فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 2431

إن قوم صالح عليه السلام نموذجٌ حيٌ في هذا الباب، فلنذكر الآيات الكريمات التي تقص علينا من أخبارهم.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) } [الأعراف:75 - 77] .

إنها قمة العنجهية والكبرياء والإباء من السادة والقادة، وفي المقابل ثبات ويقين وصدق مع الله من قبل المستضعفين، فالملأ من قوم صالح عليه السلام -كما يبدو من سياق الآيات- خلوا بالمستضعفين من المؤمنين، وجلسوا إليهم في معزل عن نبي الله صالح عليه السلام، وهددوهم وخوفوهم من متابعته، ولكنه اليقين وثبات الإيمان حينما يتملك القلوب لا تزعزعه التهديدات ولا الوعيدات ولا أي قوة مهما بلغت.

يقول سيد قطب رحمه الله: «وواضح أنه سؤالٌ للتهديد والتخويف، ولاستنكار إيمانهم به، وللسخرية من تصديقهم له في دعواه الرسالة من ربه. ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافًا! لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم، والثقة في نفوسهم، والاطمئنان في منطقهم. إنهم على يقين من أمرهم، فماذا يجدي التهديد والتخويف؟ وماذا تجدي السخرية والاستنكار من الملأ المستكبرين؟ {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} » 40.

فكأن هذا تحدٍ من المستضعفين للملأ المستكبرين، تحدٍ على الثبات على الحق وعدم الانحياد عنه رغم التهديد والوعيد، بل ورغم مباشرة القتل وتنفيذ الوعيد، تمامًا كما وقع من قوم موسى وفرعون، حيث آمن السحرة برب العالمين، وهددهم فرعون بأن يصلبهم في جذوع النخل، ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، لكنهم ثبتوا على الحق بعدما تبين لهم، وصبروا على أذى فرعون، وفضلوا الباقية على الفانية: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) } [طه:72 - 73] .

وأيضًا: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) } [الأعراف:125 - 126] .

ولا فرق بين هذه العنجهية والكبرياء الذي عليه المتمردون في الأقوام السابقة وما عليه المتمردون والمستكبرون في هذا العالم الظالم اليوم، حينما يجد المسلمون أنفسهم في موجة من التحديات عاتية، وممارسات في حقهم مجحفة، ليس ذلك إلا لأنهم ينشدون نشر العدل والفضيلة، وكف الظلم والرذيلة، ويطلبون الكرامة لهذا الإنسان في هذا الوجود، لا أن تكون الحياة لصنف الظلمة والمستكبرين، والسحق للباقين، فإن هذا لا يرضي أحدًا من المنصفين.

سادسًا: العتو والطغيان:

تلمس وأنت تقرأ سيرة المستكبرين في القرآن الكريم مدى التعالي والعتو والطغيان الذي هم عليه، وتجد فيهم البطش الشديد ضد الأنبياء والمرسلين، وأولياء الله الصالحين، فهذه الصورة تعد مظهرًا بارزًا من مظاهر الاستكبار، بها يعرفون، ومن خلالها يتميزون.

ولعل إكراه المستكبرين للمستضعفين على اتباع باطلهم، يعد نموذجًا حيًا ومثالًا واضحًا لما عليه المستكبرون من عتو وطغيان، إنهم لم يكتفوا بما هم عليه من الباطل، بل ذهبوا يضلون عباد الله المؤمنين، ويسعون لصدهم عن سبيل الله بمختلف الوسائل والسبل، حتى لو كان ذلك بالتهديد والتعذيب، أو قد يصل أحيانًا إلى درجة القتل، قد بلغوا في ذلك حد التفاني في الصد عن الحق.

فانظر إلى طغيان فرعون، فيما أخبر القرآن عنه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) } [القصص:38 - 39] .

وقال عنه أيضًا: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [النازعات:24] .

ولذلك قال الله تعالى عنه: {إِنَّهُ طَغَى} [النازعات:17] .

فأي استكبار بعد هذا الاستكبار؟!

وأي طغيان بعد هذا الطغيان؟! أن ينازع الله تعالى في ألوهيته وربوبيته فذلك قمة العتو والطغيان والاستكبار.

ويناظره نمرود الذي ادعى ذلك لنفسه، فقال لإبراهيم عليه السلام: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] .

وانظر أيضًا رد الملأ من قوم صالح عليه السلام بعدما تبين لهم الحق: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) } [الأعراف:77] .

تحدٍ صارخ، وعتو فاجر، وإصرار على العناد والكفر، فكان عاقبة أمرهم خسرًا.

وقد سبقهم في موقفهم هذا قوم نوح عليه السلام، فقد أمرهم ونهاهم، وبين لهم ما به يتقون، فاحتجوا لكفرهم به بأنه اتبعه الأرذلون، فلما أجابهم بأنه ليس إلا رسول مبين: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) } [الشعراء:116] .

«عدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد، فلما سمع نوح قولهم هذا، قال: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) } [الشعراء:117] .

أي: أصروا على تكذيبي، ولم يسمعوا قولي، ولا أجابوا دعائي» 41.

فهذا هو حال المستكبرين في كل زمان، فلقد رأينا اليوم أقوامًا لا يختلف حالهم عن سلفهم الأولين، يحذون حذوهم في مواجهة الحق، ويسيرون على خطاهم في الكيد للإسلام والمسلمين، ومظهر العتو والطغيان فيهم بارز للعيان، لا يحتاج تصنيفهم في المستكبرين والمتمردين في هذا الكون في هذا الزمان كثير تفكير أو روية، فإنهم قوم ملكوا من أسباب القوة المادية أو التكنولوجية أو الاقتصادية أو الإعلامية ... الخ، ما يجعلهم يتمردون ويظهرون بهذه الغطرسة والكبرياء في هذا العالم.

ولكن الحق في علو وظهور، والباطل في انحدار وانكسار، ولكنكم تستعجلون، وهي سنة الله في الأولين والآخرين، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.

سابعًا: الاستنكاف عن العبادة:

سبق أن بينا معنى الاستنكاف، وهو أوسع دلالة وأعلى رتبة من الاستكبار، لما فيه من الأنفة والتنقص والاستصغار. والاستنكاف عن عبادة الله تعالى مظهر من مظاهر الاستكبار وعلامة من علاماته؛ لذا توعد الله تعالى المستنكفين عن عبادته بالعذاب الأليم، فقال: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) } [النساء:172 - 173] .

«أي: يأنف تكبرًا، ويعد نفسه كبيرًا عن العبادة» 42.

وهذا المظهر للمستنكفين عن عبادة الله تعالى يبدو واضحًا في قوم هود عليه السلام، إذ أخبرنا القرآن الكريم من حالهم وصفاتهم حينما دعاهم نبي الله هود عليه السلام إلى التوحيد، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فكذبه قومه واتهموه بالسفاهة، وذكرهم بما حدث لقوم نوح عليه السلام حينما كذبوا رسولهم ماذا حدث لهم؟! لكن ردهم عليه كان ينم عن كبر وأنفة ورفض لعبادة الله وحده مع ترك عبادة ما كان عليه الآباء والأجداد، {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) } [الأعراف:70] .

ومثلهم قوم صالح عليه السلام، فعلوا مثل فعلتهم، وردوا على نبيهم بالرد إياه، {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .

إن من كان هذا شأنه، وظهرت فيه صفة الاستنكاف عن عبادة الله، يلتمس لاستنكافه هذا المعاذير والحجج التي لا اعتبار لها عند العقلاء- ليعد هذا مظهرًا من مظاهر الاستكبار والتمرد.

ثامنًا: التعاظم عن اتباع الحق:

من مظاهر الاستكبار: التعاظم عن اتباع الحق، والسير على طريق الهدى، واختيار السبيل الموصل إلى جنات الله رب العالمين، يتنكب هؤلاء المستكبرون تلك الطريق، يختارون الضلال على الهدى، والكبرياء على التقى، فبئس الاختيار.

وليس أدل على هذا المظهر مما ورد في شأن المنافقين-أخص بالذكر عبد الله بن أبي بن سلول- الذي كان يرأس حركة النفاق في المدينة المنورة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، ومما ورد في القرآن الكريم من كشف لسوءتهم وهتك لسترهم، ما ورد في سورة المنافقون. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) } [المنافقون:5] .

إنه قد علت أنفتهم، وشمخت أنوفهم -فيما يبدو لهم- إلى الحد الذي جعلهم يتعالون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسعون للصد عن سبيل الله، تعاظمًا منهم عن اتباع الحق، وإمعانًا في الباطل والضلال، وهذه السمة موجودة عند كثير من الناس، تكبرًا كان ذلك صراحة منهم أو ضمنًا؛ لأن من ظهر له الحق ولم يتبعه، وأصر على ما هو عليه من الضلال والانحراف، يعد هذا تعالٍ على الحق، وترفعٌ عن التواضع لعظمة الله فيما تعبد به الناس، ومن رفض أمر الله وفعل خلافه يعد هذا تمردًا على الحق، وتكبرًا على أمر الله، لذا كانت هذه الصفة مظهرًا من مظاهر الاستكبار بغير الحق.

فهذه جملة من مظاهر الاستكبار، حيثما وجدت إحداها في المرء كانت صفة من صفات المستكبرين في الأرض بغير الحق، مؤذنة بنزول سخط الله عليه، وهو في هذه الحالة بين خيارين: إما أن يتركها ويتبع الهدى، ويتواضع لله وللناس، أو أن يتمادى في هذه الكبيرة، وحينئذٍ ليعلم أن فعله هذا يجعله مستحقًا لسخط الله وعقابه. وعلى العاقل أن يعرض نفسه على هذا الميزان ليرى أين يسير، وكيف المصير.

1.قص علينا القرآن الكريم من أخبار السابقين أفرادًا وجماعات، وكشف عن أحوالهم وصفاتهم ومصارعهم، وذكر الأسباب التي أدت إلى هلاك من أهلك منهم، ونجاة من أنجى، فكان الاستكبار عن طاعة الله تعالى سببًا رئيسًا من أسباب الهالكين المعذبين، وهاهنا أقف على نماذج من أحوال هؤلاء، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الجماعات.

أولًا: أفراد مستكبرون:

هذه أمثلة يضربها لنا القرآن الكريم فيها موعظة بليغة للمعتبرين، وفيها من الزجر والوعيد للمخالفين:

1.إبليس.

وهو أول المستكبرين المستنكفين عن أمر الله، قص الله تعالى علينا من أخباره، وكرر قصته في سورٍ عدةٍ، ليحذرنا منه، ويبين لنا مدى عداوته لهذا الإنسان، وأن هذه العداوة متجذرة فيه وفي ذريته لا محيد له عنها، وهي ترجع في تاريخها إلى لحظة خلق الله آدم عليه السلام، وأمر الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، وعبادة لله تعالى، لكن اللعين رفض أمر الله، وأبى أن يكون من الساجدين، فمقته الله تعالى، إذ كيف له أن يرفض أمر خالقه؟! لكنه الكبرياء والتعاظم، فسأله الله تعالى عن سبب امتناعه عن السجود لآدم الذي خلقه الله بيديه؟ فقال: أنا خير منه، وقاس أصل خلقة آدم بأصل خلقته، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار في نظره أفضل من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟! فتكبر عن أمر الله، وطلب من الله تعالى أن ينظره إلى يوم يبعثون، فأنظره الله تعالى إلى يوم الوقت المعلوم، فأقسم بعزة الله ليفتنن آدم وذريته أجمعين، وليغوينهم ويضلنهم عن الطريق المستقيم، لكن الله تعالى قد كتب أنه لا سلطان لإبليس على عباد الله المؤمنين، وإنما سلطانه على الذين يتبعونه من الغاوين.

قال تعالى مخبرًا عن ذلك:. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) } [الأعراف:11 - 18] .

لذا حذر الله تعالى الإنسان من اتباع خطواته والاغترار به، فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) } [فاطر:6] .

وقال جل شأنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) } [البقرة:208] .

قال أبو الفرج ابن الجوزي: «الواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عدواته من زمن آدم عليه الصلاة والسلام، وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله تعالى بالحذر منه» 43.

2.النمرود.

كان نمرود على عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية، وقد آتاه الله الملك فطغى، أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه 44.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } [البقرة:258] .

ولا شك أن ما وقع من نمرود في المحاجة في جزئها الأول كان سفسطة ومكابرة على الحق.

قال الألوسي: «وأراد عليه السلام بـ {يُحْيِي وَيُمِيتُ} يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك، فقد روي عنه أنه أتى برجلين، فقتل أحدهما وترك الآخر وقال ما قال، ولما كان هذا بمعزل عن المقصود وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتعرض لإبطال مثل ذلك من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، أعرض الخليل عليه الصلاة والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس» 45. فما كان إلا أن بهت الذي كفر، وانقطع عن المحاجة.

3.فرعون.

فرعون نموذج الطغيان، ضرب الله تعالى به المثل في العلو والاستكبار والافتراء والظلم والفساد، سفك الدماء، وعذب الناس، وعبد بني إسرائيل، ثم زاد في الطغيان والعتو والاستكبار حتى ادعى لنفسه الربوبية والألوهية، فأرسل الله تعالى له موسى عليه السلام، وجعل معه أخاه هارون وزيرًا وردءًا يصدقه، وآتاه من الآيات ما فيه بلاء مبين، لكنه كذب وعصى، وأدبر يسعى، وقال أنا ربكم الأعلى، بل وقال: ما علمت لكم من إله غيري، ثم قد استهان بموسى عليه السلام وازدراه واستخف به، فقال في كبرياء: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف:52] .

وجمع السحرة، وبدأت المبارزة، وألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل أمر الساحرين، وألقوا جميعهم ساجدين.

قالوا: آمنا برب العالمين، فقال لهم فرعون في كبرياء وتعاظم: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الشعراء:49] .

ثم توعدهم بالتعذيب الشديد: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:49] .

فقد بدت من فرعون مواقف تنم عن كبريائه وتعاظمه:

منها: ادعاؤه الربوبية تارة، والألوهية تارة أخرى.

ومنها: ازدراؤه بموسى، ونظره إليه نظر شزر.

ومنها: تكذيبه بالحق لما جاءه، مع وضوح البينات والآيات.

ومنها: موقفه من السحرة لما آمنوا بموسى، حيث قال لهم: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الشعراء:49] .

ومنها: توعده للسحرة لما آمنوا، وتعذيبه لمن آمن.

ومنها: إلصاق التهم بموسى عليه السلام، وبث الإشاعات حوله؛ من اتهامه بالسحر والكذب وغيرها.

كل هذه المواقف تدل على كبريائه وطغيانه واستبداده، وأن ذلك وقع منه للحفاظ على ملكه ورياسته، وبقاء سلطته دون منازع.

4.قارون.

قارون رجل من بني إسرائيل آتاه الله من الأموال مالا يحصى عددًا، ونعمه بأنواع النعم؛ من كنوز وقصور وخزائن وخدم وغيرها من أنواع النعم، غير أنه بدلًا من أن يتواضع لله ويؤدي حق الله تعالى فيما آتاه من مال، استكبر وتعالى على الناس، وأنكر أن يكون ذلك من الله، وقال: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] .

فاستكبار قارون كان بتكذيبه مبدًا، ثم بإسناده النعمة إلى نفسه وعدم إسناد فضلها إلى المنعم سبحانه وتعالى، ثم من ناحية ثالثة بعدم أداء حقها فيمن له الحق فيها من الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، فكان مصيره أن خسف الله به وبداره الأرض.

5.هامان.

هامان وزير فرعون، وشريكه في حكم البلاد والاستبداد، وهو يده الطولى في القتل والتعذيب والإفساد والتمرد، لذا كان في رتبته في الاستكبار والعتو، فقال تعالى شأنه: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) } [العنكبوت:39] .

فعده في جملة المستكبرين من الطغاة.

وفي موضع آخر قال تعالى شأنه: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) } [غافر:24 - 25] .

فذكر أنه كان من المكذبين، وقد اتهم موسى بالسحر والكذب، ولما بين لهم موسى أنه رسولٌ من الله أيده بالمعجزات، وقد جاءهم بالحق منه، تمرد واستكبر وعلا وافترى، وراح يقتل أبناء الذين آمنوا، زيادة في العتو والاستكبار.

والآيات الكريمة قد ذكرته مقترنًا بفرعون الطاغية المستكبر في مواضع متعددة، ليدلل على أنه كان لا يقل عن أقرانه من فرعون وقارون في العتو والاستكبار.

ثانيًا: أمم مستكبرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت