فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 2431

يقول سبحانه وتعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:93] .

وهذا تفضل من الله عز و جل، وإنعام على الخلق؛ ليتيسر لهم الهدى، وتقوم الحجة على المعاندين، ولتطمئن بالحق نفوس المؤمنين، كما جاء عن إبراهيم حين سأل الله أن يريه ما تطمئن به نفسه.

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .

فاستجاب الله جل جلاله له وأراه ما طلب منه رؤيته.

5.نعمة نصر المرسلين والمؤمنين وإهلاك الكافرين.

يأمر الله نبيه نوحًا عليه السلام أن يشكر الله بالثناء عليه تعظيمًا وإجلالًا وفرحًا بفضله ورحمته؛ أن نجّاه من بطش قومه الذين استحبوا العمى على الهدى، ومن المعاناة التي كان يلاقيها هو ومن معه من المؤمنين استهزاءً وسخرية وإيذاءً في الدين والبدن 57.

يقول سبحانه وتعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28] .

وفي هذا من الإنعام ما لا يستشعره ولا يعرف قدره على الحقيقة إلا من جرب إيذاء أعداء الله لعباده الموحدين، أو شاهد أو سمع -وكان له قدرة على تصور صحيح- بالغ الأذى والألم الذي يجده المؤمنون جراء ذلك.

لطالما وجد المسلمون في أنفسهم من العجب من حال الكفار في تنعمهم على الرغم من كفرهم بالله، وإمعانهم في إيذاء أعداء الله، وقد كانت هذه الفتنة مما يترتب عليه انتكاس ضعاف النفوس، ما يوهن من عزم المؤمنين الذين لولا فضل الله عليهم لاتبعوا الشيطان، ومما يترتب عليه أيضًا التشكيك في طريق الإيمان، ثم ما أن يلبثوا أن يأتيهم الفرج من الله سبحانه وتعالى بإهلاك الظالمين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] .

فهو أمر يوجب إثبات الحمد لله الذي لا يقضي أمرًا إلا لحكمة، ومن حكمته إمهال الظالمين، وتقليب أحوالهم ما بين ضراء وسراء لعلهم يعودون؛ وإن سبق في علمه عدم رجوعهم؛ فيفعل هذا لأجل إقامة الحجة عليهم، فالحمد لله على ما قضاه وقدره من تقليب الأمور، وتثبيت قلوب الموحدين 58.

بعد أن أتم الله على نبيه النعماء بنصره وفتح مكة له، وأقر عينه بدخول الناس في دين الله عز و جل، وبين له أن مهمته أنجزت على أحسن حال، أمره الله سبحانه وتعالى أن يتوجه إليه حامدًا مستغفرًا؛ ليبلغ به هذا العمل الذي أراد الله أن يختم لنبيه به، فأنزل الله سورة النصر.

يقول الله عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ أَبِي لَهَبٍ (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1 - 3] .

يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله: «وهنا قرن التسبيح بحمد الله، وفيه ارتباط لطيف بأول السورة وموضوعها، إذ هي في الدلالة على كمال مهمة الرسالة بمجيء نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولدينه، ومجيء الفتح العام على المسلمين لبلاد الله بالفعل أو بالوعد الصادق كما تقدم، وهي نعمة تستوجب الشكر ويستحق موليها الحمد، فكان التسبيح مقترنا بالحمد في مقابل ذلك وقوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} ؛ ليشعر أنه سبحانه المولي للنعم» 59.

وقد كان دخول الناس في دين الله قرة عين للنبي صلى الله عليه وسلم، فكم كان يحزنه إعراضهم، أما وقد أقر الله عينه بنصره على أعدائه، وانتشار الدين، فقد أوجب الله عليه أن يقوم بواجب حمده على هذه النعمة، وقد كان فيها إعلام النبي بإنجاز مهمته وأداء رسالته، فهو أيضًا إنعام آخر من الله يستوجب حمده عليه، وفيها إيذان بدنو أجل النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وهو أمر يستدعي من النبي صلى الله عليه وسلم الإقبال على ما يحبه ربه سبحانه وتعالى من الأعمال، فأرشده تبارك وتعالى إلى الإقبال على التسبيح والحمد، ثناءً على الله، والاستغفار من القصور الذي يتلبس بالعمل بطاعة الله أداءً لشكر الله على نعمه.

6.نعمة إنزال الغيث من السماء.

بين الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من كتابه ما يقر به الكفار الذين جحدوا حق التوحيد في الألوهية لله عز و جل، من أنه وحده هو الذي ينزل المطر من السماء، فيحيي لهم الأرض بعد موتها، فتصبح بعد أن كانت جدباء عديمة النفع مليئة بالخيرات التي يكون بها معاشهم، وهم مع ذلك لايعقلون أن تمام نفعهم لا يكون إلا بتوحيدهم لله ربهم 60.

يقول سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] .

وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن رزق الله لعباده، فيكون الحمد فيها متعلقه إنعام الله عليهم بنزول الغيث، الذي يأتيهم بالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، وقد قرر كثير من المفسرين أن مقام الحمد هنا هو الحمد على قيام الحجة على الكافرين 61.

وهو أمر يحتمله النص، لكن السياق الذي جاء فيه الحمد أقرب لأن يوجّه ذلك لما لله على الناس من إنعام بإحياء الأرض بالمطر الذي ينزله الله عليهم من السماء، وهم لو بذلوا كل ما بوسعهم وتوسلوا لآلهتهم لكي تأتيهم بشيء من هذا لعجزوا عن القيام به؛ فله الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، فهو الذي ينزل المطر الغزير الذي أيسوا من نزوله ليغيث الله به البلاد والعباد، من بعد قنوطهم منه وانقطاعه عنهم مدة، فظنوا أنه لا يأتيهم.

يقول المولى جل جلاله: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28] .

وكانوا قد عملوا لذلك الجدب أعمالًا؛ فينزل الله الغيث وينشر به رحمته من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون بذلك ويفرحون؛ وذلك أن الله هو الولي الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالحهم دينًا ودنيا، فهو المحمود في ولايته وتدبيره 62.

7.نعمة الذرية الصالحة.

جاء الخبر عن إبراهيم عليه السلام وحمده ربّه لما أكرمه به من الذرية بعد أن بلغ من الكبر عتيًّا، وذلك بعد أن انقطعت أسبابها، فقد كبرت زوجته سارة حتى بلغت سنّ اليأس، قال الله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .

وقد كان طمعه انقطع بعد بلوغه من العمر مبلغًا ربما لا يولد لمثله فيه، فتأتيه البشرى به؛ وفي ذلك من الفرح والسرور أكثر مما في مجيء الولد المرتقب المتوقع مجيئه، وفيه من النعمة برعاية الولد لهما في حال ظنهما أن لا يكون لهما من يقوم على خدمتهما، وفيها أن هذين الولدين نبيان سيقومان بعده على دعوته التي جاء بها، وضحى من أجلها، الملة الحنيفية التي تنسب إليه، وفيها حصر النبوة في ذريته، ليصبح أبا الأنبياء 63.

والحمد مطلقًا، لا يكون إلا لله عز وجل، ودليله قول الله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .

وقد اقترن الحمد بأل الاستغراقية التي تفيد استغراق جميع المحامد وجعلها لله جل جلاله وحده 64. والحمد مقيدًا، يجوز في حق غيره كما سبق بيانه في المعنى اللغوي، ودليله قول الله عز وجل: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] .

فقد أنكر عليهم حبهم أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولم ينكر عليهم حب الحمد مطلقًا، يقول السعدي رحمه الله: «ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسّنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] » 65.

وهو مما يجوز لغير الله سبحانه وتعالى، لكن بحسبه، فحمد الله يستلزم محبته وإجلاله وتعظيمه، وكذلك حمد الرسول يستلزم محبته وتوقيره وتعزيزه وإجلاله، وكذلك حمد الوالدين والعلماء وملوك العدل، وأما حمد الرب عبده فإنه يستلزم إعزازه لعبده، وإكرامه إياه، والتنويه بذكره، وإلقاء التعظيم والمهابة له في قلوب أوليائه 66.

إذا تأملنا المواطن التي ورد فيها الحمد، ظهر أنه ورد في سبعة مقامات، على ما سيأتي بيانه:

أولًا: الألوهيةوالتوحيد:

إن الألوهية والتوحيد يتطلبان الحمد على عدة أحوال، وقد جاءت مقامات الحمد فيه على النحو الآتي:

1.الحمد في مقام التفرد بالألوهية.

الواجب أن يكون صاحب الحق في التأله وصرف العبودية واحد، فهذا ما يستقيم عليه الوجود، وبه ينتفي الاضطراب، يقول المولى عز وجل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] .

ولو أن الناس عملوا بمقتضى هذا المعنى، لما كانوا على هذه الحال التي يعيشونها، بل ولما بدا مثل هذا الفساد الذي ملأ السماوات والأرض، وما هو إلا ببعض ما كسبت أيديهم.

وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] .

ويقول أيضًا: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71] .

فلو اتبع الحق أهواءهم في زعمهم أن الآلهة متعددة لكان ذلك سببًا في فساد السماوات والأرض 67؛ حيث استنكروا الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى كما قال عنهم جل جلاله: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5] .

فكان المقام الأول الذي يكون فيه الحمد هو كون الإله واحدًا، ألا وهو الله جل جلاله.

يقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] .

يحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في هذه الآية على أنه هو الإله المتفرد بألوهيته بدلالة ما تقدم من تدبيره لخلقه، وانفراده بذلك، فلو كان غيره معه شريك في ذلك، لكان الحاصل أن لا يكون التدبير على ما ذكره، فلو أراد إهلاك قوم، ربما خالفه شريكه، ولو أراد نصر آخرين ربما خالفه، ولو صح وجود غيره لما صح تفرده بالكمال، ولصار في الوجود معبودان يتنازعان طاعة العباد، ولشق عليهم هذا الأمر مشقة بالغة 68.

وقد ضرب الله سبحانه وتعالى لذلك مثلًا ليظهر للمتأمل ما فيه من حرج: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .

المثل المضروب هو لرجل مملوك لشركاء ذوي أخلاق سيئة، يتنازعون طاعته، ليسوا على وفاق، ورجل مملوك لرجل واحد، ليس له شريك لتحدث بينهما المشاكسة وما يؤدي إلى سوء الأخلاق، فهو واحد متفرد محمود في ذاته وأوصافه وأفعاله، فلا يمكن لعاقل أن يقول: إن حال العبد في الصورة الأولى كحال الثاني، لذلك فالذي يختار الموضع الأول للعبد ليكون على حاله، لا يمكن أن يدرج في عداد العلماء 69.

وفي الصورة الثانية يأتي بالحمد على ألوهيته التي تفرد بها ما يدعو العاقل للاستسلام لها، وهذا في قوله جل جلاله: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65] ؛ لأنه يتصف بكمال الحياة المستلزم لكمال الصفات، ويأمر عباده أن يخلصوا له في عبادته، وجاء بعبادة هي من أحب العبادات إليه، ألا وهي الدعاء، حيث جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الدّعاء هو العبادة) 70.

وهي سلاح العبد الذي إذا ما تسلح به كفي في كل ما يصلحه، وذلك بعد بيان فضله على الموجودات عامة والإنسان خاصة في الآيات السابقة لهذه الآية؛ مما يدعو السامع ليطمئن لإفراده لله بالعبادة 71.

2.الحمد في مقام الربوبية المطلقة.

تقدم الحديث عن ربوبية الله المطلقة، وهو أمر إذا ما تأمله القارئ في كتاب الله عز و جل يعلم أنه مقام عظيم من مقامات الحمد، وذلك بالتفكر في إحكام الله لهذ الخلق العظيم، في خلقه وتدبيره وحفظه، يستحق استغراق المحامد كلها لهذا الرب العظيم؛ لذا افتتح كتابه بهذه الآية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] .

فله الحمد التام، وإن عميت بصائر وطمست أبصار، فذهبت تسوي بين من كانت ربوبيته على هذه الحال، وبين سواه من خلقه، قال سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1] .

سبحانه وتعالى، وله الحمد والجلالة، على عظمته وقدرته وكماله.

3.الحمد في مقام تفرده بالقدرة الكاملة.

بأسلوب ضرب المثل مرة أخرى ينبه الله عباده على المعادلة الصحيحة بالقياس الصحيح لاختيار المعبود، ولكن بالمقارنة بين قدرتين، الأولى صاحبها عاجز ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وهو عالة على غيره، والثاني قادر نافع لنفسه، ويجري نفعه على غيره، فالفرق بينهما عظيم، وقد تساويا في الأصل والذات والهيئة والصورة، فكيف إذا افترقا في ذلك، بل الفرق بينهما من وجوه لا حصر لها 72.

يقول سبحانه وتعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] .

وبعد المثل يقرر النتيجة الصحيحة للمعادلة بأن له الحمد، وأن غيره لا يستحق أن يذكر، ومن قبل غير هذا فهو من جنس من حرموا العلم النافع.

4.الحمد في مقام تفرده بالأسماء الحسنى، وانتفاء الولد والشريك والولي.

تقدم الحديث عن هذه الأسباب لإثبات الحمد له جل جلاله؛ فإن له الأسماء الحسنى التي لا يصح منها للمخلوق إلا ألفاظها، وليس إلا في بعضها، أما من جهة المعاني، فلا مماثلة ولا تشابه ولا تناظر، وهو الغني عن الولد اختيارًا لا اضطرارًا، كما لا يرقى إلى مشاركته في شيء أحد، ولا يستنصر بأحد من ذلة، وإن أمر عباده بنصره، فهذا على سبيل التكليف والابتلاء مع غناه عنهم، وهو الذي له التكبير المطلق وجوبًا على عباده، لما جاء من تأكيد ذلك بالمصدر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 110 - 111] .

5.الحمد في مقام تنزهه عما نسب إليه من صفات النقص.

ختم الله سبحانه وتعالى سورة الصافات وهي من السور التي استعرضت أحوال الأنبياء مع أممهم بقوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:180 - 182] ؛ ليرد سبحانه وتعالى بذلك على العقائد التي حملتها تلك الأمم، وجاءت الرسل لمحوها من وصف الله بما تنزه عز و جل عن الاتصاف به من صفات النقص، فنزه نفسه عمّا حوته عقائدهم، وأثنى على الرسل لما جاءوا به من العقائد الصحيحة في الله سبحانه وتعالى، وأثبت الحمد مطلقًا له جلّ جلاله 73.

ثانيًا: إرسال الرسل وإنزال الكتب:

1.الحمد في مقام فضل الله بإرسال الرسل.

لم يخلق الله سبحانه وتعالى الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لمهمة عبادته، وأرسل لهم من يبصرهم بطريق الهدى، ليخرجوهم من ظلمات الجهل، وينقذوهم من دياجير ظلم النفس، فقد خلقوا جهالًا، والظلم قرين الجهل، كما جاء وصف الإنسان في القرآن: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] .

فكان إرسال الرسل من أعظم ما يدل على عظمة الله وفضله وعدله؛ لذا كان أرسال الرسل مقامًا من المقامات التي يستحق الله الحمد عليها، قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] .

فالحمد لله، ومن معالم حمده في هذه الآية الرسل الذين أرسلهم سالمين من صفات النقص البشري، مبرئين من كل عيب 74؛ ليرشدوا الناس إلى توحيد خالقهم، وبيان بطلان الشرك، وليكونوا لهم قدوة يتأسون بهم.

قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة:6] .

وإنه لما لهذا الأمر من قدر عظيم في أفعال الله عز و جل، جعله مكتنفًا بالتسبيح والتحميد، مقدمًا له بالتسبيح، معقبًا عليه بالتحميد 75، فقال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:180 - 182] .

2.الحمد في مقام إنزال الكتب.

مهمة الرسل كما سبق هي التعليم، لكنها مهمة مؤقتة بوقت محدد وتنتهي، والناس بعد الرسل يحتاجون لما يرجعون إليه عند الحاجة لتبين الحق، فما الذي يلجئون إليه، هل تركهم الله حيارى؟! جلّ الله أن يكون منه مثل هذا؛ فإنه قد أنزل على رسله كتبًا ليحفظ الله لهم بها دينهم، وهم على ذلك ما حافظوا على هذه الكتب ولم يحرفوها أو يضيعوها، وهذا كان في الأمم السابقة، أما هذه الأمة فقد امتن الله عليها بأن تكفّل الله لها بحفظ كتابها من مثل هذا، لكن بقي لهم أن يحفظوه من الهجر والإعراض، والتصرف في المعاني على حسب الأهواء، فقد أنزل لهم كتابًا لا عوج له، قال سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف:1] .

وتكفّل لهم بالسلامة ما التزموا فيه الاستقامة، فقال جل جلاله: { ... فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .

وحذرهم من فساد أحوالهم، إذا هم لم يتبعوه أفعالهم، في دنياهم وأخراهم، فقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .

وأي ضنك بعد الضنك الناتج عن ورطة الإعراض عن الهدى وتنكب طريقه، والتخبط والحيرة والسعي في غير سبيله الموصل إلى المصالح، فلك الحمد ربنا على ما أنزلته؛ لتستقيم به معايشنا وحياتنا 76.

ثالثًا: الخلق والتدبير:

1.الحمد في مقام الخلق.

أمرٌ أقر به المشركون، ألا وهو خلق الله لهذا الوجود.

يقول سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25] .

ولم يتمكن الجاحدون من إقامة الحجة على إنكاره؛ بل إن أنفسهم مستيقنة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت