فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] .
وقد عاب الله على أهل مكة بمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام من أداء العمرة ودخول البيت يوم الحديبية فقال: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] .
«يعني كفار مكة، ومعنى صدهم عن المسجد الحرام: أنهم منعوهم أن يطوفوا به ويحلوا عن عمرتهم» 75، وفي قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] .
والمراد هنا «هم المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت يوم الحديبية» 76.
3.اقتراف المعاصي في الحرم أو الهم بها:
اقتراف المعاصي الصغيرة أو الكبيرة في الحرم أو إرادة المعصية والهم بها في الحرم هي إلحاد في الحرم وانتهاك لحرمته وعظمته؛ لذا قال تعالى عن الإلحاد والهم به في البيت الحرام: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] .
أي: «عادلًا عن القصد والاستقامة، ظالمًا، أو يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، عامدًا قاصدًا، وهو من خصوصية الحرم» 77.
وقيل: « {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ} الانحراف والميل نحو الظلم والبغي» 78، والإلحاد بمعنى: «المعاصي الكبار» 79، والمقصد بالإلحاد هنا: «الظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على النية السيئة فيه» 80.
ومعلوم عند المسلمين أن المعصية تعظم في الحرم كما أن الأعمال الصالحة تعظم ويضاعف ثوابها لبركة المكان وعظمته وحرمته.
-سلوك الخلق الإلحاد في الدين عمومًا له أسباب عديدة، وهو سلوك مخالف ومناف للفطرة السليمة، ولا يسلك طريق الإلحاد إلا منحرف عقليًا أو قلبيًا، وأسباب الإلحاد متعددة، ومن هذه الأسباب:
أولًا: الجحود:
والجحود يقوم على رفض الإيمان بالرسل، ونكران الآيات التي جاءوا بها، مع علمهم بصدق الرسل.
قال تعالى عن قوم عاد: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59] .
«جحودهم بآيات ربهم، وعصيان رسله. واتباع أمر الجبارين من عبيده» 81.
وقال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .
ثانيًا: الظلم والعلو:
الظلم انتقاص للحقوق، والعلو التكبر.
مثال ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13 - 14] .
«أي: ظالمين عالين، أي: الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، أي: جحدوا بها جحودًا ظلمًا وعلوًا» 82.