخفة والاستخفاف بقومه أن قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .

«قالها الطاغية مخدوعًا بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها، فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانًا، إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم.

فالطاغية -وهو فرد- لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزّتها وحريتها، وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة، ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئًا! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها، وتؤمن به، وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضرًّا ولا رشدًا! فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذّلة ومن خواء القلب من الإيمان ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وما كان ليقولها أبدًا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء، وإن يسلبه الذباب شيئًا لا يستنقذ من الذباب شيئًا!» 78.

يقول الكواكبي رحمه الله: «فالعوام هم قوت المستبدّ وقوّته، بهم عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم ببعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه: إنه كريم، وإذا قتل ولم يمثّل يعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة، قاتلوهم كأنهم بغاة، والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل» 79.

«والطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية» 80.

للطغيان مظاهر وآثار نتناولها فيما يأتي:

أولًا: الضلال والعمى:

أهل الطغيان «يدعهم الله سبحانه يخبطون على غير هدى، في طريق لا يعرفون غايته، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ، غافلة عن المقبض المكين، وهذا هو الاستهزاء الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير» 81.

قال الله سبحانه عن أهل النفاق والطغيان: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] .

عن مجاهد في قوله: {وَيَمُدُّهُمْ} قال: يزيدهم {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} قال: يلعبون ويترددون في الضلالة 82.

«والصواب: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] » 83.

«ومن يكتب الله عليه الضلال -وفق سنته تلك- يظل في طغيانه عن الحق، وعماه عنه أبدًا {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وما في تركهم في عماهم من ظلم، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم، وهم الذين عطّلوا قلوبهم وجوارحهم، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق، وأسرار الوجود، وشهادة الأشياء -التي يوجههم إليها في الآية السابقة- وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة، وحيثما فتحت العين وقعت على آية، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به لمس الإعجاز في تكوينه، وفيما حوله من شيء، فإذا عمه -أي: عمي- عن هذا كله ترك في عماه، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار» 84.

وقال عز وجل: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] .

«يقول تعالى ذكره: إن إعراض هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، التاركي النظر في حجج الله والفكر فيها لإضلال الله إياهم، ولو هداهم الله لاعتبروا وتدبروا، فأبصروا رشدهم، ولكن الله أضلهم، فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا، ومن أضله عن الرشاد فلا هادي له، ولكن الله يدعهم في تماديهم في كفرهم وتمردهم في شركهم يترددون؛ ليستوجبوا الغاية التي كتبها الله لهم من عقوبته، وأليم نكاله» 85.

وقال سبحانه: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11] .

والمعنى: فنترك الذين لا يرجون لقاءنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يترددون فيه، متحيّرين لا يهتدون سبيلًا للخروج منه 86.

ثانيًا: محاربة الحق، وتكذيب الأنبياء والدعاة:

مجرد ما يسمع أهل الطغيان الرسالة الربانية حتى يهرعوا لاستخدام الحجة التي طالما استخدمها من قبلهم، وهي اتهام الدعاة المخلصين بالكذب والدجل؛ ليبرّروا لأنفسهم قمعهم ومحاربتهم وقتلهم.

وليس غريبًا أن يتعرّض الأنبياء الصّادقون، أصحاب المنهج الرباني السليم للتكذيب والمعاداة، يقول سيد قطب رحمه الله: «فأمّا الذين كفروا بكل رسول فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم، فاستكبروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب في أيديهم لله صاحب الخلق والأمر، وأن يسمعوا لواحد منهم ... ، وقد بلغ من عقدة السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم بالغابر، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك، كما يسلك طريقه إلى جهنم كذلك! إن مصارع المكذبين -كما يعرضها هذا القصص- تجري على سنة لا تتبدل: نسيان لآيات الله، وانحراف عن طريقه، إنذار من الله للغافلين على يد رسول، استكبار عن العبودية لله وحده، والخضوع لرب العالمين، اغترار بالرخاء، واستهزاء بالإنذار، واستعجال للعذاب، طغيان وتهديد وإيذاء للمؤمنين، ثبات من المؤمنين، ومفاصلة على العقيدة، ثم المصرع الذي يأتي وفق سنة الله على مدار التاريخ!» 87.

وقد بلغ بأهل الطغيان والباطل في محاربة الحق أن أوصى بعضهم بعضًا بعدم السماع لهذا القرآن، واقترحوا وسيلة لمحاربة كتاب الله، وهي التشويش واللغو.

قال سبحانه وبحمده: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .

«أي: لا تسمعوه {وَالْغَوْا فِيهِ} أي: عارضوه باللّغو، وهو الكلام الخالي عن فائدة، وكان الكفّار يوصي بعضهم بعضًا: إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبّسوا عليهم قولهم، وقال مجاهد: {وَالْغَوْا فِيهِ} فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} فيسكتون» 88.

وقريبًا من هذا المعنى قوله جل وعلا على لسان نوح عليه السلام: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7] .

وقال سبحانه عن قوم نوح: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27] .

وقال عن قوم عاد: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] .

وقال عن قوم شعيب: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء: 186] .

وقال عن أصحاب القرية: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .

وقال عن قوم ثمود: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر: 25] .

فرغم اختلاف هؤلاء الأقوام واختلاف الأنبياء إلا أنّ الموقف واحد، هو التكذيب والرفض الواضح للدّعوة، رغم ما حمله كلّ نبي من الأنبياء لأدلة تثبت صدق دعوته وربانيتها.

والخلاصة: أن أهل الطغيان يتهمون دعاة الإصلاح بالكذب والدجل، وأن دعوتهم وإن كانت في خارجها صالحة فإنها في باطنها خبيثة باطلة.

ثالثًا: إيثار الدنيا على الآخرة:

من أبرز مظاهر الطغيان نسيان الدار الآخرة، وإيثار الدنيا عليها، فيشعر الطاغية أنه خالد مخلّد في هذه الحياة، وينسى الآخرة والبعث والنشور والجنة والنار، يقول تبارك وتعالى مذكّرًا بمصير الطغاة الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 39] .

فإذا اجتمع الغنى مع نسيان الآخرة، وإيثار الحياة الدنيا، فإن الثمرة لهذا الاجتماع المشئوم هو الطغيان، قال سيد رحمه الله: «والطغيان هنا أشمل من معناه القريب، فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى، ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة، فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حسابًا، واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره، فإذا أهمل حساب الآخرة، أو آثر عليها الدنيا اختلّت كل الموازين في يده، واختلّت كل القيم في تقديره، واختلّت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعدّ طاغيًا وباغيًا، ومتجاوزًا للمدى» 89.

وليس معنى هذا أن الإسلام يرفض الحياة الدنيا بالكلية، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الحياة أن تصبح بمتاعها ولذاتها وشهواتها وإمكاناتها إلهًا معبودًا من دون الله؛ لهذا ذمّ الله من قدم الحياة الدنيا، فقال: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] .

وانظر إلى سحرة فرعون حين دخل قلوبهم الإيمان كيف نظروا إلى قومه وملكه وجنده ودنياه، وقد هدّدهم بما هدّدهم، فـ {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه (72 - 73) ] .

فالمطلوب من المسلم أن يحرّر إرادته، فلا يصبح ويمسي مجرد مريد للحياة الدنيا.

يقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 18 - 19] .

ويقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] .

ويقول عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] .

وقد أمر الله بالإعراض عمن طغى وتعلّق بهذه الحياة وآثرها على الحياة الباقية، فقال سبحانه: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم: 29] .

قال سيد رحمه الله: «هذا الأمر بالإعراض عمن تولى عن ذكر الله، ولم يؤمن بالآخرة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا موجّه ابتداء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليهمل شأن أولئك المشركين الذين سبق الحديث في السورة عن أساطيرهم وأوهامهم، وعدم إيمانهم بالآخرة.

وهو موجّه بعد ذلك إلى كل مسلم يواجهه من يتولى عن ذكر الله، ويعرض عن الإيمان به، ويجعل وجهته الحياة الدنيا وحدها، لا ينظر إلى شيء وراءها، ولا يؤمن بالآخرة، ولا يحسب حسابها، ويرى أن حياة الإنسان على هذه الأرض هي غاية وجوده، لا غاية بعدها، ويقيم منهجه في الحياة على هذا الاعتبار، فيفصل ضمير الإنسان عن الشعور بإله يدبّر أمره، ويحاسبه على عمله، بعد رحلة الأرض المحدودة، وأقرب من تتمثل فيه هذه الصفة في زماننا هذا هم أصحاب المذاهب المادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت