فهرس الكتاب

الصفحة 2277 من 2431

ومما يلحق بهذه المسالة لبن الفحل، وهو أن يتزوج المرأة فتلد منه ولدًا، ويدر لها لبنًا بعد ولادتها منه، فترضع منه صبيًا، فأكثر العلماء على أن لبن هذا الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل، وإن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبر لا يوجب تحريمًا بينه وبين أولاده من غيرها. قال ابن كثير: واختلفوا؛ هل يحرم لبن الفحل كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير 141.

رابعًا: النكاح المحرم بسبب المصاهرة:

ثم ذكر الله تعالى بعد ذلك ما يحرم بالمصاهرة، فقال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 23] .

فهؤلاء المذكورات إلى قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) هن المحرمات بسبب الصهر، ولم يكونوا أهل الجاهلية يحرمون شيئًا منها، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء، وهن أعظم حرمة من جميع نساء الصهر، فكيف يظن أنهم يحرمون أمهات النساء والربائب؟!

وقد أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوج درة بنت أبي سلمة وهي ربيبته؛ إذ هي بنت أم سلمة، فسألته إحدى أمهات المؤمنين، فقال: (لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبة) 142 وكذلك حلائل الأبناء؛ إذ هن أبعد من حلائل الآباء، فكأن هذا من تحريم الإسلام، وأن ما حكى ابن عطية عن ابن عباس من قوله: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين» 143 ليس على إطلاقه.

والحكمة من تحريم هؤلاء تسهيل الخلطة، وقطع الغيرة بين قريب القرابة، حتى لا تفضي إلى حزازات وعداوات، قال الفخر: «من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه، ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض، وحصل الميل والرغبة، وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن؛ لأن صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعًا وأشد إيلامًا وتأثيرًا، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع، وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليمًا عن هذه المفسدة» .144 وعليه فيكون تحريم هؤلاء من قسم الحاجي.

وقوله::وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) أي: سواء دخلتم بنسائكم أم لم تدخلوا بهن، فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حرامًا. ولهذا قال الفقهاء قاعدة ذهبية، وهي: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.

وسبب التفرقة أن الإنسان يحب ابنه أو بنته كنفسه بعكس حب الأصل، فلا تتألم الأم لو عقد على بنتها بعد العقد عليها 145.

والقيد في قوله: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) معتبر إجماعًا، فلو عقد على المرأة ولم يدخل بها فله طلاقها، ويأخذ ابنتها؛ ولذلك قال: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أن تنكحوهن.

وممن يحرم على الرجل بسبب المصاهرة الربيبة.

قال تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) والربائب: جمع ربيبة، وهي فعيلة بمعنى: مفعولة، من ربه إذا كفله ودبر شئونه، فزوج الأم راب، وابنتها مربوبة له؛ لذلك قيل لها: ربيبة.

والحجور: جمع حجر -بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم-، وهو ما يحويه مجتمع الرجلين للجالس المتربع، والمراد به هنا معنى مجازي، وهو الحضانة والكفالة؛ لأن أول كفالة الطفل تكون بوضعه في الحجر، كما سميت حضانة؛ لأن أولها وضع الطفل في الحضن 146.

وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته؛ لأن قوله: (اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) وصف والأصل فيه إرادة التقييد، كما أريد من قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) فظاهر هذا أنها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم، إلا أن هذا الظاهر غير مراد، والقيد لا مفهوم له؛ لأنه جرى مجرى الغالب، فهي محرمة كانت في حجره أم لا، على قول الجمهور.

والذين أخذوا بظاهر الآية كالظاهرية كأنهم نظروا إلى أن علة تحريمها مركبة من كونها ربيبة، وما حدث من الوقار بينها وبين حاجزها إذا كانت في حجره.

وأما جمهور أهل العلم فجعلوا هذا الوصف بيانًا للواقع، خارجًا مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حرامًا على زوج أمها، ولو لم تكن هي في حجره، وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر 147.

وممن يحرم على الرجل بسبب المصاهرة حليلة الابن.

قال تعالى: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وهي التي عقد عليها الابن فحلت له، فتحرم على الأب بمجرد العقد، والحاصل: أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها، فالعقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات كما سبق ذكره.

والعدول عن أن يقال: (وما نكح أبناؤكم) أو (ونساء أبنائكم) إلى قوله: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) تفنن لتجنب تكرير أحد اللفظيين السابقين، وإلا فلا فرق في الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة، وقد سمي الزوج أيضًا بالحليل، وهو يحتمل الوجهين كذلك، وتحريم حليلة الابن واضح العلة كتحريم حليلة الأب 148.

والقيد في قوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: 23] .

احترز به من زوجة المتبني فلا تحرم حليلته، كقضية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 149. فيكون قوله: الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز؛ إذ كانت العرب تسمي المتبني ابنًا، وتجعل له ما للابن حتى أبطل الإسلام ذلك، وقال تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) [الأحزاب: 5] .

فما دعي أحد لمتبنيه بعد إلا المقداد بن الأسود وعدت خصوصية، وأكد الله ذلك بالتشريع الفعلي بالإذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بتزوج زينب ابنة جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان تبناه، وكان يدعى زيد بن محمد. وابن الابن وابن البنت وإن سفلا أبناء من الأصلاب؛ لأن للجد عليهم ولادة لا محالة 150.

وحرم الله كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع؛ لقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْ [النساء: 23] .

سواء كن شقيقتين، أو للأب، أو للأم.

والحكمة في تحريم الجمع بين الأختين دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما، وقد علم أن المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة، وهو النكاح أصالة، ويلحق به الجمع بينهما في التسري بملك اليمين؛ إذ العلة واحدة. فإن تسرى بإحدى الأختين ثم أراد التسري بالأخرى وقف حتى يحرم الأولى بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق، ولا يحد إذا جمع بينهما 151.

وقالت الظاهرية: يجوز الجمع بين الأختين في التسري؛ لأن الآية واردة في أحكام النكاح، أما الجمع بين الأختين في مجرد الملك فلا حظر فيه 152.

فيكون هذا الحكم عندهم في النكاح، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس. وروي عن عثمان بن عفان: أنه سئل عن الجمع بين الأختين في التسري، فقال: «أحلتهما آية» يعني: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ) [النساء: 24] .

«وحرمتهما آية» ، يعني: هذه الآية، أي: إنه متوقف، وروي مثله عن علي (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) رضي الله عنه.

وكما حرم الجمع بين الأختين كذلك حرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، كما جاء في السنة 153. وقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أي: في الجاهلية، فقد عفا عنكم. انتهى ذكر أنواع المحرمات من النساء في هذه الآية.

واعلم أن الله تعالى وضع هذا التحريم على ترتيب عجيب، فحرم أولًا أصول الإنسان عليه وفصوله، وفصول أصوله الأولى بلا نهاية، وحرم فصول فصوله بلا نهاية، وحرم أول فصول كل أصل ليس قبله أصل إلى غير نهاية، وهو أولاد الإخوة والأخوات، وحرم أول فصل من كل أصل قبله أصل آخر بينه وبين الناكح، وهو أولاد الجد وأبو الجد، فإن التحريم مقصور، وابنة الخال، على أول فصل، فابنة العم، وابنة العمة، وابنة الخالة حلال، ثم قال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) [النساء: 23] .

فحرم من الرضاع ما حرم من النسب، غير أن في الرضاع لم يذكر بنات الأخ والعمات والخالات من الرضاعة، ودل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) 154155.

خامسًا: نكاح الزاني أو الزانية:

أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حرمة ذلك، وكذلك: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ?) [النور: 3] .

أي: عاصٍ بزناه، (أَوْ مُشْرِكٌ) لا يعتقد تحريمه، فقال: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ? وَحُرِّمَ ذَ?لِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 3] .

وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود والترمذي وصححه: (أنه كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد الغنوي من المسلمين، كان يخرج من المدينة إلى مكة يحمل الأسرى، فيأتي بهم إلى المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة، يقال لها: عناق، وكانت خليلة له، وأنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة ليحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فقالت: مرثد! قلت: مرثد، قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: حرم الله الزنا، فقالت عناق: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعني ثمانية من المشركين، إلى أن قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته، ففككت كبله، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله، فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك رسول الله، فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت:(الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ? وَحُرِّمَ ذَ?لِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 3] . فقال رسول الله: (يا مرثد لا تنكحها) 156.

وقوله في الآية: (الزَّانِي) يقال: زاني بصيغة المفاعلة؛ لأن الفعل حاصل من فاعلين؛ ولذلك جاء مصدره الزناء بالمد أيضًا بوزن الفعال، ويخفف همزه فيصير اسمًا مقصورًا، وأكثر ما كان في الجاهلية أن يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض، فإن كان بعوض فهو البغاء يكون في الحرائر ويغلب في الإماء، وكانوا يجهرون به، فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار؛ ليعرفن بذلك، وكل ذلك يشمله اسم الزنا في اصطلاح القرآن، وفي الحكم الشرعي 157.

وهل المراد بالنكاح في قوله: (لَا يَنْكِحُ) الوطء أو التزويج؟ الظاهر أن معنى (ينكح) هنا في الآية بمعنى: الوطء الذي هو الفعل لا العقد. ومع هذا قد نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف 158.

وعليه فالمراد بالآية -والله أعلم-: أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية مثله، أو مشركة لا ترى حرمة الزنا، فيكون المقصود منها تشنيع الزنا، وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ) : الوطء لا العقد أي: الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا تزني إلا بزانٍ، وزاد ذكر المشركة والمشرك؛ لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا.

وهذا الذي عليه الجمهور، وهو رأي الحافظ ابن كثير 159 وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى؛ إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق، وكان من حق المقابلة أن يقال: والزانية لا تنكح إلا من هو زانٍ أو مشرك، لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن؛ لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن؛ لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية؛ ولذلك قدم الزاني.

وقال: (وَحُرِّمَ ذَ?لِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ؛ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء القالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد؛ ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة 160.

ورد هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى: العقد، ويرد عليه: بأن النكاح بمعنى: الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه أيضًا، ومنه قوله: (حَتَّى? تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ?) [البقرة: 230] .

فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بأن المراد به: الوطء 161.

ووافق الزجاج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث ذهب إلى أن النكاح هنا في هذه الآية المراد به: الزواج، وعلل ذلك بقوله: إن قول القائل: الزاني لا يطأ إلا زانية، أو الزانية لا يطؤها إلا زان، كقوله: الآكل لا يأكل إلا مأكولًا، والمأكول لا يأكله إلا آكل، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج، وهذا كلام ينزه عنه كلام الله 162.

ومما يدل على أن النكاح في هذه الآية بمعنى: الوطء أمور، منها:

-أن هذه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك. وهذا إسناد صحيح عنه، ذكر ذلك ابن كثير 163 وذكر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يعلمه تأويل القرآن، وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين، وابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية.

-أن القول بأن النكاح في هذه الآية الكريمة هو الجماع لا العقد جارٍ على الأسلوب العربي الفصيح، فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية، وأنه قبيح، يرده قول البحر ابن عباس، كما ترى.

-أن إنكار الزجاج -ومن وافقه- لهذا القول في هذه الآية -أعني القول بأن النكاح فيها الجماع- وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن إلا بمعنى: العقد مردود من وجهين:

الأول: أن القرآن جاء فيه النكاح بمعنى: الوطء، وذلك في قوله تعالى: (حَتَّى? تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ?) [البقرة: 230] .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: (حَتَّى? تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ?) بأن معنى نكاحها له: مجامعته لها، حيث قال: (لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) 164 ومراده بذوق العسيلة: الجماع كما هو معلوم.

الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون النكاح على الوطء، قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد 165.

وأما قول ابن القيم: «إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله» 166. فيرده أن ابن عباس وهو في المعرفة باللغة العربية، وبمعاني القرآن صح عنه حمل الزنا في الآية على الوطء، ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به، ولم يخف عليه أنه ينبغي أن يصان عن مثله 167.

قال الشنقيطي بعد الكلام على هذه الآية: «وهذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة، وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته.

وإذا علمت ذلك، فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر وإذا جاز حمل المشترك على معنييه فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى» 168.

سادسًا: نكاح المشرك والمشركة:

كان المسلمون ما يزالون مختلطين مع المشركين بالمدينة، وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة، فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات، أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات، فبين الله الحكم في هذه الأحوال، وقد أوقع هذا البيان بحكمته في أرشق موقع وأسعده به، وهو موقع تعقيب حكم مخالطة اليتامى، فإن للمسلمين يومئذٍ أقارب وموالي لم يزالوا مشركين، ومنهم يتامى فقدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده، فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هذه المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين، فعطف حكم ذلك على حكم اليتامى لهذه المناسبة 169.

فقال تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى? يُؤْمِنَّ ? وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ? وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى? يُؤْمِنُوا ? وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ? أُولَ?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ? وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ? وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ?221? [البقرة: 221] .

وسبب نزول هذه الآية قصة أبي مرثد الغنوي السابقة الذكر 170.

ففي هذه الآية حرم الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومهًا مرادًا وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة: 5] .

وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول 171.

ومعنى قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) لا تتزوجوا المشركات، وقرئ بضم التاء، أي: لا تتزوجوهن، أو لا تزوجوهن 172.

والمراد بالنكاح: التزويج، وهو حقيقة في اللغة، وإن كان مجازًا في الوطء 173.

واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو: (السوءة) .

و (الْمُشْرِكَاتِ) جمع مشركة؛ والمشركة أو المشرك هو من جعل لله شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات؛ فمن اتخذ إلهًا يعبده فهو مشرك -ولو آمن بأن الله خالق للكون-؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء في الكون، أو معينًا لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك 174.

فالمشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه، والمراد به في مواضعه من القرآن مشركو العرب الذين عبدوا آلهة أخرى مع الله تعالى، ويقابلهم في تقسيم الكفار أهل الكتاب، وهم الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه، ولكنهم أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم 175.

فإن قال قائل: من أين يقال لمن كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم مشرك وإن قال: إن الله عز وجل واحد؟ فالجواب: أنه إذا كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد زعم أن ما أتى به من القرآن من عند غير الله جل وعلا والقرآن إنما هو من عند الله عز وجل؛ لأنه يعجز المخلوقين أن يأتوا بمثله، فقد زعم أنه قد أتى غير الله بما لا يأتي به إلا الله عز وجل فقد أشرك به غيره 176.

وإن قال قائل: فكيف نجمع بين قوله هنا: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى? يُؤْمِنَّ) [البقرة: 221] .

وبين قوله في الآية الأخرى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [المائدة: 5] ؟

فالجواب: أن الآيتين لا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: 105] .

ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، و أيضًا فاسم الشرك عموم وليس بنص.

فالشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب؛ وإنما يدخلون في الشرك المقيد.

قال تعالى: (مْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [البينة: 1] .

فجعل المشركين قسمًا غير أهل الكتاب، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى? وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج: 17] .

فجعلهم قسمًا غيرهم.

فأما دخولهم في المقيد، ففي قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَ?هًا وَاحِدًا ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ?31?) [التوبة: 31] .

فوصفهم بأنهم مشركون.

وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل ليس فيه شرك؛ كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] .

ولكنهم بدلوا وغيروا، فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل الله به سلطانًا، فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا؛ لا باعتبار أصل الدين.

فيكون في قوله: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى? يُؤْمِنَّ) تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولًا على ظاهره في لسان الشرع، فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي، فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع، وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية، كقوله تعالى: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ? لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) [الممتحنة: 10] .

فعلق النهي بالكفر، وهو أعم من الشرك، وإن كان المراد حينئذٍ المشركين 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت