ووقوع السحر للأنبياء لا يتعارض أبدًا مع حماية الله لهم «فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار، فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه» 139.
وهكذا يظهر لنا عصمة الله لرسله وحمايته لهم من تسلط الناس والسحرة عليهم.
الذنوب منها صغائر وكبائر، وفيما يلي عرض لعصمة الأنبياء في كل منهما:
أولًا: العصمة من الكبائر:
الرسل معصومون من الكبائر باتفاق 140.
ثانيًا: العصمة من الصغائر:
ذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر.
يقول ابن تيمية: «القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول» 141.
وللعلماء عدد كبير من الأدلة على ذلك منها ما يلي:
••معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهي عنها.
وهذه معصية لآدم عليه السلام صرح بها القرآن، فقال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? ?116?فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَ?ذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى? ?117?إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى? ?118?وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى? ?119?فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى? ?120?فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ? وَعَصَى? آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? ?121?) [طه: 116 - 121] .
فقوله تعالى: (وَعَصَى? آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) يوضح «تعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة» 142.
••تسرع داود عليه السلام في الحكم.
أخبر القرآن عن أن داود عليه السلام أتاه خصمان، ولكنه تسرع في الحكم قبل سماع حجة الخصم الآخر، فسارع إلى التوبة والاستغفار (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى? نِعَاجِهِ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ? وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ? ?24?فَغَفَرْنَا لَهُ ذَ?لِكَ ? وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى? وَحُسْنَ مَآبٍ ?25?) [ص 24 - 25] .
••خروج يونس عليه السلام من قومه بدون إذن ربه.
وهذا مما حدثنا القرآن عنه، فقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: 87] .
أي: أنه ظن «أن الله لن يضيق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة» 143.
وهذا يقتضي أنه «خرج خروجًا غير مأذون له فيه من الله» 144.
وكذلك ذكر القرآن عتاب الرب جل جلاله لمحمد عليه الصلاة السلام في أمور، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ? تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1] .
وقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس: 1 - 3] .
وهكذا يظهر لنا جواز وقوع الصغائر من الأنبياء والرسل، وهذا لا شك لا يزري أبدًا بمناصبهم، ولا يحط من أقدارهم، ولا يقدح في رتبتهم، فهم لا يصرون على معصية، ويبادرون إلى التوبة والاستغفار، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.
وهذه من خصائص الرسل الكرام، فإنه لا يمكن أن تصيبهم الأمراض والآفات التي تجعل الناس ينفرون من مجالستهم والاجتماع بهم، فهم وإن كانوا بشرًا «تصيبهم العوارض التي تصيب البشر إلا أن الله عز وجل قد صانهم من العيوب المنفرة، وسلمهم من الأمراض الشائنة التي تجعل النفوس تنفر منهم» 145.
وذلك لأن وظيفة الرسل تقوم على الاختلاط بالناس وملاقاتهم؛ ولذا كانوا على أكمل الصور وأحسنها، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام بقوله: (ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجلٌ ضربٌ رجلٌ 146، كأنه من رجال شنوءة) 147148، وكذلك وصف عيسى عليه السلام بأنه (رجلٌ ربعةٌ 149 أحمر، كأنما خرج من ديماسٍ) 150 151.
وقد جاء وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في كتب السنة والسيرة فلم يرد فيها شيء مما ينفر، فقد كان سوي الخلقة، حسن الصورة، بأكمل ما يكون 152.
وقد أخبر القرآن أن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام قلن: (ٹ ٹ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَ?ذَا بَشَرًا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف: 31] .
ومن هذا يظهر أن ما يذكر عن الرسل عليهم السلام أو ما ينسب إليهم من عيوب إنما هو كذب مفترى؛ لذلك أنكر الله جل جلاله على الذين آذوا موسى عليه السلام، ونسبوا إليه بعض العيوب.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى? فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ? وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ?69?) [الأحزاب: 69] .
وهذه الأذية المشار إليها «هي قول بني إسرائيل لموسى لما رأوا شدة حيائه، وتستره عنهم: إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر» أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل يومًا، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى عليه السلام في طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق الله، فزال عنه ما رموه به» 153 154. وبذلك يظهر كيف أن «الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال» 155.
وكون الأنبياء على غاية الكمال في خلقتهم فهذا لا يمنع أبدًا من أنهم يمرضون ويصحون، ويشعرون بما يشعر به البشر من أوجاع عارضة كالصداع والحمى.
فعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال:(إنا كذلك يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء) قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: (ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) 156.
وهكذا يظهر لنا كيف أن الأنبياء مبرؤون ومعصومون من الأمراض المنفرة، وهذا لا يمنع تعرضهم للأمراض و «لكن بمرض غير منفر» 157.
خامسًا: الذكورة:
الذكورة من شروط الأنبياء والمرسلين، فلا يكون النبي إلا رجلًا، وقد أشار القرآن إلى هذا في غير ما موضع.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ?43?) [النحل: 43] .
وقال أيضًا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [يوسف: 109] .
ففي هذه الآية «يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع» 158.
وهذا يدل على أن الذكورة شرط للرسالة.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] .
فقوله: (ں رِجَالًا) يقتضي «أن ليس في النساء رسلًا، وهذا مجمع عليه» 159.
الحكمة من كون النبوة في الذكور:
أن يكون كون الرسل ذكورًا فهذا لأسباب له حكم كثيرة، منها:
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة بعض النساء ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري، والقرطبي، وابن حزم 160.
وقد رد جماهير العلماء هذه الأدلة بعدد من الوجوه، منها:
••القول بنبوة كل من خاطبته الملائكة غير مسلم، ففي الحديث أن الله أرسل ملكًا لرجل يزور أخًا له في الله في قرية أخرى، فسأله عن سبب زيارته له، فلما أخبره أنه يحبه في الله، أعلمه أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه 161، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة 162.
••الرسول صلى الله عليه وسلم توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأن الله أوحى إليه (لْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: 86] 163.
••اصطفاء الله لمريم لا يقطع بنبوتها، فالله قد صرح بأنه اصطفى غير الأنبياء: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ? فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّ) [فاطر: 32] وكذلك اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران على العالمين (ڑ ڑ. إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] ومن آلهما من ليس بنبي جزمًا.
••الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به لا يلزم منه النبوة؛ لأنه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء وقد ورد في بعض الأحاديث النص على أن خديجة من الكاملات 164 وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة.
••وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران) 165، فكون السيدة فاطمة كذلك، يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية؛ لأن فاطمة ليست بنبية جزمًا، وقد نص الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتين لكانتا أفضل من فاطمة.
••وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها. قال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ?) [المائدة: 75] . فلو كان هنا وصف أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نص قرآني ولا في حديث نبوي صحيح فيه إخبار بنبوة واحدة من النساء 166.
وقد نقل عن جمهور الفقهاء أن مريم ليست بنبية، وذكر النووي في (الأذكار) 167 عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبية ولا في الجن 168.
وهكذا يظهر أن الذكورة شرط لتحمل الرسالة، وأن الرسل ما كانوا إلا ذكورًا.
للنبوة مهمات عظيمة نتناولها في النقاط الآتية:
أولًا: الدعوة إلى التوحيد:
من أعظم مهمات الأنبياء التي كلفهم الله بها الدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] .
أي: فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة 169.
فهذه الآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به جميعًا، فهو مهمة جميع الرسل من نوح عليه السلام إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل واحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام جاء يقول لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] .
فهذه هي الغاية التي بعث الأنبياء والرسل من أجلها، والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، وهي أعظم غاية من أجلها خلق الخلق، وأوجدت الكائنات؛ وقام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث لأجلها رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا، ومنها قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ?) [النحل: 36] .
إلى غير ذلك من الآيات.
يقول سيد رحمه الله: «والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله، وقضية القرآن المكي بصفة خاصة، فتعريف الألوهية الحقة، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية، وتعريف العبودية وحدودها التي لا تتعداها والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق، واعترافهم بالربوبية والقوامة والحاكمية له وحده، هذا هو الموضوع الرئيس للقرآن كله، وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها، وهذه الحقيقة الكبيرة تستحق -عند التأمل العميق- كل هذا البيان الذي هو موضوع هذا القرآن، تستحق أن يرسل الله من أجلها رسله جميعًا، وأن ينزل بها كتبه جميعًا» 170.
ثانيًا: البشارة والنذارة:
من أشرف المهمات التي كلف بها الرسل هي البشارة والنذارة، وكثيرًا ما نلحظ في الآيات أن الله يجمع بين مهمة النذارة والبشارة، فيقول: (انَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [البقرة: 213] .
(رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ?) [النساء: 165] .
وفي هذا إشارة إلى أن الجمع بينهما هو خير أنواع الحث والحض؛ وما ذلك إلا لأن «النفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة؛ فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال؛ فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال» 171.
فالرسل إذًا مبشرون برحمة الله، وبما أعده الله لأهل الإيمان من السعادة في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر وفي أرض الحشر، وفي دار السعداء في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 213] .
وقال أيضًا: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 165] .
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [الأنعام: 48] .
ففي هذه الآيات يظهر لنا كيف أن «المقصود من بعثة الأنبياء أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله» 172 يبشروا «من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة» 173.
والبشارة هي «الإخبار بما يسر قبل أن يقع» 174. ولما كان الأنبياء والرسل يأتون بما يخالف الأهواء وتأباه النفوس فلا غرو كان حاجتهم شديدة للبشارة، وما ذلك إلا لأنها تهيئ السامع بما تحويه من ترغيب، فيبادر إلى التنفيذ والامتثال بكل عزمه وطاقته.
وتأمل كيف أن الإنسان شديد الحرص على المال ولنفسه تعلق كبير به، ولكنه حينما تأتيه بشارة كقوله تعالى: (نْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد: 11] .
حينما يسمع مثل هذه البشارة العظيمة والتي تعده بمضاعفة الأجر وزيادته، فلاشك أن أصابعه ستنبسط للعطاء، وسيقبل عليه بنفس منشرحة 175.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية:(نْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) [الحديد: 11] . (قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال:(نعم يا أبا الدحداح) . قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها وصبيانها، فقال صلى الله عليه وسلم: (كم من عذقٍ رداح في الجنة لأبي الدحداح) . وفي لفظ: (رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة) 176.
وهكذا تفعل البشارة في القلوب؛ ولذا كان النبي دومًا يوصي أصحابه بالتبشير؛ لأنه أعون على جذب القلوب فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال:(بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) 177.
والذي يتأمل في دعوات الرسل لأقوامهم يدرك حضور البشارة دومًا في ثنايا كلامهم.
فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ?10?يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ?11?وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ?12?) [نوح: 10 - 12] .
وهذا هود عليه السلام يقول لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود: 52] .
والنبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية حيث بايع الأنصار على حرب الأحمر والأسود، نلحظ كيف أنه لما اشترط عليهم أن يمنعوه ويقاتلوا دونه، بشرهم بأن الجنة هي جزاء الوفاء 178.
وهكذا يظهر لنا كيف أن التبشير مهمة أصيلة من مهام الرسل.
وكذلك النذارة فهي من أعظم مهمات الأنبياء التي كلفهم الله بها، أن يقوموا بإنذار الناس ما أعده الله من العذاب لمن خالف أمره وعصاه.
قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [الكهف: 56] .
وقال تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل: 2] .
والإنذار: «هو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف، وكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا» 179.
والنذارة من أعظم وظائف الأنبياء، وهي من مظاهر رحمة الله بخلقه؛ إذ جعل أنبيائه منذرين عقوبته لمن عصاه؛ حتى يتلافى الإنسان أسباب الهلاك والخسارة.
قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ? وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24] .
وقال تعالى عن نبيه: (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ: 46] .
وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا?) [الفرقان: 1] .
ونلحظ في هذه الآية أنه قال: (تَبَارَكَ) و «هو من البركة» 180.
ثم بين في ختام الآية أن عبده محمدًا صلى الله عليه وسلم نذير، والإنذار -كما سبق- فيه تخويف، فكيف يجتمعان؟!
هذا ما أجاب عنه الرازي رحمه الله بقوله: «أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر؛ لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا هاهنا كلما كان الإنذار كثيرًا كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر» 181.
فالمقصود أن هذا الإنذار المكلف به الرسل إنما هو من رحمة الله بخلقه وعنايته بهم.
ولما كان الرسل يأتون الناس بأوامر ونواهي تكبح جماح النفس، وتروضها كان لابد لهم في ذلك من البشارة -كما مر- ولكن أيضًا يحتاجون كذلك وبشدة إلى النذارة، فبعض الناس يكفيه التبشير، وبعضهم لا يستجيب إلا بالتخويف والترهيب، من أجل ذلك كانت النذارة من صلب مهمات الرسل، حتى نجد القرآن قصر في بعض آياته مهمتهم عليه.
يقول تعالى: (وَكَذَ?لِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف: 23] .
وقال الله لنبيه: (? إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ?) [هود: 12] .
وقال نوح عليه السلام: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الشعراء: 115] .
وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ? وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24] .
فاقتصر سبحانه على الإنذار «لأن أبرز جانب في حياة الرسل هو الجانب الإنذاري، حيث كانت حياتهم جهادًا متصلًا لأهل الكفر والضلال» 182.
والمقصود أن البشارة والنذارة من أعظم مهمات الأنبياء، وأبرز جوانب حياتهم.
ثالثًا: الحكم بما أنزل الله:
الحكم بما أنزل الله ليس بالأمر الهين فهو من المقاصد العظيمة، والغايات الكبيرة التي تحتاج في سبيلها بذل الغالي والثمين والنفس والنفيس؛ وذلك لأنها تلقى معارضة شديدة من «الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث؛ ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه، ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله، وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت؛ ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة، وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال؛ ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها، وسيأخذهم بالعقوبة عليها، وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض» 183 فهي إذًا مهمة لا يقوى عليها إلا النفوس الكبيرة، والقلوب العظيمة؛ ولذا جعلها الله من مهمات رسله وأنبيائه الكرام.
قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ? فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ?44? [المائدة: 44] .
ففي هذه الآية يخبرنا المولى جل جلاله كيف أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، وكيف أنه قد «حكم بها النبيون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يحرفوها» 184. وهذا يبين شدة التزام الرسل والأنبياء، وفرط عنايتهم بهذا الأمر.
وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ?26?) [ص: 26] .
وفي هذه الآية يظهر كيف أن الله جعل داود عليه السلام خليفة، وعرفه أن مهمته هي الحكم بما أنزل الله (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) أي: «فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك» 185 وتفريع أمره بالحكم بين الناس بالحق على جعله خليفة «للدلالة على أن ذلك واجبه» 186. وهذا يوضح أن قضية الحكم بما أنزل الله من المهمات التي حملها الله لرسله.
وقد جاءت آيات كثيرة تأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه بالحكم بما أنزل، ومنها قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ? فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ?) [المائدة: 48] .
أي: فاحكم يا محمد «بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم» 187 ومهمة الرسول في الحكم بما أنزل الحكم بما أنزل الله ليست لبعض الناس دون بعض، وإنما هي لعموم الناس، وتأمل كيف أنه قدم (بَيْنَهُمْ) [المائدة: 48] .
للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم 188.